الوقت - بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، الذي طالما سيطر علی قرار جيش كيانه طيلة السنوات الثلاث المنصرمة؛ واهماً بقدرته على اجتثاث أعداء تل أبيب في المنطقة وداخل الأراضي المحتلة، كان يسعى قُبيل الانتخابات البرلمانية (الكنيست) للدخول في مغامرة جديدة، غير أنه اصطدم هذه المرة بجدار الجيش.
ولطالما زعم نتنياهو اعتزامه، بدعم من دونالد ترامب، حسم المعركة التي أطلق شرارتها ضد إيران. غير أن تكلفة هذه الحرب ومخاطرها قد بلغت حداً حال دون انصياع قادة الجيش لأوامره طواعيةً. وتتواتر التقارير التي تكشف عن شقاق عميق بين نتنياهو و"إيال زامير"، رئيس هيئة الأركان العامة لجيش الاحتلال، حول آلية المواجهة مع طهران.
وفي هذا السياق، أفادت القناة الـ 13 الإسرائيلية أن نتنياهو صرّح في مداولات سرية قائلاً: “إذا فزت في الانتخابات، سأقيل زامير”. وتشي التفاصيل المستجدة لهذا الخلاف بأن خطة مهاجمة إيران قد وُئدت بعد معارضة زامير، وتشير التقديرات إلى أنه في حال أُعيد انتخاب نتنياهو لولاية أخرى، فإن رئيس هيئة الأركان سيُعزل من منصبه.
وخلال الأسابيع المنصرمة، تفاقمت هوة الخلاف بين المستويين العسكري والسياسي في الكيان الصهيوني. وقد حالت معارضة زامير دون تمكن نتنياهو من تنفيذ مآربه في إشعال فتيل جولة ثالثة من الحرب ضد إيران قُبيل الانتخابات.
بدورها، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين صهاينة تأكيدهم لصحة الأنباء التي تتحدث عن خلافات بين نتنياهو وزامير بشأن شن عدوان على إيران قبل الانتخابات البرلمانية، وذلك في وقت يزعم فيه وزير الحرب الصهيوني “يسرائيل كاتس” انتفاء وجود أي خلافات من هذا القبيل جملةً وتفصيلاً.
ووفقاً لهذا التقرير، أبدى زامير في الأيام القليلة الماضية توجّسه من الضغوط التي يمارسها نتنياهو للإقدام على عمل انفرادي ضد إيران، إلى حد تطور فيه الأمر إلى مشادة كلامية بين الطرفين.
دوافع زامير في معارضة الهجوم على إيران
يعود السبب الأبرز وراء امتناع جيش الاحتلال هذه المرة عن مجاراة نتنياهو، إلى الأوضاع السياسية المشحونة داخل الأراضي المحتلة. وقد عزى زامير سبب معارضته إلى سعيه للحيلولة دون تأجيل الانتخابات، معتبراً أن إقداماً كهذا يُعد خطيئةً جسيمةً من شأنها أن تجرّ هجوماً إيرانياً مضاداً على الأراضي المحتلة.
لقد خلص جيش الاحتلال إلى قناعة تامة بأن نتنياهو يسعى، على أعتاب انتخابات الكنيست، إلى إرجاء الاستحقاق الانتخابي عبر تهويل خطر التعرض لهجوم إيراني. لكن، وخلافاً لادعاءاته، لم تكن هناك مؤشرات جلية تدل على رغبة إيرانية في الانخراط في جولة جديدة من الصراع مع تل أبيب، وهو ما أدى إلى إجهاض خطته وعدم سيرها كما كان يشتهي.
كان نتنياهو يدرك جيداً، وفقاً لنتائج استطلاعات الرأي، أن شبح الهزيمة يخيّم بقوة على حزب الليكود وحلفائه اليمينيين في الانتخابات الراهنة. لذا، كان يعقد الآمال على إشعال فتيل الجولة الثالثة من الحرب مع إيران لتأجيل الانتخابات لبرهة من الزمن، علّه يظفر بفرصة سانحة لترميم مكانته السياسية وتعزيز حظوظ تيار اليمين المتطرف. غير أن الجيش، الرابض في الخطوط الأمامية والمتوجس من تداعيات أي رد إيراني محتمل، رفض أن ينساق وراء هذا القرار.
فالجيش الصهيوني، الذي زُجّ به في جبهات شتى إبان حكم نتنياهو، يرزح اليوم تحت وطأة حروب متعاقبة ومكاسب ضبابية، ولم يعد يمتلك أي رغبة في الخوض في غمار صراع جديد؛ خطوةٌ قد تغرقه أكثر فأكثر في مستنقعٍ لطالما مهّدت له سياسات نتنياهو العسكرية.
وفي خضم المواجهتين السابقتين مع إيران، دأب نتنياهو على تصوير تلك الصدامات على أنها انتصارات مؤزرة. لکن النُقّاد يرون أن التهديدات المحدقة بالأراضي المحتلة لم تتبدد فحسب، بل إن فتح جبهات متعددة جعل الوضع الأمني لـ "إسرائيل" أشدّ قتامةً مما كان عليه قبل ثلاث سنوات.
ويعود السبب الجوهري وراء ميل الصهاينة نحو خصوم نتنياهو، إلى حالة التذمر العارم من الأوضاع التي سلبت المستوطنين طمأنينتهم. كما أن احتجاجات الآلاف المنددة بحكومة نتنياهو قبيل الانتخابات، قد أفصحت بوضوح عن توق الشعب وأحزاب المعارضة لإسدال الستار على أربع سنوات من الرعب والتوتر.
وفي ظل هذه المعطيات، يرفض رئيس هيئة الأركان الزجّ بقواته في أتون حرب جديدة، ويأبى تقديمهم قرابين على مذبح أطماع نتنياهو الشخصية والسياسية، لا سيما وأن المستقبل السياسي لرئيس الوزراء يكتنفه الغموض المطبق غداة انتخابات الكنيست.
وعليه، فقد آثر زامير هذه المرة إعلاء شأن أمن الإسرائيليين وتغليبه على الخوض في حرب جديدة ضد إيران، خصوصاً وأن سياسات نتنياهو العدائية قد كبّدتهم خسائر فادحة على امتداد السنوات الأربع المنصرمة. ومن هنا، فإن غضبة نتنياهو على زامير تؤكد أن معارضة الجيش قد عصفت بحلمه في توجيه ضربة جديدة لإيران ونسفته من جذوره.
من جهة أخرى، وفي ضوء الحسابات الانتخابية واحتمالية تشكيل حكومة منبثقة عن خصوم نتنياهو، لا يمكن إغفال احتمالية وجود دوافع سياسية مبطنة لدى زامير؛ فمعارضته للحرب قد لا تقتصر على الاعتبارات العسكرية والأمنية فحسب، بل قد تتعداها لتكون محاولةً لتأمين موطئ قدم له في هيكلية السلطة المرتقبة. وفي هذه الحالة، يمكن لزامير أن يضع قراره الجريء هذا بين يدي الحكومة المقبلة كعربون للحفاظ على أمن "إسرائيل"، سعياً منه للاحتفاظ بزمام قيادة الجيش.
وختاماً، تبرهن معارضة “إيال زامير” لخطط نتنياهو الرامية لمهاجمة إيران، على أن قرار إعلان الحرب، حتى في أشدّ الظروف السياسية حرجاً، لم يعد طوع بنان رئيس الوزراء بمفرده؛ وأن التقديرات العسكرية والأمنية قادرة بامتياز على الحيلولة دون ترجمة الحسابات السياسية إلى صراع جديد محفوف بالمخاطر.
