الوقت - نقلت وكالة «أسوشيتد برس» أن اليابان توسّع استثماراتها وشراكاتها التقنية لبناء جيل جديد من الروبوتات، آلاتٍ لا تكتفي بتنفيذ أوامر مبرمجة سلفًا، بل تستوعب ما حولها، وتزِن الظروف، وتقرّر كيف تؤدي مهمتها بما يلائم كل موقف. ويُعرف هذا النهج بـ«الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»، وقد يُخرج الروبوتات من خطوط الإنتاج الضيقة والمهام المتكررة إلى المستودعات والمستشفيات ومراكز الخدمات، بل إلى البيوت أيضًا. وهو تحوّل بالغ الأهمية لبلد يرزح تحت نقص اليد العاملة وتزايد أعداد المسنّين.
وذكرت الوكالة، في تقرير عن تعاون الشركات اليابانية مع «إنفيديا»، أن «فوجيتسو» تعمل، بمشاركة ثلاثة من كبار مصنّعي الروبوتات الصناعية هي «فانوك» و«ياسكاوا إلكتريك» و«كاواساكي للصناعات الثقيلة»، على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لروبوتات قادرة على العمل جنبًا إلى جنب مع البشر. وقد وُلد هذا التعاون من رغبة في المزاوجة بين الخبرة اليابانية العريقة في صناعة المعدات الدقيقة وأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتأمل الشركات أن تتمكن الروبوتات بفضل ذلك من العمل في بيئات أكثر تعقيدًا، وأن تُبدي مرونةً أكبر في مواجهة الظروف المتباينة.
ويكمن الفارق الجوهري بين هذا الجيل والآلات الصناعية التقليدية في طريقة التعلّم والاستجابة. فالروبوتات المعتادة تُبرمج عادةً على مجموعة محددة من الحركات، وأي تغيّر في الظروف قد يوقف عملها أو يستدعي إعادة برمجتها. أما الذكاء الاصطناعي الفيزيائي فيسعى إلى دمج المعلومات الواردة من الكاميرات وحساسات القوة وبيانات الحركة مع نماذج الذكاء الاصطناعي، كي تتمكن الآلة من قراءة حال المحيط، والتنبؤ بما قد تُفضي إليه حركتها، واختيار الإجراء الأنسب.
وأعلنت شركة «هيتاشي»، في مارس 2026، تطوير تقنية ذكاء اصطناعي فيزيائي تتيح للروبوت تحسين سلوكه الحركي تدريجيًا باستخدام بيانات من البيئة الواقعية. وبحسب الشركة، يستطيع النظام المطوَّر إصدار ما يصل إلى 100 أمر في الثانية، ويوظّف المعلومات البصرية وحساسات القوة واللمس لإنجاز الأعمال الدقيقة. ومن التطبيقات المحتملة التي ذُكرت: تجميع حزم الأسلاك، وصيانة المعدات، والأنشطة اللوجستية.
والحكومة اليابانية تسير في الاتجاه ذاته؛ إذ أطلقت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة في يونيو 2026 مشروعًا لتطوير نماذج أساسية متعددة الوسائط مخصصة للروبوتات والذكاء الاصطناعي الفيزيائي. ويهدف البرنامج إلى الإفادة من البيانات الواقعية للصناعات اليابانية في بناء تقنيات قادرة على تحليل أنواع شتى من المعلومات في آنٍ واحد، من الصورة والحركة إلى البيانات البيئية. ومن اعتبارات الخطة أيضًا حماية أمن البيانات الصناعية وتقليص التبعية التقنية.
ورغم هذه الخطوات، لا تزال الروبوتات صانعة القرار تصطدم بعقبات جدية؛ فالخطأ في التعرّف على الأشياء، والاحتكاك غير المقصود بالبشر، وارتفاع كلفة المعدات، والحاجة إلى تدريب واسع، كلها عوامل قد تحدّ من استخدامها. يضاف إلى ذلك أن نجاح الروبوت في أداء مهمة داخل المختبر لا يعني بالضرورة أنه سيعمل بثقة في الظروف الحقيقية. ومن هنا، فإن تطوير أنظمة السلامة واختبار الروبوتات في بيئات متنوعة، لا يقلان أهميةً عن تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي نفسها.
وبالنسبة إلى اليابان، ليس هذا السباق مجرد مشروع تقني، بل هو جزء من سعيها إلى صون قوتها الصناعية في زمن تتناقص فيه اليد العاملة وتشتدّ فيه المنافسة العالمية. فإذا استطاعت الشركات اليابانية أن تمزج خبرتها الراسخة في الروبوتات والتصنيع الدقيق بالذكاء الاصطناعي، فقد تطرح في الأسواق جيلًا جديدًا من الآلات لا يكتفي بالمهام المتكررة، بل يتعداها إلى بعض الأنشطة المتغيرة والمعقدة. ومع ذلك، يظل موعد انتشار هذه التقنية، ومدى استقلالية الروبوتات الحقيقية، رهنًا بنتائج التجارب العملية وإثبات سلامتها.
