الوقت - لم تكن الغارة التي استهدفت سوق مفرق ماوية في محافظة تعز يوم الأحد 27 سبتمبر 2026 حادثة معزولة. فبحسب ما أعلنته وزارة الصحة في صنعاء وما نقلته قناة المسيرة، إستشهد سبعة مدنيين وأصيب أكثر من أربعين آخرين، بينهم نساء وأطفال، في سوق يقصده الناس لشراء حاجاتهم اليومية. يبقى السؤال الذي يتكرر منذ عام 2015: لماذا تسقط أعداد كبيرة من المدنيين في كل جولة من جولات القصف السعودي؟ ولماذا تتكرر الأسماء نفسها من الأسواق والبيوت والطرق والجسور في قوائم الضحايا؟ هذا المقال لا ينطلق من حادثة واحدة، بل من سجل طويل تراكم على مدى أكثر من عشر سنوات، وثّقته تقارير أممية ومنظمات حقوقية ومراصد محلية. ففي كل مرة يقوم الطيران الحربي التابع للنظام السعودي، تظهر في اليوم نفسه صور لبيوت مهدمة ومحال مدمرة وأطفال في المستشفيات، استهداف الأسواق والمناطق المأهولة، وضرب البنية التحتية، وطابع القصف الواسع عبر السنوات، والمقارنة مع ما يجري في غزة.
الأسواق والمناطق المأهولة في مرمى الغارات
الأسواق الشعبية في اليمن ليست مواقع عسكرية. هي أماكن يشتري منها الناس الطعام ويبيعون فيها ما يملكون، ويزدحم فيها الناس في أوقات معروفة من النهار. ومع ذلك تكررت أخبار قصفها منذ بدء الحرب. ففي مارس 2016 استهدف عشرات المدنيين في سوق مستبأ بمحافظة حجة، وقد وثّقت منظمات حقوقية أن غالبية الضحايا كانوا من الباعة والمتسوقين. وفي أكتوبر 2016 استهدفت غارة قاعة عزاء في صنعاء وسقط فيها أكثر من مئة قتيل. وفي أغسطس 2018 أصابت غارة حافلة تقل أطفالاً في ضحيان بصعدة، فمات عدد كبير منهم. وفي يناير 2022 استهدف عشرات الأشخاص في غارة على مركز احتجاز في صعدة بحسب الأمم المتحدة. وما نُقل عن مفرق ماوية في تعز هذا الأسبوع يأتي ضمن هذا السياق، بحسب ما أعلنته الجهات الصحية في صنعاء. الخطأ الواحد قد يحدث في أي حرب، أما تكرار الحوادث نفسها بعد كل تحقيق وكل وعد بالمراجعة فهو أمر مختلف. وقد ذكر فريق الخبراء الأمميين البارزين أن بعض هذه الضربات قد ترقى إلى جرائم حرب، وأن على الدول المعنية مسؤولية عن ذلك، وهو ما لم يُترجم إلى محاسبة فعلية حتى اليوم. وإذا كانت القوات التي تنفذ الغارات تملك أحدث الطائرات وأنظمة الاستهداف، فإن الحديث عن الخطأ المتكرر لا يقنع أحداً، لأن من يملك القدرة على الدقة يتحمل مسؤولية النتائج كاملة.
ضرب الجسور والطرق والاتصالات
استهداف البنية التحتية يضاعف أثر الحرب على المدنيين، لأن نتائجه تستمر بعد انتهاء الغارة. فالجسر الذي يُقطع يعزل قرى عن الأسواق والمستشفيات، والطريق الذي يُدمَّر يرفع كلفة نقل الغذاء والدواء، وشبكة الاتصالات التي تتوقف تمنع الناس من طلب الإسعاف والاطمئنان على أهلهم. وبحسب ما أوردته وسائل إعلامفي صنعاء، استهدفت غارة قبل نحو أسبوعين جسر البرح في مديرية مقبنة بتعز، وذهب فيها مواطنان وقُطع الطريق على المسافرين، كما أعلن متحدث القوات المسلحة في صنعاء أن غارات يوم 26 سبتمبر طالت جسوراً وطرقاً في ست محافظات. وأفادت وكالة سبأ بأن غارة استهدفت شبكة الاتصالات في قطابر بصعدة. وليست هذه الأمور جديدة، فقد وثّقت منظمات حقوقية وأممية خلال السنوات الماضية ضربات أصابت مدارس ومستشفيات ومحطات مياه وجسوراً وموانئ، بينها مستشفى تديره منظمة أطباء بلا حدود في حجة. والقانون الدولي الإنساني يحمي الأعيان المدنية، وفي بلد يعاني أصلاً من الجوع وانهيار الخدمات، تصبح هذه الضربات عبئاً إضافياً يدفعه الفقراء أولاً.
أسلوب ثابت على مدى السنوات
هذا الأسلوب لا يخص الأسبوع الأخير، بل هو السمة التي رافقت الحرب منذ مارس 2015. فقد أحصى مشروع بيانات اليمن عشرات الآلاف من الغارات الجوية خلال السنوات الماضية، وأشارت تحليلاته في السنوات الأولى إلى أن نحو ثلثها أصاب مواقع غير عسكرية، مثل المزارع والمنازل والأسواق والمدارس. وذكرت الأمم المتحدة مراراً أن الغارات الجوية للتحالف كانت السبب الأكبر لسقوط المدنيين خلال تلك الفترة. وفي الجولة الحالية، أعلن متحدث القوات المسلحة في صنعاء أن عدد الغارات والصواريخ منذ بدء التصعيد بلغ 1123، وأن الغارات الأخيرة توزعت على تعز وصعدة وحجة،ولا يمكن تفسير هذا النمط بأخطاء فردية، لأن الأخطاء تتناقص عادة مع الخبرة والتحقيق والتصحيح، بينما بقيت أسماء الضحايا تتراكم عاماً بعد عام. وحين تكرر الجهة نفسها الأسلوب نفسه في مناطق مختلفة وسنوات مختلفة.
تشابه في الأسلوب مع غزة
يرى كثير من المتابعين أن هناك تشابهاً بين ما يجري في اليمن وما تفعله إسرائيل في غزة من حيث الأسلوب، وإن اختلفت الظروف والحجم. ففي الحالتين يجري تبرير القصف بوجود أهداف عسكرية، ثم تظهر بعد ذلك صور الأسواق والبيوت المدمرة والأطفال الجرحى، وفي الحالتين تُقطع الطرق وتُستهدف مرافق يحتاجها المدنيون في حياتهم اليومية، وفي الحالتين تتأخر المحاسبة أو تغيب. كما أن الخطاب الرسمي يتشابه: أهدافنا مشروعة، ونتخذ الاحتياطات، والتحقيق جارٍ. وقد اعتاد الناس سماع هذه العبارات بعد كل حادثة، ثم لا يرون نتيجة عملية لها. والمقارنة تشير إلى ما هو مشترك: استخدام قوة جوية متفوقة ضد سكان لا يملكون وسيلة للحماية وفي الحالة اليمنية تتحمل الدول التي تبيع السلاح وتقدم الدعم اللوجستي مسؤولية أخلاقية وقانونية لا تقل عن مسؤولية من ينفذ الغارات. والعار الذي يلحق بهذه الجرائم لا يخص طرفاً واحداً فقط، بل يمتد إلى كل من عرف ما يجري وفضّل الصمت.
في الختام، إن استهداف الأسواق والبيوت والجسور والمدارس في اليمن، تثبت وقائعه كما توثقها الجهات المستقلة، لا يمكن الدفاع عنه بأي حجة عسكرية أو سياسية. والمطلوب اليوم ليس بيانات إدانة جديدة، بل تحقيق دولي في الغارات الأخيرة وفي السجل الطويل قبلها، ووقف فوري لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، وإعادة النظر في صفقات السلاح التي تُستخدم في هذه الحرب. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى هذه الجرائم وصمة عار على من ارتكبها ومن غضّ الطرف عنها.
