الوقت- حين يُعلن عن انخفاض عدد سكان قطاع غزة بمقدار 254 ألف نسمة خلال فترة زمنية قصيرة، وبنسبة 10.6% من إجمالي السكان، فإننا لا نكون أمام تغير ديمغرافي طبيعي، ولا أمام موجة هجرة طوعية، ولا حتى أمام كارثة عابرة، نحن أمام نتيجة مباشرة ومركّبة لحرب إبادة جماعية مكتملة الأركان، استُخدمت فيها كل أدوات القتل الحديثة، وكل أشكال الحصار والتجويع، وكل وسائل الإهمال المتعمّد، وسط دعم غربي مطلق، وصمت دولي فاضح، وتواطؤ إنساني غير مسبوق.
هذه الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن الدم إن هذا التراجع السكاني ليس مجرد رقم في تقرير إحصائي، بل هو مرآة دامية لسياسات القتل الممنهج، ونتاج تراكمي للقصف، والمجازر، ومنع المساعدات، وتدمير البنية التحتية، وتجويع السكان، وترك الأطفال يموتون بردًا في خيام مهترئة، في واحدة من أبشع الجرائم الجماعية في القرن الحادي والعشرين.
القتل المباشر أداة إبادة ديمغرافية
1. القصف المكثف وتحويل غزة إلى منطقة موت
منذ الأيام الأولى للحرب، اعتمد الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أمريكي مباشر، على استراتيجية الأرض المحروقة، لم يكن القصف يستهدف مواقع عسكرية محددة، بل طال:
الأحياء السكنية المكتظة
المدارس والجامعات
المستشفيات ومحيطها
مراكز الإيواء التابعة للأمم المتحدة
الأسواق الشعبية
المساجد والكنائس
لقد حُوّلت غزة إلى حقل تجارب للأسلحة الثقيلة، حيث استُخدمت القنابل الارتجاجية، والذخائر شديدة الانفجار، وقنابل تزن أطنانًا، في مناطق لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترًا مربعًا، يعيش فيها أكثر من مليوني إنسان.
النتيجة الطبيعية لهذا القصف كانت سقوط عشرات آلاف الشهداء، معظمهم من النساء والأطفال، وهو ما يشكّل بحد ذاته عنصرًا أساسيًا في خفض عدد السكان بشكل مباشر.
2. استهداف العائلات والإبادة الأسرية
أحد أخطر أوجه هذه الحرب كان استهداف العائلات بكاملها، عائلات مُسحت من السجل المدني، لم يبقَ منها ناجٍ واحد، هذا النمط من القتل لا يؤدي فقط إلى خسارة عددية آنية، بل يخلق فراغًا ديمغرافيًا طويل الأمد، لأن الإبادة هنا لا تقتل الأفراد فقط، بل تقتل الأنساب والاستمرارية السكانية.
منع المساعدات كسلاح قتل بطيء
1. الحصار الكامل: التجويع كجريمة حرب
إلى جانب القتل بالقصف، استخدم الاحتلال وحلفاؤه سلاحًا لا يقل فتكًا: التجويع المتعمّد. فمنع دخول:
المواد الغذائية الأساسية
الطحين وحليب الأطفال
المياه الصالحة للشرب
الوقود اللازم لتشغيل الأفران والمضخات
لم يكن نتيجة خلل لوجستي، بل سياسة رسمية معلنة، رافقها خطاب إسرائيلي علني يعتبر أن “سكان غزة مسؤولون جماعيًا”، في خرق صارخ لكل مبادئ القانون الدولي الإنساني.
التجويع أدى إلى:
وفاة مرضى وسوء تغذية حاد
انهيار المناعة لدى الأطفال
انتشار الأوبئة
ارتفاع الوفيات غير المباشرة
وكل ذلك ساهم في زيادة عدد الوفيات خارج مشاهد القصف، وبالتالي تعميق الانخفاض السكاني.
2. منع الأدوية: حكم بالإعدام على المرضى
لم يتوقف الأمر عند الغذاء فقد مُنعت: أدوية الأمراض المزمنة مثل أدوية السرطان و معدات غسيل الكلى و جميع مستلزمات الجراحة والعناية المركزة، هذا المنع حوّل آلاف المرضى إلى ضحايا مؤجلين، مرضى كان يمكن إنقاذهم لو توافرت جرعة دواء، أو جهاز تنفس، أو سرير عناية، لكنهم تُركوا ليموتوا ببطء.
إن هذه الوفيات لا تقل قانونيًا أو أخلاقيًا عن القتل بالقصف، بل تدخل صراحة في تعريف الإبادة الجماعية عبر الإهمال المتعمّد.
تدمير البنية التحتية ساعد في رفع معدلات الموت
1. انهيار النظام الصحي
القصف الإسرائيلي لم يستهدف المستشفيات عرضًا، بل بنية النظام الصحي نفسه. تدمير:
المستشفيات الكبرى
المراكز الطبية
سيارات الإسعاف
مخازن الأدوية
أدّى إلى عجز شبه كامل عن تقديم الرعاية الصحية، حتى للحالات البسيطة، جرحى ينزفون حتى الموت، أطفال يولدون بلا حاضنات، نساء يلدن دون تخدير، ومرضى يموتون لأن الكهرباء مقطوعة.
كل هذا رفع معدل الوفيات اليومية، وأسهم بشكل مباشر في تراجع عدد السكان.
2. تدمير شبكات المياه والصرف الصحي
القصف دمّر:
محطات تحلية المياه
شبكات الصرف الصحي
آبار المياه
ما أدى إلى انتشار:
التهابات معوية
أمراض جلدية
تلوث واسع للمياه
وهذا بدوره خلق بيئة غير صالحة للحياة، تُنتج الموت بصمت، بعيدًا عن عدسات الكاميرا.
البرد القارس… حين يتحوّل الطقس إلى قاتل 1. خيام لا تقي من الموت
بعد تدمير مئات آلاف المنازل، اضطر السكان للعيش في:
خيام مهترئة، مدارس مدمّرة، ساحات مكشوفة ومع دخول الشتاء، وغياب: الوقود، الملابس الشتوية، البطانيات، التدفئة، بدأ الأطفال، وخصوصًا الرضّع، يموتون من شدة البرد، أطفال لم يُقتلوا بقنبلة، بل قُتلوا لأن العالم قرر ألا يدفئهم، وألا يسمح بإدخال ما ينقذهم.
2. الموت بالتجمد كجريمة سياسية
وفاة الأطفال بسبب التجمد ليست كارثة طبيعية، بل جريمة سياسية مركّبة:
الاحتلال دمّر المنازل
الاحتلال منع دخول المساعدات
الدول الغربية دعمت الحصار
المجتمع الدولي صمت والنتيجة: طفل يموت في خيمة.
هذا الشكل من الموت يُضاف إلى سجل الوفيات، ويعمّق الانخفاض السكاني، ويؤكد أن الإبادة لا تُنفّذ بالقنابل فقط، بل أيضًا بالبرد والصمت.
التواطؤ الدولي
1. الدعم الأمريكي: شراكة كاملة في الجريمة
الولايات المتحدة لم تكن وسيطًا، بل:
موّلت الحرب
زوّدت الاحتلال بالسلاح
استخدمت الفيتو لحمايته
برّرت جرائمه سياسيًا وإعلاميًا
هذا الدعم جعل الإبادة ممكنة، ومستمرة، ومحصّنة من المساءلة.
2. صمت أوروبا وازدواجية المعايير
الدول الأوروبية، التي تتحدث عن حقوق الإنسان، وقفت:
متفرجة أو مبرّرة أو مشاركة عبر السلاح والدعم السياسي، بينما تُدان جرائم أقل بكثير في أماكن أخرى، يُترك الفلسطيني ليموت جوعًا وبردًا وقصفًا، بلا حماية، ولا عدالة.
انخفاض السكان كدليل إدانة تاريخي
إن انخفاض عدد سكان غزة بمقدار 254 ألف نسمة ليس حدثًا ديمغرافيًا، بل وثيقة إدانة. إدانة لاحتلال مارس الإبادة، ولحلفاء موّلوا وسلّحوا، ولمجتمع دولي صمت حتى الموت.
هذه الأرقام ستبقى شاهدة، حتى لو حاول الإعلام الغربي تمييعها، أو تبريرها، أو دفنها في تقارير تقنية، فخلف كل رقم إنسان، وخلف كل إنسان قصة حياة أُطفئت عمدًا.
غزة لم تفقد سكانها لأنها صغيرة، بل لأنها تُركت وحدها في مواجهة آلة قتل عالمية، وما لم يُحاسَب المسؤولون، فإن هذا الانخفاض لن يكون نهاية القصة، بل فصلًا في كتاب الإبادة المفتوح.
