الوقت - في تطور سياسي وإعلامي بالغ الأهمية، يعود بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الكيان الصهيوني، إلى واجهة العاصفة، بعدما كشف تحقيق صحفي نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن تناقضات بين روايته بشأن الإخفاق الذي سبق هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبين وثائق وتقديرات أمنية ومحاضر اجتماعات سابقة. إنها معطيات تعيد فتح واحد من أخطر الملفات في تاريخ الكيان الصهيوني، وتضع القيادة السياسية أمام أسئلة لا يمكن إسكاتها بالخطب والبيانات ومحاولات توزيع المسؤولية على الآخرين. وبحسب التحقيق، فإن وثيقة من 55 صفحة قدمها نتنياهو تضمنت اقتباسات مجتزأة وتغييرات في السياق، بينما أشارت الوثائق التي قارنها التحقيق بها إلى وجود تحذيرات سابقة من تدهور الوضع الأمني.
ومع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تتحول هذه القضية إلى عبء سياسي ثقيل على نتنياهو، الذي يواجه مطالب متزايدة بالمحاسبة والتحقيق المستقل. فهل يستطيع الهروب من أسئلة المسؤولية؟ وهل تنجح روايته في الصمود أمام الوثائق؟
رواية نتنياهو تتصدع.. والوثائق تفتح أبواب المساءلة
تكمن خطورة التحقيق في أنه لا يكتفي بإعادة سرد أحداث السابع من أكتوبر، بل يضع الرواية التي قدمها نتنياهو أمام مقارنة مباشرة مع وثائق أمنية سابقة. فبحسب ما نشرته «يديعوت أحرونوت»، حاول رئيس الحكومة إظهار أنه لم يتلقَّ المعلومات الضرورية عن خطط حماس، وأن الأجهزة الأمنية هي التي تبنت تقديرات قللت من احتمال وقوع هجوم واسع، بينما كان هو، وفق روايته، يدفع نحو خيارات أكثر حسمًا. غير أن التحقيق يقدم معطيات مختلفة، تشير إلى أن التحذيرات كانت موجودة، وأن بعض الوثائق التي استند إليها نتنياهو لم تُعرض، بحسب الصحيفة، بسياقها الكامل.
وهنا تبرز المعضلة الكبرى: كيف يمكن لرئيس حكومة أن يطالب الجمهور بتصديق روايته، بينما تثير المقارنة بين روايته والوثائق الأصلية أسئلة حول ما حُذف وما أُغفل وكيف فُسرت المعلومات؟
إن نتنياهو أمام أزمة مصداقية حقيقية؛ لأن المسألة تتجاوز اختلاف وجهات النظر إلى ضرورة معرفة ما جرى فعلًا داخل دوائر القرار. ولا يعني ذلك أن التحقيق حسم جميع المسؤوليات، لكنه يجعل المطالبة بالكشف الكامل عن الوثائق والمحاضر أكثر إلحاحًا. فكلما ازدادت التناقضات التي تحتاج إلى تفسير، ازدادت صعوبة إغلاق الملف بخطاب سياسي أحادي. وفي هذه المعركة، لا يكفي نتنياهو أن يدافع عن نفسه؛ بل عليه أن يقدم إجابات قابلة للفحص والمحاسبة.
سياسة التهدئة والاحتواء.. رهان نتنياهو الذي انكشف فشله
يشير التحقيق إلى وثائق وتوجيهات سابقة تضمنت أهدافًا تتعلق بإبقاء غزة جبهة ثانوية، والحفاظ على استقرار طويل الأمد، وتجنب التصعيد قدر الإمكان. كما أورد أن وثيقة أُرسلت إلى مراقب الدولة في أبريل/نيسان 2024 أقرت بأن التوجهات السياسية السابقة تضمنت تأجيل المواجهة والحفاظ على الوضع القائم.
هذه المعطيات تضرب جوهر الخطاب الذي يريد تصوير نتنياهو باعتباره القائد الذي كان يسعى دائمًا إلى الحسم، بينما وقفت مؤسسات أخرى في طريقه. فإذا كانت سياسة التهدئة جزءًا من التوجه الصهيوني على مدى سنوات، فإن السؤال لم يعد متعلقًا بتصريح منفرد أو اجتماع بعينه، بل بجدوى الاستراتيجية التي اعتمدتها القيادة السياسية الصهيونية.
لقد أثبتت أحداث السابع من أكتوبر أن الهدوء الظاهري لا يشكل ضمانة للأمن، وأن الرهان على الردع يمكن أن يتحول إلى إخفاق بالغ الكلفة. وهذه هي المفارقة التي تلاحق نتنياهو: سياسة سُوّقت بوصفها وسيلة للسيطرة على المشهد انتهت إلى كارثة أمنية هزت ثقة الجمهور بقيادته ومؤسساته.
أسئلة محرجة حول المعلومات التي وصلت إلى نتنياهو
يمثل ملف الخطة الهجومية المعروفة باسم «حائط أريحا» أحد أكثر جوانب التحقيق حساسية. فقد قال نتنياهو، وفق الوثيقة التي نشرها، إنه لم يتلقَّ الخطة بهذا الاسم ولم يُبلَّغ بوجود تصور مماثل لدى حماس. لكن التحقيق يشير إلى أن معلومات عن خطط هجومية واسعة كانت متداولة داخل المؤسسات الأمنية منذ عام 2018، وأن وثيقة عسكرية من 23 صفحة تناولت سيناريوهات لمهاجمة قواعد عسكرية ومواقع مدنية واختراق السياج الحدودي.
ويضيف التحقيق أن معلومات ذات صلة ظهرت في عروض وتقييمات لاحقة، بينها عرض قُدم في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 عن ملامح المواجهة المقبلة في غزة، وتضمن، بحسب الصحيفة، سيناريوهات للتسلل والهجوم المفاجئ وذكر اسم «حائط أريحا». كما أشار التحقيق إلى أن نتنياهو أقر بوصول مخرجات ذلك الاجتماع إليه.
هذه التفاصيل تضع روايته أمام سؤال جوهري: هل جرى التعامل مع المعلومات المتاحة بما يتناسب مع خطورتها حسب مايقوله الصهاينة، أم أن التقديرات التي قللت احتمال تنفيذ الهجوم طغت على المؤشرات التي كانت تستدعي استعدادًا أكبر؟ فهناك فارق واضح بين عدم معرفة الموعد الدقيق لهجوم محتمل وبين غياب المعلومات عن وجود خطط هجومية واسعة أصلًا.
سياسيًا، يصعب تجاهل أن هذه الأسئلة تضرب صورة القيادة التي قدمت نفسها باعتبارها صاحبة الخبرة الأمنية والقدرة على إدارة المخاطر. وإذا كانت التحذيرات موجودة، فإن تجاهلها أو التقليل من شأنها تضع نتنياهو في مواجهة محرجة
هل تجاهلت حكومة الكيان الصهيوني الإشارات ؟
يورد التحقيق سلسلة من التحذيرات التي سبقت السابع من أكتوبر، بينها تقديرات تحدثت عن استفادة حماس من الانقسامات الداخلية، وعن تراجع الردع واحتمال اتساع المواجهة. كما يشير إلى تحذيرات قدمها مسؤولون أمنيون خلال عام 2023، وإلى تقييمات نبهت إلى أن خصوم الكيان الصهيوني قد يرون في أزماته الداخلية فرصة لزيادة الضغط وفتح جبهات متعددة.
وفي المقابل، تبنى نتنياهو علنًا خطابًا يؤكد أن حماس أصبحت مردوعة، وأن سياسة حكومته نجحت في تغيير معادلة المواجهة. ووفق التحقيق، فإن هذا الاعتقاد لم يكن مجرد تقدير منقول عن الأجهزة الأمنية، بل ظهر أيضًا في تصريحات نتنياهو وملاحظاته خلال اجتماعات سياسية وأمنية.
هنا تتجلى المفارقة التي يصعب على رئيس الحكومة تجاوزها: كيف تحول الردع، الذي قدمه بوصفه إنجازًا لسياساته، إلى حجة دفاعية تُستخدم لتبرير عدم توقع الهجوم؟ وكيف يمكن تصوير الإخفاق على أنه مسؤولية الأجهزة وحدها، بينما تشير الوثائق إلى أن القيادة السياسية تبنت بنفسها تصورات عن استقرار الوضع؟
إن وجود التحذيرات لا يعني أن المؤسسات الأمنية توقعت بالضرورة تفاصيل الهجوم أو حددت موعده بدقة. لكنه يفرض سؤالًا لا مفر منه حول كيفية التعامل ، ومدى جدية الاستعداد لاحتمال انهيار التقديرات السائدة.
لقد تحولت أزمة الردع إلى أزمة ثقة في قدرة الحكومة على حماية الجمهور وإدارة الصراع. وهذه هي الضربة السياسية الأشد لنتنياهو: أن يجد نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن استراتيجية ارتبطت باسمه، في وقت تُستخدم فيه نتائجها الكارثية أساسًا للمطالبة بمحاسبته.
السقوط السياسي المدوي يلوح في الأفق.. انتخابات أكتوبر اختبار لمستقبل نتنياهو
تكتسب هذه القضية أهمية إضافية مع اقتراب انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026. فملف السابع من أكتوبر لم يعد مجرد نقاش حول إخفاق أمني سابق، بل أصبح محورًا للصراع على القيادة والمحاسبة ومستقبل الحكومة. وتواجه رواية نتنياهو ضغوطًا متزايدة من خصومه ومن عائلات الضحايا ومطالبين بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تكشف مسار اتخاذ القرارات وتحدد مسؤولية كل جهة.
إن محاولة حصر الإخفاق في المؤسسة الأمنية، مع تجنب حسم المسؤولية السياسية، قد تمنح نتنياهو مساحة للمناورة مؤقتًا، لكنها لا تجيب عن الأسئلة التي تثيرها الوثائق بشأن سياسات التهدئة والردع والتحذيرات السابقة. كما أن استمرار الخلاف حول نشر المحاضر والوثائق كاملة يزيد من أهمية المطالبة بتحقيق مستقل، لا تتحكم الحكومة في نتائجه ولا تختار مسبقًا حدود مساءلته.
ومن هنا، يمكن الحديث عن خطر سقوط سياسي مدوٍّ يهدد نتنياهو، لا باعتباره نتيجة انتخابية محسومة، بل بوصفه احتمالًا يتغذى على أزمة الثقة وتراكم الأسئلة. فالانتخابات المقبلة قد تتحول إلى اختبار مباشر لقدرة رئيس الحكومة على إقناع الجمهور بأن روايته تصمد أمام الأدلة، وأنه قادر على تحمل المسؤولية بدل الاكتفاء بتوزيعها.
وإذا كان نتنياهو يسعى إلى تجديد شرعيته السياسية، فإن الطريق لا يمر عبر الحملات الإعلامية وحدها، بل عبر كشف الحقائق وقبول المساءلة. أما تجاهل المطالب بالتحقيق أو التعامل مع الوثائق باعتبارها خصمًا سياسيًا يجب احتواؤه، فقد يعمق الأزمة ويحولها إلى عبء انتخابي أثقل. وفي النهاية، لن يكون السؤال فقط من أخطأ قبل السابع من أكتوبر، بل من يقبل اليوم كشف الحقيقة كاملة، ومن يحاول تجنبها.
في الختام ، تكشف القضية عن أزمة تتجاوز نتنياهو شخصيًا، وتمس النهج السياسي والأمني الذي حكم تعامل الكيان الصهيوني مع قطاع غزة لسنوات. فالتحقيق يثير أسئلة جدية حول سياسة التهدئة، وتقديرات الردع، والتحذيرات التي سبقت الهجوم، والطريقة التي عُرضت بها بعض الوثائق لاحقًا. وفي الوقت نفسه، لا يعفي الأجهزة الأمنية من مسؤوليتها عن إخفاقها في تقدير الهجوم والاستعداد له.
لكن نتنياهو، بصفته رئيس الحكومة وصاحب القرار السياسي الأعلى، لا يستطيع مطالبة الجمهور بتجاهل هذه الأسئلة أو اعتبارها مجرد محاولة لتصفية الحسابات. ومع اقتراب الانتخابات، تتزايد أهمية هذه القضية في تحديد مستقبل نتنياهو ومصداقية حكومته. وقد تتحول الوثائق والتحذيرات إلى عامل حاسم في النقاش العام، خصوصًا إذا استمر الغموض بشأن كيفية اتخاذ القرارات ومن تلقى المعلومات ومتى. ومع ذلك، فإن الحكم النهائي يجب أن يستند إلى تحقيق مستقل وفحص كامل للأدلة، لا إلى توقعات مسبقة أو أحكام انتخابية متسرعة.
