الوقت- لم يكن افتتاح معرض الكتاب في دمشق تحت إشراف أحمد الشرع (الجولاني) سوى محاولة يائسة لغسل سمعة سلطة قامت على أنقاض الدولة ومؤسساتها. الأولوية هنا لم تكن للثقافة، بل كانت محاولة لتمرير أجندة سياسية تهدف إلى فرض الأمر الواقع وتجميل صورة سلطة غير شرعية أمام المجتمع الدولي. يسعى الشرع من خلال هذه الفعالية إلى ادعاء القدرة على الإدارة المدنية، في محاولة بائسة لسرقة هوية دمشق الثقافية ونسبها إلى فصيله المسلح. إن إقامة المعرض في هذا التوقيت الحساس تهدف إلى تضليل الرأي العام والادعاء بأن العاصمة السورية قد استسلمت لهذا الواقع الجديد، وهي محاولة لانتزاع اعتراف زائف بالسيطرة المطلقة عبر بوابة الثقافة. هذا التنظيم لم يكن إلا استعراضاً للقوة الناعمة التي يحاول من خلالها الشرع إخفاء طبيعة حكمه القمعية وتاريخه المرتبط بالتشدد، مستخدماً الحشود كديكور بشري لإثبات استقرار وهمي لا يعكس حقيقة الاحتقان الشعبي الصامت تجاه هذه التغيرات الجذرية.
هيمنة ابن تيمية.. تكريس الفكر الإقصائي في قلب العاصمة
في قلب المعرض، ظهر التوجه الحقيقي لهذه السلطة من خلال الحضور الفج لمؤلفات "ابن تيمية" والتيارات المتشددة المرتبطة به. هذه العودة ليست مجرد عرض لكتب، بل هي عملية غزو فكري تهدف إلى تدمير المرجعية الدينية الوسطية التي ميزت دمشق لقرون. فبعد تغييب متعمد للفكر السوري المتعدد، جاء هذا المعرض ليفرض الفكر السلفي المتشدد كمرجعية وحيدة وحاكمة. إن إغراق المعرض بكتب شيخ الإسلام يعكس رغبة الشرع في تحويل دمشق إلى معقل للفكر الأحادي الذي لا يقبل الآخر. هذا الحضور يمثل انتكاسة ثقافية كبرى، حيث يتم إحياء مراجع الفتنة والتشدد لتصبح هي المنهج الدراسي والثقافي المقترح للسوريين. هذه الخطوة تهدف إلى اقتلاع الجذور الحضارية لدمشق واستبدالها بهوية غريبة تعتمد على التكفير والإقصاء، مما يوفر غطاءً فكرياً للجولاني لممارسة سلطته القائمة على الولاء الأيديولوجي الضيق بعيداً عن مفاهيم الدولة والمواطنة.
مائة مكتبة سلفية.. صناعة الحاضنة بكتب التشدد
إن مشاركة أكثر من مائة دار نشر ومكتبة سلفية متطرفة لم تكن صدفة، بل هي عملية حقن أيديولوجي مدروسة لتغيير ديموغرافية الفكر في سوريا. هذه الدور، التي جاءت محملة بكتب العقائد المتشنجة، شكلت كتلة ظلامية داخل المعرض، مما أدى إلى خنق أي صوت للأدب، الفلسفة، أو الفنون الإنسانية التي كانت تزدهر في دمشق. هذا التركيز الكمي يوضح أن الجولاني يسعى لبناء جيش عقائدي جديد يتغذى على هذه الكتب، بعيداً عن أي تنوع ثقافي حقيقي. إن وجود هذا الحشد من المكتبات السلفية يعطي رسالة واضحة بأن دمشق تُساق نحو السلفنة الإجبارية، مستغلين حاجة الناس للمعرفة لتقديم سموم الفكر الإقصائي في أغلفة براقة. هذا التنظيم لا يعكس انفتاحاً، بل هو انغلاق ممنهج يهدف إلى عزل السوريين عن محيطهم العربي والعالمي، وحبسهم في زنزانة فكرية ضيقة تخدم بقاء سلطة الفصيل الواحد وتوجهاته المتطرفة.
تعثر الشرع الجسدي.. حين فضحت العثرة هشاشة "التمثيلية"
خلال تجواله في المعرض، شهدت الأروقة لحظة ارتباك لأحمد الشرع (الجولاني)، حيث تعثر بجسده وكاد أن يسقط أرضاً في مشهد ينم عن فقدان للتوازن أمام عدسات الكاميرات. هذه العثرة الجسدية لم تكن مجرد حادث عرضي، بل كانت تعبيراً رمزياً صارخاً عن هشاشة الموقف الذي يقف عليه هذا الشخص الذي يحاول ارتداء ثوب رجل الدولة وهو لا يزال غارقاً في تاريخه المسلح. السقوط الذي أوشك أن يحدث أمام الملأ فضح التمثيلية التي يحاول إخراجها؛ فبينما كان يسعى للظهور بمظهر الواثق والمسيطر، جاءت سقطته البدنية لتذكر الجميع بأن من يحاول القفز فوق التاريخ والجغرافيا والثقافة السورية لا بد أن يتعثر. لقد كانت تلك اللحظة تجسيداً لحالة الارتباك السياسي والقلق الدائم الذي يعيشه، حيث أن الارض التي يقف عليها في دمشق ليست صلبة بما يكفي، وقد كشف هذا المشهد البروتوكولي عن صعوبة الموقف، حيث أن العثرة التي حدثت أمام الجمهور سلطت الضوء على التحديات التي تواجه القيادة الجديدة في تقديم صورة متكاملة ومستقرة تماماً في ظل هذه المرحلة الانتقالية المعقدة.
ردود الفعل الشعبية.. دمشق الغريبة في عيون أبنائها
استقبل الجمهور الدمشقي هذا المشهد الهزلي في المعرض بمزيج من السخرية والاشمئزاز، حيث شعر المواطن السوري بالغربة في مدينته وهو يرى رفوف الكتب التي كانت تضج بالمعارف والعلوم قد استُبدلت بمجلدات الفقه المتشدد ومراجع التكفير. لقد تحول المعرض من عرس ثقافي إلى سوق أيديولوجي تنفث فيه المكتبات السلفية سمومها تحت حماية السلاح. النخبة المثقفة في دمشق رأت في هذا الغزو تهديداً وجودياً لروح المدينة وتاريخها الليبرالي الذي طالما كان منارة للشرق. لقد كان المعرض اختباراً فاشلاً لمشروع الجولاني؛ فبدلاً من كسب القلوب، زاد من حدة النفور الشعبي تجاه هذه السلطة التي تحاول تديين الفضاء العام قسراً.
مآلات الانحدار.. السقوط الحتمي أمام وعي السوريين
في الختام، يظل معرض دمشق للكتاب، بما احتواه من كتب ابن تيمية دليلاً على أن محاولات فرض السلطة عبر الأيديولوجيا المتطرفة هي مشاريع ولدت ميتة. إن عثرة الشرع في المعرض ليست إلا بروفة للسقوط السياسي والأخلاقي الكبير الذي ينتظره، فمن يفشل في المشي بتوازن في رواق ثقافي لن ينجح في قيادة دولة معقدة مثل سوريا. إن الإصرار على استحضار الفكر السلفي الإقصائي ليكون واجهة لدمشق سيفضي حتماً إلى صدام مع الواقع السوري الأصيل الذي يرفض التشدد. لقد أظهر المعرض أن الجولاني يواجه تحديات حقيقية في كسب القبول الوطني الشامل، وأن خطواته نحو التمكين ما زالت تصطدم بعقبات فكرية وسياسية تجعل من الصعب التنبؤ بنجاحها المستدام. ستلفظ دمشق هذا الفكر الدخيل كما لفظت غيره، وسيبقى الرهان مستقبلاً على مدى قدرة هذه السلطة على تجاوز العثرات البدنية والفكرية، والتحول نحو فضاء ثقافي يتسع للجميع بعيداً عن سياسة اللون الواحد.
