الوقت - في 17 أكتوبر 2026، التقى السيد عباس عراقجي وبدر عبد العاطي، وزيري خارجية ايران ومصر، على هامش القمة الثانية والخمسين لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد، وناقشا قضايا وتطورات إقليمية. ووفقًا لبعض الخبراء، فقد نُقلت خلال بعض هذه المحادثات رسائل من إيران إلى الجانب المصري بشأن التدخل العسكري للقاهرة في حرب اليمن.
ويرى العديد من المحللين أن التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع شبكة العراقية، تجاوزت مجرد التحذير الدبلوماسي المعتاد. في مقابلة مع صحيفة العراقية، صرّح عباس عراقجي صراحةً بأن مصر تمتلك من الخبرة ما يكفي لتجنب التورط في الصراع اليمني المعقد، وأن أي وجود أو تدخل أجنبي سيزيد من صعوبة حل الأزمة.
ووفقًا لهؤلاء المحللين، فإن الرسالة الأساسية لعباس عراقجي هي بمثابة رسالة من إيران مفادها أنه إذا أرادت مصر القيام بعمل عسكري ضد اليمن، فإن هذا العمل سينتهي في نهاية المطاف بالإضرار بالقاهرة نفسها، وستجد البلاد نفسها عالقة في دوامة معقدة. ويتوافق هذا التحذير مع الواقع الميداني والتاريخي لمصر، ويُبرز مخاوف عبد الفتاح السيسي العميقة من تكرار التجربة المريرة للعقود الماضية.
ولفهم هذه المخاوف بشكل أفضل، لا بد من العودة إلى التاريخ. ففي عام 1962، أرسل الرئيس المصري آنذاك، جمال عبد الناصر، قواته إلى شمال اليمن لدعم الجمهوريين ضد الملكيين المدعومين من السعودية. وما بدا في البداية تدخلاً محدودًا وسريعًا، سرعان ما تحول إلى حرب استنزاف استمرت خمس سنوات.
أرسلت مصر نحو 70 ألف جندي إلى اليمن، فقتل منهم أكثر من 10 آلاف، وأنفقَت مليارات الدولارات، وأنهكت جيشها. وقد وصف جمال عبد الناصر الحرب لاحقًا بأنها "فيتنام مصر". لم يُضعف هذا التدخل اقتصاد مصر وقدراتها العسكرية فحسب، بل كان أيضًا عاملًا رئيسيًا في الهزيمة الساحقة التي مُني بها الجيش المصري في حرب 1967 مع الكيان الصهيوني.
لا تزال ذكرى هذه الكارثة حاضرة في أذهان النخب العسكرية والسياسية المصرية، وتُعدّ درسًا تاريخيًا هامًا: فاليمن قد يتحول إلى فخ استراتيجي يستنزف موارد أي بلد دون تحقيق أي نتائج ملموسة.
اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يبدو المشهد متشابهًا جزئيًا ومختلفًا جزئيًا. فالحرب اليمنية، التي اشتدت منذ عام 2015، وبعد فترة هدوء نسبي، عادت للاشتعال مجددًا منذ يوليو 2026، جعلت السعودية مرة أخرى هدفًا لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة اليمنية. وقد أثارت الهجمات على مطار الرياض ومنشآت أرامكو النفطية مخاوف جدية.
في هذا السياق، طلب السيسي، في خطابه الأخير، من البرلمان المصري تفويضًا لتقديم دعم عسكري للسعودية إذا طلبت الرياض ذلك، مؤكدًا أن مصر "لن تنسى أبدًا أشقاءها الخليجيين". إلا أن البرلمان المصري أرجأ النظر في الطلب، وسرعان ما أوضح السيسي أن أي جهد عسكري مصري سيكون دفاعيًا بحتًا: أي الدفاع عن الأراضي والحدود السعودية، وليس مهاجمة اليمن.
هذا الحذر ليس من قبيل الصدفة. يعتقد المحللون أن السيسي قلق بشأن عدة جوانب. أولًا، التهديد العسكري المباشر. فقد اكتسب اليمنيون الآن قدرات متقدمة في مجال الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة الهجومية القادرة على ضرب أهداف في عمق الأراضي السعودية وحتى خارجها. إن دخول مصر في المعادلة العسكرية، حتى في صورة دفاع جوي أو بحري، قد يجعل القاهرة هدفًا مباشرًا. وقد حذرت جماعة أنصار الله مصر صراحةً من "كارثة ثانية" واستذكرت تجارب تاريخية.
ثانيًا، التكاليف الاقتصادية والسياسية الداخلية. تواجه مصر تحديات اقتصادية جسيمة، وتُعد عائدات قناة السويس حيوية لها. تسببت الاضطرابات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، اللذين تسيطر عليهما أنصار الله جزئياً، في خسائر بمليارات الدولارات لمصر.
لا يرغب السيسي في استنزاف موارد البلاد المحدودة على جبهة بعيدة عن حدودها الرئيسية من خلال خوض حرب استنزاف. علاوة على ذلك، فإن الرأي العام المصري والنخبة العسكرية شديدو الحساسية تجاه التدخل الأجنبي. ولا تزال تجربة الستينيات تُذكر كرمز للفشل وإهدار الموارد.
ثالثاً، التعقيد الجيوسياسي. لم تعد الحرب اليمنية مجرد صراع محلي، بل أصبحت مرتبطة بتطورات إقليمية أوسع، بما في ذلك التوترات مع إيران وإسرائيل والقوى الغربية. وبالإشارة إلى تجربة مصر، ذكّر عراقجي بفعالية بأن دخول أطراف جديدة قد يجعل الأزمة أكثر دولية واستعصاءً على الحل.
أعربت إيران مراراً عن استعدادها للتوسط والإصرار على حل سياسي. في المقابل، لا ترغب مصر في توتر علاقاتها مع إيران أو أن تكون على خط المواجهة الذي قد يؤدي إلى صراع مباشر مع محور المقاومة.
ويتفق المحللون الغربيون والإقليميون أيضاً على أن أي تدخل مصري سيقتصر على الأرجح على دعم الدفاع الجوي، والدفاع الصاروخي، والقوات البحرية لحماية الممرات الملاحية، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، وليس على نشر قوات برية على الأراضي اليمنية.
مع ذلك، ثمة خطر من تصاعد التوترات. يعتقد بعض الخبراء أن السيسي، بسعيه للحصول على موافقة البرلمان، يوجه رسالة تضامن إلى السعودية، ويحافظ في الوقت نفسه على هامش مناورة لتقليل التدخل إلى أدنى حد ممكن عند الضرورة.
في نهاية المطاف، ينبع خوف السيسي من التورط في حرب اليمن من مزيج من الذاكرة التاريخية، والحسابات العسكرية الواقعية، والأولويات الاقتصادية. وقد أكد تحذير إيران الأخير للحكومة المصرية أن اليمن لا يزال من الممكن أن يتحول إلى مستنقع للقوى الأجنبية. مصر اليوم، على عكس ستينيات القرن الماضي، قوة إقليمية أكثر حذرًا، تُعطي الأولوية للأمن الداخلي والاستقرار الاقتصادي والعلاقات المتوازنة مع جيرانها على المغامرات العسكرية.
يبقى أن نرى ما إذا كان هذا الحذر كافيًا، أو ما إذا كانت الضغوط الإقليمية ستدفع القاهرة نحو تدخل أكبر. لكن ثمة أمر واحد واضح: ستظل تجربة "فيتنام المصرية" تلقي بظلالها على قرارات القاهرة الاستراتيجية، وأي تحركات في هذا الاتجاه ستُقابل بحذر شديد.
يعكس هذا الوضع تعقيد المعادلات في منطقة غرب آسيا، حيث تتنافس باستمرار قضايا التضامن العربي والمصالح الوطنية والدروس التاريخية. تربط مصر والسعودية علاقات وثيقة، لكن اليمن يُذكّرنا بمرارة أن بعض الحروب لا رابح فيها.
