الوقت- في قطاعٍ لا تتجاوز مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، يعيش اليوم أكثر من مليون إنسان بلا مأوى، مكشوفين للبرد والمطر والرياح، بعد أن تحوّلت بيوتهم إلى ركام، وخيامهم الهشّة إلى مصائد موت بطيء. غزة، التي خرجت ظاهريًا من مرحلة القصف المباشر بعد وقف إطلاق النار، دخلت فعليًا في مرحلة أكثر قسوة: مرحلة الموت الصامت، حيث لا تسقط القنابل، لكن يسقط الأطفال واحدًا تلو الآخر… تجمّدًا من البرد.
مأساة بلا سقف: مليون إنسان في العراء
منذ بدء الحرب، دمّر الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، وفق تقديرات أممية. أحياء كاملة أُزيلت عن الخريطة: الشجاعية، جباليا، بيت حانون، خزاعة، القرارة، وأجزاء واسعة من خان يونس ورفح. ومع غياب أي خطة إعادة إعمار، أو حتى إدخال مواد إيواء طارئة، وجد أكثر من مليون فلسطيني أنفسهم بلا منازل، يعيشون في خيام مهترئة، أو في مدارس مدمّرة جزئيًا، أو بين أنقاض بيوتهم السابقة.
هذه ليست أزمة سكن عادية، بل كارثة إنسانية مركبة: لا كهرباء، لا وقود، لا وسائل تدفئة، ولا حتى أغطية كافية. في ليالي الشتاء القارس، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل حاد، تصبح الخيمة قطعة قماش لا تقي من شيء، ويتحوّل البرد إلى عدوّ قاتل، خصوصًا للأطفال الرضع وكبار السن.
حين يصبح البرد قاتلًا: 11 رضيعًا قضوا تجمّدًا
خلال الأسابيع الماضية، أعلنت مصادر طبية في غزة عن وفاة 11 رضيعًا نتيجة البرد القارس. لم يموتوا بالقصف، ولا بالجوع المباشر، بل لأنهم لم يجدوا غطاءً، ولا مدفأة، ولا حليبًا دافئًا، ولا حتى جدارًا يحتمي به أجسادهم الهشة.
الرضيع الذي توفي مؤخرًا تجمّدًا من البرد لم يكن حالة استثنائية، بل حلقة في سلسلة موت متواصل. هؤلاء الأطفال وُلدوا في ظروف غير إنسانية: أمهات يعانين من سوء تغذية حاد، مستشفيات مدمّرة أو تعمل بالحد الأدنى، نقص حاد في الحاضنات، وانعدام شبه كامل للأدوية الأساسية. ثم يُتركون بعد ولادتهم ليواجهوا شتاء غزة بلا مأوى ولا دفء.
إنها صورة تعيد إلى الأذهان كوارث القرون الوسطى، لكنها تحدث اليوم، في القرن الحادي والعشرين، أمام شاشات العالم، وتحت أعين مؤسسات تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان.
وقف إطلاق نار بلا إنقاذ
بعد أشهر من الحرب، جرى الإعلان عن وقف لإطلاق النار. لكن هذا الوقف، الذي روّج له سياسيًا كـ"فرصة إنسانية"، تحوّل في الواقع إلى غطاء لاستمرار الحصار بأدوات أخرى. فالاحتلال الإسرائيلي، ورغم توقف القصف المكثف، واصل منع دخول المساعدات الأساسية، أو سمح بدخولها بكميات رمزية لا تلبّي حتى 10% من الاحتياج الفعلي.
مواد الإيواء، الخيام المقاومة للبرد، البيوت الجاهزة، المدافئ، الوقود، الملابس الشتوية… جميعها إما ممنوعة كليًا، أو تخضع لإجراءات تعجيزية، بحجة "الاستخدام المزدوج". النتيجة: شعب بأكمله يُترك ليواجه الشتاء بأجساد عارية من الحماية.
وقف إطلاق النار، في هذه الحالة، لم يكن نهاية للعقاب الجماعي، بل انتقالًا من القتل السريع إلى القتل البطيء.
سياسة التجويع والتعري: توحش صهيوني ممنهج
ما يجري في غزة ليس فشلًا إداريًا ولا نتيجة عشوائية للحرب، بل سياسة ممنهجة. الاحتلال يدرك تمامًا أن منع المساعدات، خصوصًا في فصل الشتاء، سيؤدي إلى ارتفاع الوفيات بين الفئات الأضعف: الأطفال، الرضع، المرضى، وكبار السن. ومع ذلك، يستمر في إغلاق المعابر، وفرض قيود خانقة على دخول أي شيء يمكن أن ينقذ الأرواح.
هذا السلوك يندرج بوضوح تحت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفق القانون الدولي الإنساني، الذي يجرّم استخدام التجويع والحرمان من المأوى كوسيلة من وسائل الحرب. ومع ذلك، لا يُحاسب الاحتلال، بل يُمنح الغطاء السياسي والدبلوماسي من قوى دولية كبرى.
المجتمع الدولي: عجز أم تواطؤ؟
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين المجتمع الدولي؟ أين الأمم المتحدة، مجلس الأمن، مجلس حقوق الإنسان، محكمة الجنايات الدولية؟ لماذا يُترك أكثر من مليون إنسان بلا مأوى، ويموت الرضع من البرد، دون تحرّك فعلي؟
البيانات الصادرة عن العواصم الغربية لا تتجاوز حدود "القلق" و"الدعوة إلى ضبط النفس". أما على الأرض، فلا ضغط حقيقي، ولا عقوبات، ولا حتى فرض فتح المعابر لأسباب إنسانية بحتة. هذا الصمت، في ظل وضوح الجريمة، لا يمكن وصفه إلا بأنه تواطؤ أخلاقي وسياسي.
فالعالم الذي تحرّك بسرعة لفرض عقوبات بسبب أزمات أخرى، يقف عاجزًا – أو متواطئًا – حين يتعلق الأمر بغزة. تُعطّل القرارات في مجلس الأمن، وتُفرغ الآليات القانونية من مضمونها، ويُترك الفلسطينيون وحدهم في مواجهة آلة القتل البطيء.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
الأطفال في غزة هم الضحية الأولى والأكثر قسوة. آلاف منهم فقدوا منازلهم، عشرات الآلاف يعيشون في خيام، مئات الآلاف يعانون من أمراض تنفسية بسبب البرد والرطوبة، و11 رضيعًا فقدوا حياتهم لأن أجسادهم لم تحتمل قسوة الشتاء.
الطفل الغزّي اليوم لا يملك سريرًا، ولا بطانية، ولا حليبًا كافيًا، ولا بيئة آمنة. يكبر في ظل الخوف، والبرد، والجوع، والصدمات النفسية. وهذه ليست فقط مأساة إنسانية آنية، بل قنبلة اجتماعية ونفسية ستنفجر آثارها لعقود قادمة.
غزة بعد الحرب: دمار بلا أفق
ما يزيد من فداحة المأساة هو غياب أي أفق واضح للحل. لا إعادة إعمار، لا رفع للحصار، لا ضمانات دولية حقيقية. حتى الحديث عن إدخال بيوت متنقلة أو مشاريع إغاثية شتوية يصطدم بالفيتو الإسرائيلي.
وهكذا، تتحول غزة إلى مخيم لجوء عملاق، لكن بلا حماية دولية، وبلا موارد، وبلا أمل. مليون إنسان يعيشون في حالة طوارئ دائمة، وكأنهم محكوم عليهم بالبقاء في العراء إلى أجل غير مسمى.
مسؤولية أخلاقية لا تسقط بالتقادم
إن وفاة رضيع تجمّدًا من البرد ليست "خبرًا عابرًا"، بل إدانة أخلاقية لنظام دولي فشل في حماية أبسط حقوق الإنسان: الحق في الحياة. وكل يوم يمر دون فتح المعابر، ودون إدخال المساعدات، ودون توفير مأوى، هو يوم يُضاف إلى سجل الجرائم.
التاريخ لن يرحم هذا الصمت، ولن تنفع التبريرات السياسية حين يُسأل العالم: لماذا تركتم أطفال غزة يموتون من البرد؟
غزة تختبر إنسانية العالم
غزة اليوم ليست فقط ساحة صراع، بل مرآة لضمير العالم. أكثر من مليون بلا مأوى، 11 رضيعًا قضوا تجمّدًا، حصار مستمر رغم وقف إطلاق النار، ومجتمع دولي يكتفي بالمشاهدة.
إما أن يتحرّك العالم لفرض إدخال المساعدات، ورفع الحصار، وتأمين المأوى والدفء، أو أن يعترف صراحة بأن حقوق الإنسان تُطبّق بانتقائية، وأن حياة الأطفال الفلسطينيين أقل قيمة في ميزان السياسة الدولية.
وفي كل ليلة باردة تمرّ على خيام غزة، يبقى السؤال معلقًا:
كم طفلًا آخر يجب أن يموت من البرد قبل أن يتحرك هذا العالم؟
