الوقت- يأتي الحديث عن عرقلة "إسرائيل" لتنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة في لحظة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المعاناة الإنسانية مع الحسابات السياسية والعسكرية، فالهدنة التي فُرضت تحت ضغط الميدان وصمود المقاومة، لم تكن يوماً خياراً استراتيجياً للاحتلال، بل اضطراراً مؤقتاً فرضته الخسائر والعجز عن تحقيق الأهداف المعلنة، ومنذ الإعلان عن المرحلة الأولى، بدا واضحًا أن "إسرائيل" تتعامل مع الاتفاق كأداة تكتيكية لا كالتزام سياسي أو أخلاقي، وهو ما يفسر محاولاتها المتكررة للتسويف وخلق الذرائع من أجل تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية، رغم ما تحمله من استحقاقات إنسانية وأمنية واضحة.
المرحلة الثانية: استحقاق سياسي وإنساني
تمثل المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار جوهر الاتفاق، لأنها لا تقتصر على وقف مؤقت للعمليات العسكرية، بل تفتح الباب أمام خطوات أكثر عمقاً، تشمل تثبيت التهدئة، وتوسيع إدخال المساعدات، ومعالجة ملفات إنسانية عالقة، وعلى رأسها أوضاع المدنيين والبنية التحتية المدمرة، هذه المرحلة تعني عمليًا الاعتراف بفشل منطق القوة، والانتقال إلى مسار يفرض على الاحتلال التزامات واضحة تجاه سكان غزة، غير أن "إسرائيل"، التي اعتادت الإفلات من المحاسبة، ترى في هذه المرحلة قيداً على حريتها العسكرية، وتهديداً لسرديتها التي حاولت تسويقها طوال العدوان.
الاحتلال والالتفاف على الاتفاقات
لم تكن عرقلة "إسرائيل" لتنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار سلوكاً طارئاً، بل امتداداً طبيعياً لنهج تاريخي قائم على الالتفاف على الاتفاقات والتهرب من الالتزامات، فمنذ عقود، دأب الاحتلال على توقيع التفاهمات تحت الضغط، ثم تفريغها من مضمونها عبر التأويل والمماطلة، وفي الحالة الراهنة، تحاول "إسرائيل" إعادة خلط الأوراق عبر خلق نقاشات جانبية حول تفاصيل محسومة، في محاولة لتحويل الاستحقاق السياسي والإنساني إلى ملف أمني ضيق، بما يسمح لها بالتحكم في مسار الاتفاق وإفراغه من أهدافه الحقيقية.
سياسة العرقلة: أدوات وأساليب متكررة
تعتمد "إسرائيل" في عرقلتها تنفيذ المرحلة الثانية على مجموعة من الأساليب المعروفة، تبدأ بالمماطلة السياسية، ولا تنتهي بافتعال أزمات ميدانية وأمنية، فهي تطرح شروطاً جديدة لم تكن واردة في النص الأصلي، وتعيد تفسير البنود بما يخدم مصالحها، وتلوّح بالانسحاب من الاتفاق بحجة “الاعتبارات الأمنية”، هذه السياسة ليست جديدة، بل تمثل نمطاً ثابتاً في سلوك الاحتلال، الذي يستخدم الاتفاقات كوسيلة لشراء الوقت، وإعادة ترتيب أوراقه، ثم الانقلاب عليها متى سنحت الفرصة، غير مكترث بالنتائج الإنسانية الكارثية.
غزة بين المعاناة والصمود
في مقابل هذا التعطيل المتعمد، يعيش قطاع غزة واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، حيث لا تزال آثار العدوان حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية، فالمستشفيات تعمل بأدنى الإمكانات، والمنازل المدمرة تحولت إلى مأوى مفتوح للبرد والجوع، فيما ينتظر السكان تنفيذ الوعود المرتبطة بالمرحلة الثانية كنافذة أمل حقيقية، ورغم ذلك، يواصل الشعب الفلسطيني صموده، مستنداً إلى قناعة راسخة بأن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع، هذا الصمود، الذي شكّل الحاضنة الحقيقية للمقاومة، هو ما يجعل الاحتلال متوجساً من أي التزام طويل الأمد.
البعد الإنساني ورقة ضغط مكشوفة
تعمد "إسرائيل" إلى استخدام الوضع الإنساني في غزة كورقة ضغط سياسية، عبر ربط تنفيذ المرحلة الثانية بشروط تعسفية تمسّ حياة المدنيين بشكل مباشر، فالتباطؤ في إدخال المساعدات، وتعطيل إعادة الإعمار، والإبقاء على القيود المفروضة على الحركة، كلها أدوات تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني ودفعه نحو القبول بوقائع جديدة، غير أن هذه السياسة تصطدم بوعي شعبي متجذر، يدرك أن تحسين الواقع الإنساني لا يمكن أن يكون ثمناً للتنازل عن الحقوق، بل نتيجة طبيعية لإنهاء العدوان والالتزام الكامل بالاتفاقات.
المقاومة الفلسطينية: فرض المعادلات
أثبتت المقاومة الفلسطينية، عبر مراحل المواجهة المختلفة، أنها الطرف القادر على فرض المعادلات، ليس في الميدان العسكري فحسب، بل على المستوى السياسي أيضًا، حيث نجحت في تحويل إنجازاتها الميدانية إلى أوراق ضغط حقيقية، فالهدنة لم تكن نتاج رغبة إسرائيلية، بل نتيجة مباشرة لتوازن ردع فرضته المقاومة، وأجبر الاحتلال على القبول باتفاق لم يكن ضمن حساباته، وتأتي المرحلة الثانية من الاتفاق بوصفها امتداداً طبيعياً لهذا الإنجاز، ومحطة تؤكد انتقال المقاومة من موقع الدفاع إلى موقع التأثير، إن إصرار الاحتلال على العرقلة يعكس إدراكه العميق بأن تنفيذ كامل بنود الاتفاق يعني اعترافاً صريحاً بفشل أهداف العدوان، وبأن المقاومة خرجت من المواجهة أكثر ثباتاً وتنظيماً وقدرة على التأثير، رغم الحصار ومحاولات الكسر المستمرة.
الرهان الإسرائيلي الخاسر
يراهن الاحتلال، من خلال تعطيل تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، على عامل الزمن وتراجع الزخم السياسي والإعلامي، معتقداً أن إطالة أمد الانتظار ستؤدي إلى تخفيف الضغوط الدولية وتآكل الاهتمام بالقضية، بما يمنحه مساحة أوسع للمناورة وفرض وقائع جديدة على الأرض، غير أن هذا الرهان يتجاهل التحولات العميقة في المشهد الميداني والسياسي، حيث باتت المقاومة الفلسطينية أكثر حضوراً في معادلة الردع، وأكثر قدرة على الصمود وفرض شروطها رغم شراسة العدوان، وفي المقابل، يحوّل صمود غزة، رغم الجراح والدمار، عامل الزمن من أداة ضغط على الضحية إلى عنصر استنزاف للاحتلال، يكشف عجزه عن الحسم، ويُبقي ملف الاتفاق مفتوحاً بوصفه شاهداً حياً على فشل السياسات الإسرائيلية القائمة على القوة والتعطيل.
اختبار الإرادة والعدالة
في المحصلة، تكشف عرقلة "إسرائيل" لتنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار عن جوهر سياستها القائمة على التنصل من الالتزامات، ورفض أي مسار يحدّ من منطق القوة والعدوان، وفي المقابل، تؤكد التجربة أن صمود غزة، وتماسك مقاومتها، يشكلان عامل الضغط الحقيقي القادر على تحويل الاتفاقات من حبر على ورق إلى واقع ملموس، إن هذه المرحلة ليست مجرد بند في اتفاق، بل اختباراً لإرادة الشعوب، ولمفهوم العدالة، ولقدرة الفلسطينيين على انتزاع حقوقهم في وجه احتلال لا يفهم إلا لغة الصمود والمقاومة.
