الوقت – قدّم إيال زيسر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا ونائب رئيس جامعة تل أبيب، تحليلاً يُفنّد الأوهام السائدة في المنظومة الفكرية الصهيونية حول مستقبل حزب الله، فقد حذّر زيسر، بلغة صريحة ومباشرة، من أن تصورات قادة الكيان الصهيوني لا تتماشى مع الواقع الميداني، مؤكداً أن المقاومة اللبنانية ستواصل نشاطها بالوتيرة والفاعلية ذاتها.
وجاء في تقريره:
"في ظل غياب تقييم موضوعي متكامل لواقع حزب الله اللبناني، تميل إسرائيل إلى بناء استراتيجيتها على أوهام مغلوطة، قوامها الاعتقاد بأن الحزب قد تلقى ضربات موجعة أفقدته قدرته على المبادرة، وأنه تحول إلى كيان دفاعي يسعى للتهدئة، هذا النمط من التفكير يُذكرنا بالتقييمات المتسرعة التي سادت عقب حرب لبنان الثانية صيف 2006، وكذلك التصورات المضللة التي راجت بعد كل جولة من جولات المواجهة العسكرية مع حماس في غزة خلال العقد الماضي".
وأضاف: "تسعى القيادة الإسرائيلية من خلال هذه التصورات المتفائلة، إلى تمهيد الطريق لإعادة سكان الشمال إلى منازلهم، لكن الواقع الميداني يتعارض تماماً مع هذه الأماني والتطلعات غير الواقعية".
حزب الله يتبنى مناورة ذكية لإعادة بناء قدراته بعيداً عن الأضواء
في دراسة تحليلية تستشرف مستقبل المشهد الجيوسياسي اللبناني، تتجلى حقائق استراتيجية ذات أبعاد عميقة تكشف خفايا المرحلة الراهنة، وتستقرئ تحولاتها المحتملة بدقة متناهية:
لا مراء في أن المقاومة اللبنانية تكبدت خسائر فادحة في المواجهة الأخيرة، إذ ارتقى قادتها البارزون وكوادرها النخبوية إلى مصاف الشهداء، وطالت يد الدمار أجزاءً واسعةً من الأراضي اللبنانية، وحالت الظروف دون وصول مرشحيها إلى سدة الرئاسة في البلاد، هذه وقائع ملموسة لا سبيل إلى تجاهلها، بيد أن الحقيقة الجوهرية تبقى راسخةً: لم تنكسر شوكة حزب الله، ولم يُستأصل وجوده، ولم تتضاءل عزيمته في مجابهة الكيان الصهيوني.
وبفضل بنيته التنظيمية المتماسكة، استطاع حزب الله الاحتفاظ بترسانته العسكرية المتطورة، فلا يزال في حوزته رصيد هائل من الصواريخ يُقدر بعشرات الآلاف، ويضم في صفوفه جيشاً من المقاتلين المدربين تدريباً عالياً يفوق عددهم بضعة عشرات الآلاف، متفوقاً بذلك على القوات المسلحة اللبنانية التي يُفترض بها - نظرياً - نزع سلاحه.
ومن البديهي أن الجيش اللبناني لم يتخذ أي خطوات فعلية لتقويض القدرات العسكرية للمقاومة، فلم تنسحب أي من وحدات حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، ولم يسلّم التنظيم ولو قطعة سلاح واحدة أو موقعاً استراتيجياً من بين آلاف المواقع المنتشرة في لبنان إلى السلطات الرسمية، ويتضح جلياً أن جميع القوى الفاعلة في لبنان تتجنب الاصطدام المباشر مع حزب الله وحلفائه، خشية انزلاق البلاد نحو أتون حرب أهلية مدمرة، ما يدفع معارضيه إلى انتهاج مسارات سياسية بديلة لتحييد قوته العسكرية.
إن المتبصر في الشأن اللبناني يدرك تماماً أن حزب الله ليس في وارد الانكفاء أو الانسحاب من المعادلة الإقليمية، لقد تبنى حزب الله في هذه المرحلة الدقيقة استراتيجيةً محكمةً تقوم على صرف الأنظار عن تحركاته، متيحاً لنفسه فسحةً زمنيةً ثمينةً لترميم بنيته التي نالت منها الضربات الإسرائيلية واستعادة زمام المبادرة، متبعاً في ذلك نهجاً مشابهاً لما تسعى إليه حركة حماس في قطاع غزة.
کما يتميز هذا التنظيم بمنظومة فكرية خاصة به، تختلف جذرياً عن المنطق الغربي أو الإسرائيلي، فمفهوم "الزمن" لدى حزب الله يُقاس بالسنوات والعقود، لا بالأيام والأسابيع كما هو الحال عندنا، لذا، إذا ترسخت لديه قناعة بأن "إسرائيل"، بعد عودة سكان الشمال إلى مناطقهم، قد فقدت الرغبة في خوض جولة جديدة من الصراع، فلا ينبغي أن يثير دهشتنا إذا شهدنا تطوراً مفاجئاً في وقت أقرب مما نتوقع، حيث يستعيد حزب الله زمام المبادرة، رافضاً بصلابة أي محاولة لنزع سلاحه، بل مستأنفاً عملياته الهجومية ضد الأهداف الإسرائيلية.