الوقت - لقد اجتاز العراق خلال الشهرين الماضيين منعطفين سياسيين بالغَي الأهمية، أولهما تمثّل في الانتخابات البرلمانية التي حاولت الولايات المتحدة، عبر حِيَلها المعهودة، أن تستولي على نتائجها وتفرض عملاءها كنوّاب على إرادة الشعب العراقي، غير أنّ يقظة الشعب العراقي وتماسكه الداخلي كانا كالسدّ المنيع في وجه هذه المكيدة، ما أفضى إلى فشل المخطط الأمريكي، وانتخاب غالبية برلمانية من القوى الشيعية المقرّبة من إيران.
ونظراً لما يتمتع به البرلمان العراقي من صلاحيات واسعة في اختيار رئيسي الوزراء والجمهورية، فإنه سيغدو الموجّه الأساسي لسياسات العراق المستقبلية، ولا ريب في أن تشكيل هذا البرلمان الجديد، يعني تضاؤل نفوذ الولايات المتحدة إلى حدّ بعيد على الساحة السياسية العراقية.
نوري المالكي: الاسم الأوفر حظاً لرئاسة الحكومة
أما الحدث الثاني الذي شهدته الساحة العراقية في الأيام القليلة الماضية، فهو ترشيح السيد نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، فقد قرّر الإطار التنسيقي الشيعي، بما يشمله من أحزاب شيعية عراقية، أن يدفع بالمالكي كمرشح رئيسي لرئاسة الحكومة المقبلة، ونظراً لكون الإطار التنسيقي الكتلة البرلمانية الأكبر، فإن حظوظ المالكي تُعدّ الأقوى لتولي هذا المنصب في المرحلة القادمة.
والجدير بالذكر أنّ عملية ترشيح المالكي جاءت نتيجة مشاورات دقيقة ومكثّفة أجرتها أحزاب الإطار التنسيقي مع بقية الكتل السياسية، وقد نجحت هذه الأحزاب، عبر حواراتها المستفيضة، في التوصل إلى توافق حول ترشيح المالكي، ما يعزّز من فرصه ليكون الخيار الحاسم والنهائي لرئاسة مجلس الوزراء.
لا يخفى على المتابعين أنّ الإطار التنسيقي الشيعي يمثّل تحالفاً يضمّ أحزاباً وقوى سياسية عراقية وثيقة الارتباط بإيران، وهو ما يجعله رقماً صعباً في معادلة السياسة العراقية، وقد جاءت خطوة ترشيح المالكي بعد سلسلة من المشاورات الدقيقة التي أجراها هذا التحالف مع مختلف الأطراف السياسية، في مسعى لتقديم مرشح يحظى بالقبول الواسع والقادر على قيادة المرحلة المقبلة بكل ما تحمله من تحديات داخلية وإقليمية.
معارضة الأمريكيين لترشيح المالكي من قبل الإطار التنسيقي الشيعي
إنّ إعلان الإطار التنسيقي الشيعي عن ترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء أثار حفيظة الأمريكيين، حتى إنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أبدى صراحةً رفضه لهذا الخيار، ما يكشف عن نوايا واشنطن الساعية إلى عرقلة ترشيح المالكي بكل الوسائل الممكنة، ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة نقاشات محتدمة داخل البرلمان العراقي حول التصويت لمصلحة المالكي، بل قد لا يتورّع الأمريكيون عن التدخل في سير عملية التصويت داخل البرلمان، سعياً لتعطيل المصادقة على توليه المنصب، مستخدمين أدواتهم السياسية وأذرعهم الخفية لعرقلة هذا المسار.
التوافق السياسي حول منصب رئيس الوزراء
على الرغم من أنّ القوى الشيعية تشكّل الكتلة البرلمانية الأكبر في العراق حالياً، إلا أنّ دعم المالكي في البرلمان يتطلب تحالفاً عريضاً يشمل قوى سنّية وكردية، ففي صفوف المكوّن السني، يوجد جناحان رئيسيان: جناح ينسجم إلى حد كبير مع الإطار التنسيقي الشيعي ويعدّ الأغلبية بين القوى السنية، وهو حريص على المشاركة في تشكيل حكومة المالكي المرتقبة، بل يسعى إلى تقديم أسماء وزرائه ضمن هذه الحكومة.
أما الكرد، فالمشهد السياسي لديهم ينقسم أيضاً إلى جناحين بارزين، الجناح الأول يتمثل بالحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يسيطر على مقاليد الحكم في إقليم كردستان، ويسعى جاهداً للحصول على وزارات سيادية في الحكومة المقبلة، مثل وزارات الداخلية والخارجية والدفاع، في المقابل، يطمح الإطار التنسيقي الشيعي إلى الاستحواذ على تلك الوزارات، ما ينذر بمنافسة شرسة بين الطرفين حول الحقائب الوزارية الرئيسية.
موقف دول المنطقة من المالكي
أما فيما يتعلق بمواقف دول المنطقة إزاء التطورات السياسية في العراق، فإنّ معظم الدول العربية تتعامل مع التركيبة الاجتماعية والسياسية للعراق من منظور طائفي، وتسعى إلى دعم رئيس وزراء يميل إلى التيار القومي العربي، غير أنّ نوري المالكي، بخلاف توجهاتهم، يُعرف بارتباطه الوثيق بالمحور الإيراني، ومعارضته الصارمة للتواجد الأمريكي في العراق، وهو ما يجعل دولاً كالسعودية ومصر والأردن وقطر والإمارات تُبدي رفضها لعودة المالكي إلى السلطة، ومع ذلك، فإنّ قدرة هذه الدول على التأثير الفعلي في المشهد السياسي العراقي تبقى محدودةً، ولا يُتوقع أن تؤدي مواقفها إلى تغييرات جوهرية في مسار الأحداث السياسية.
في المقابل، يبقى للولايات المتحدة أدواتها السياسية وقدرتها على التدخل في الشأن العراقي، ما يجعلها أكثر قدرةً على تعطيل مساعي المالكي للعودة إلى الحكم، ومن المحتمل أن تتخذ واشنطن خطوات ملموسة داخل البرلمان العراقي لإجهاض ترشيح المالكي، مستغلةً نفوذها السياسي وحضورها في المشهد العراقي.
يرجع رفض الأمريكيين لعودة المالكي إلى السلطة، إلى السياسات التي يُرتقب أن يتبناها في حال توليه رئاسة الوزراء. إذ تشير التوقعات إلى أنّ المالكي سيعمل على تعزيز محور المقاومة عبر دعم فصائل الحشد الشعبي وحركة النجباء وحزب الله العراقي، فضلاً عن تقديم يد العون لقوى المقاومة في لبنان واليمن، ومن بين أهدافه أيضاً تعزيز التعاون الاستراتيجي بين العراق وإيران، إضافةً إلى تقليص نفوذ الولايات المتحدة وصولاً إلى إخراجها من المشهد العراقي نهائياً.
إنّ هذه السياسات، التي تتعارض بشكل جذري مع مصالح واشنطن، تجعل من المالكي خياراً غير مرحّب به في الأروقة الأمريكية، وهو ما يفسّر استياءها من التحولات السياسية الراهنة في العراق، ومحاولاتها الحثيثة لتقويض فرص المالكي في الوصول إلى كرسي رئاسة الوزراء.
