الوقت – الدكتور سعد الله زارعي: نادراً ما يُجمع اللبنانيون على شخصية بعينها؛ فالمجتمع اللبناني، بما يحمله من تنوع واسع على الصعد الدينية والقومية والوطنية والاجتماعية والثقافية، هو مجتمع تعددي بامتياز. وغالباً ما تعجز أطيافه المختلفة عن التوافق حول مكانة واعتبار شخصية سياسية أو اجتماعية ما. وحين أُقلّب صفحات التاريخ اللبناني الممتد لقرن من الزمان، أجد أن هذا الإجماع لم يتحقق إلا حول شخص الشهيد السيد حسن نصر الله. وفي مرتبة أدنى، يمكن تلمس حالة مشابهة تمثلت في الإمام موسى الصدر، غير أن ذلك الإجماع لم يبلغ يوماً الآفاق الرحبة للإجماع الذي نشهده اليوم حول السيد حسن نصر الله.
ولأول مرة في تاريخ لبنان المعاصر، نشهد إجماعاً منقطع النظير في مستويات عليا حول شخصية فذة؛ شخصية لم تكن يوماً على هامش الأحداث أو بمنأى عن المعترك السياسي والاجتماعي اليومي، بل كانت حاضرةً بقوة في قلب كل حدث جلل، مثقلةً بسجل حافل من الحضور والفاعلية في شتى الميادين.
وعادةً ما يعتري الشخصيات - مهما بلغت من الوجاهة والحكمة والمكانة - فترات من الزلل أو الركود، وقد تبتعد لبرهة عن صلب الأحداث. لكن السيد حسن نصر الله، ورغم قيادته لحزب الله التي امتدت لنحو 32 عاماً، لم يغب يوماً عن المشهد؛ لا على الساحة اللبنانية الداخلية ولا على الصعيد الإقليمي. لقد كان دائم الحضور والفاعلية، وهذا الدأب المتواصل، مقترناً بنهجه الفريد في العمل، جعل من حصيلة حضوره في مختلف الميادين رصيداً اجتماعياً وسياسياً نادراً، بل وموضع إجماع شبه مطلق.
ولكن، يبرز هنا تساؤل جوهري: كيف تبلور هذا الرصيد وهذه المكانة؟
الصدق؛ السمة الأولى والأبرز للسيد حسن نصر الله
أعتقد أن أول صفة تتبادر إلى أذهان اللبنانيين عند ذكر السيد حسن نصر الله هي “الصدق”. فاللبنانيون يوقنون بصدق السيد في أقواله، وفي ما يطرحه من ادعاءات، وفي المبادئ التي سعى لتحقيقها. لم يكن ينطق بكلمة لا يرى نفسه ملزماً بتلبيتها، أو لا يكون في طليعة المنفّذين لها.
وحين كان يتحدث عن الصعاب والأيام العصيبة، كان يقف هو في الصفوف الأمامية. من زاوية أخرى، تجلّى صدق السيد في ترفّعه عن الخداع والمكر مع الآخرين. لم يكن شخصيةً تسعی وراء السلطة بأي ثمن، تزيح الآخرين وتلجأ للأساليب الملتوية بغية الوصول إلى كرسي الزعامة أو التشبث به.
كان السيد صادقاً بمعنى أنه كان ينشد المصلحة العامة. وإن اختلف مع شخص أو تيار ما، لم يكن لخلافه طابع شخصي، بل كان ينطلق من منطلق الإصلاح والدفاع عن الصالح العام.
الثبات على المبادئ؛ السيد هو السيد بعد ثلاثة عقود
النقطة الثانية تتمثل في ثبات السيد حسن نصر الله على مبادئه. فعلى الرغم من إدارته لحزب الله لأكثر من ثلاثة عقود، لم يغيّر السيد من أطره الفكرية والعقائدية. ومع مرور الزمن، ظل السيد حسن نصر الله هو ذاته؛ بتلك المنظومة العقائدية والمبادئ الراسخة التي دخل بها الساحة أول مرة.
وهذا الثبات يحمل أهميةً بالغةً. فكثير من الشخصيات تتبدل مواقفها وتنسلخ عن مبادئها الأولى بمرور الوقت وتحت وطأة الظروف السياسية والاجتماعية، لكن السيد حسن نصر الله ظل راسخاً كالجبل في مبادئه طوال سنوات مسؤوليته الطويلة.
الصراحة في البيان والشجاعة في اتخاذ الموقف
السمة الأخرى التي ساهمت في صقل شخصية السيد ومكانته، هي الصراحة في البيان وجلاء اللهجة. لم تكن الكلمات تحتبس في حنجرته، بل كان يطلقها تامةً، دقيقةً، بلا مداهنة أو مواربة، ولم يسعَ يوماً لتغليف مواقفه بعبارات ضبابية أو حمّالة أوجه.
كان يعلن موقفه بصراحة وحسم، غير خائف من أن تطاله سهام الاتهام أو الانتقاد جراء صراحته. فعلى سبيل المثال، وفيما يخص التبعية للقيادة وولاية الفقيه، كان السيد حسن نصر الله يصرح في مختلف المحافل، بصوت عالٍ وكلمات واضحة، بأنه تابع للإمام (الخميني) والإمام الخامنئي. لم يكن يخشى أن ترتد هذه الكلمات سلباً عليه، أو أن يُتهم بالتبعية للجمهورية الإسلامية.
واليوم، نرى شخصيات في العراق وغيرها من البقاع، تدين بالولاء التام للجمهورية الإسلامية وتؤمن بهذا الفكر، لكنها تتهرب من الإعلان الصريح عن هذا الموقف، وتحجم عن الجهر بتبعيتها للقيادة في إيران وولاية الفقيه. لم تكن لدى السيد حسن نصر الله مثل هذه الحسابات، وهذه الصراحة بالذات شكّلت جزءاً أصيلاً من كينونته.
الإخلاص؛ السبيل لفتح القلوب
وثمة نقطة أخرى كان لها بالغ الأثر في شخصية الشهيد السيد حسن نصر الله، ألا وهي المحبة التي زُرعت في القلوب ببركة إخلاصه. إنني أؤمن إيماناً راسخاً بأن القلوب بين يدي الله؛ وقد كان السيد مخلصاً لله عز وجل، ففتح الله أمامه الطرق، وألقى محبته في قلوب المؤمنين.
وقد تجلت هذه المحبة الإلهية في الساحتين السياسية والعسكرية. فلم يحظَ السيد بدعم الشريحة الكبرى من المجتمع الشيعي اللبناني فحسب، بل نال أيضاً تأييد الكثير من الشخصيات والفئات الأخرى. وهذا الرصيد الاجتماعي والروحي كان من أهم الركائز التي منحت حزب الله القدرة على أداء أدواره في مختلف الظروف.
من حركة محلية إلى لاعب إقليمي
لقد ارتقى حزب الله في عهد الشهيد السيد حسن نصر الله ليتبوأ مكانةً جديدةً تتناغم مع تحولات المنطقة، وبادر السيد بأداء أدوار محورية استجابةً لهذه التحولات.
ففي حقبة معينة، واجهت منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا فتنة الإرهاب التكفيري؛ حيث برزت حركات مثل “بوكو حرام” و"جبهة النصرة" و"داعش" في دول عدة. هذا المشهد المأساوي مهّد الطريق أمام السيد حسن نصر الله، كقوة دينية، ليلعب دوراً طليعياً في الدفاع عن الشعوب التي اكتوت بنار هذه التنظيمات.
وفي منعطف آخر، تعرضت المنطقة لغزو أمريكي سافر، حيث وقعت أفغانستان والعراق تحت نير الاحتلال العسكري. وهنا، تشكّل ميدان جديد انبرى فيه حزب الله كحركة تحررية للوقوف كتفاً بكتف مع الشعوب القابعة تحت وطأة الاحتلال.
كذلك، حين كان الكيان الصهيوني يحيك الدسائس والمخططات لتصفية القضية الفلسطينية وسحق الشعب الفلسطيني، لاحت فرصة أخرى أمام حزب الله والسيد نصر الله للنزول إلى الساحة نصرةً للفلسطينيين وذوداً عن حقوقهم المشروعة.
هذه التحولات في مجملها، نقلت حزب الله تدريجياً من كونه قوةً وشخصيةً محليةً بالأساس، إلى لاعب إقليمي وازن، بل وارتقى به إلى مصاف اللاعبين الدوليين إلى حد ما. فقد شهدنا بصمات لحزب الله والسيد نصر الله في أصقاع تتجاوز حدود المنطقة؛ كفنزويلا، فضلاً عن مدّ يد العون لشعوب دول مثل بيرو وتشيلي والأوروغواي والبرازيل.
وعليه، فإن دور حزب الله تخطى النطاق الإقليمي، وهذه المكانة السامية تشكّلت وتبلورت في ظل قيادة السيد حسن نصر الله.
العبقرية في استشراف التحولات وإدارة الفرص
لقد تمثلت براعة السيد حسن نصر الله وعبقريته في قراءته العميقة لتحولات المنطقة، وإدراكه لأبعادها، وابتكاره للحلول الناجعة لإدارتها. كان يمتلك فهماً ثاقباً وإدراكاً دقيقاً للأمور، وسرعة بديهة تمكّنه من تشخيص جوهر التطورات، ليصوغ بناءً عليها منظومةً متكاملةً من التحركات والتدابير.
هذه الإجراءات مجتمعةً منحت حزب الله فرصاً ذهبيةً، وجعلت من حقبة قيادة السيد حسن نصر الله حقبةً استثنائيةً فارقةً في تاريخ هذه الحركة.
بطبيعة الحال، هذا لا يعني البتة أن باستشهاد السيد حسن نصر الله قد انطوت صفحة عهده، أو أننا سنشهد تراجعاً لحزب الله إلى حقبة ما قبل السيد نصر الله. فحزب الله يمضي قدماً في دربه، والمسار الذي خطّه السيد حسن نصر الله ليس بالمسار الذي يمكن التراجع عنه بسهولة. واليوم، نرى هذا النهج يُستكمل بكل قوة وعزم على يد الشيخ نعيم قاسم.
حزب الله يتجاوز عنق الزجاجة ومرحلة الضغوط
إذا ما عقدنا مقارنةً بين الوضع الراهن وبين ما كان عليه الحال قبل ثلاثة أو أربعة أشهر، يتجلى لنا تراجع ملحوظ في حدة الضغوط الممارسة على حزب الله. فإذا افترضنا أن مؤشر الضغط قبل ثلاثة أشهر كان يلامس الـ 90%، فإنه قد انخفض اليوم ليقف عند حدود 40 إلى 50%. وعليه، فنحن أمام انحسار جوهري للضغوط على الحزب.
يُعزى جزء كبير من هذا المشهد إلى حقيقة أن الضغوط المتراكمة خلال العامين المنصرمين - ورغم ما سبّبته من تضييق وتكبيد للحزب بعض الأثمان - إلا أنها في نهاية المطاف، اصطدمت بصخرة صمود حزب الله وثباته، ولم تؤتِ أُكُلها كما اشتهاها صُناعها.
ويمكن تلمُّس شواهد هذا الواقع في تصريحات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في لبنان. وبناءً على ما تقدم، أعتقد جازماً أن حزب الله قد عبر مرحلةً عصيبةً، وهو اليوم يقف على أرضية أكثر صلابةً، في ظل ظروف تتيح له، بطبيعة الحال، إدارة التحديات بمرونة وسهولة أكبر.
