الوقت - لقد أضحى مسار توحيد قوات البيشمركة في إقليم كردستان العراق اليوم، واحداً من أبرز التحولات الأمنية التي تشهدها المنطقة. تحولٌ يبدو في ظاهره مشروعاً عسكرياً وتنظيمياً يرمي إلى صياغة هيكل موحد، غير أنه في جوهره يتقاطع مع إحدى أعقد وأعرق الإشكاليات السياسية في الإقليم، ألا وهي معادلة العلاقة بين الأحزاب، وحكومة الإقليم، وبغداد، والقوى الخارجية.
وتشير التقارير الرسمية إلى أن عملية التوحيد تقترب من أمتارها الأخيرة، حيث أعلنت وزارة البيشمركة أن غايتها تكمن في استكمال هيكلية قوامها 11 لواءً تحت مظلة قيادتين مناطقيتين بحلول سبتمبر/أيلول 2026.
وفي خضم ذلك، جاء انعقاد أول دورة تدريبية مشتركة للقادة رفيعي المستوى من كلتا القيادتين، يوم الاثنين، ليمثّل بارقة أمل وعلامةً على مسير المشروع نحو إرساء ثقافة قيادية مشتركة. غير أنه لا ينبغي الخلط بين التقدم التنظيمي والحل الجذري للخلافات السياسية المتجذرة.
وتجدر الإشارة إلى حقيقة مفادها أن بنية البيشمركة، على مرّ العقود، لم تكن مجرد قوة عسكرية محضة، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من هيكل السلطة التابع للحزبين الرئيسيين في الإقليم، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وهذا ما جعل من توحيد هذه القوات عمليةً أشدّ تعقيداً من مجرد نقل بضع وحدات من كيان إلى آخر.
في المشهد الراهن، قطعت التشكيلات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، المنضوية تحت لواء “الوحدة 80”، شوطاً أسرع في مسار الدمج، حيث نُقل قسم معتدّ به من قواتها وعتادها إلى وزارة البيشمركة. وفي المقابل، لا يزال الدمج الكامل لهيكل “الوحدة 70”، التابعة للاتحاد الوطني، يصطدم بعقبات سياسية وتنظيمية. وهذا التباين ليس مجرد خلاف إداري عابر، بل هو انعكاس واضح للتنافس التاريخي بين أربيل والسليمانية، وتجسيد لتوجّسات الاتحاد الوطني من تركيز القوة الأمنية في هيكلٍ قد يقع تحت طائلة نفوذ الحزب الديمقراطي.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يُقاس معيار النجاح الحقيقي لهذا المشروع بعدد الألوية المُشكلة فحسب؛ فالأمر الجلل يكمن في تحديد الجهة التي ستقبض في نهاية المطاف على زمام القيادة الميدانية الفعلية للقوات. فإذا ظلّ القادة، وحركة القوات، والعمليات العسكرية، والقرارات الأمنية مرهونةً بأهواء القيادات الحزبية، فإن تشكيل 11 لواءً لن يرقى ليكون إيذاناً بميلاد قوة عسكرية موحدة حقاً.
وبعبارة أخرى، يمر توحيد البيشمركة عبر ثلاث محطات: أولاها نقل القوات والمعدات، وثانيتها إرساء هيكل قيادي مشترك، وثالثتها النقل الفعلي لصلاحيات صنع القرار من أروقة الأحزاب إلى المؤسسات الرسمية. ويبدو أن المحطتين الأوليين تمضيان بخطى حثيثة، غير أن المحطة الثالثة لا تزال تمثّل الحلقة الأشدّ حساسيةً في هذا المشروع. وتزداد أهمية هذه المسألة حين نعلم أن مسار التوحيد يتزامن مع تحول ملموس في السياسة الأمنية الأمريكية في العراق.
إن تقليص الدعم الأمريكي المباشر لوزارة البيشمركة وتغيير نمط المساعدات العسكرية القادمة من واشنطن، يُعد من أبرز المتغيرات التي سترسم ملامح مستقبل هذا المشروع. ويُظهر طلب ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية للسنة المالية 2027 خفضاً حاداً في الاعتمادات المباشرة المخصصة لبرنامج تدريب وتجهيز قوات البيشمركة، رغم أن هذا الطلب لم يستوفِ بعد إجراءات الإقرار النهائي، كما لا ينبغي تأويل خفض الدعم المباشر على أنه قطيعة تامة للتعاون العسكري الأمريكي مع الإقليم.
وتكمن أهمية هذا التحول في كون الولايات المتحدة كانت، على امتداد السنوات الماضية، من أبرز الداعمين لاحترافية وتوحيد البيشمركة. وهنا تبرز مفارقة ظاهرية: فواشنطن تدعم توحيد البيشمركة، بينما تعمد في الوقت ذاته إلى تقليص قسم من دعمها المالي المباشر لهذه القوات.
في الواقع، يمكن تفسير هذا التحول ليس بالضرورة تخلياً عن الإقليم، بل تغييراً في نمط تحمل المسؤولية الأمنية. فواشنطن تروم تأطير الهيكل الأمني للإقليم بشكل أعمق ضمن المؤسسات الرسمية العراقية، ونقل أعباء ومسؤولية الحفاظ على هذا الهيكل تدريجياً من كاهلها إلى كاهل كل من الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
وما يضاعف من أهمية هذا المشهد، هو تزامنه مع إسدال الستار على المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد “داعش” في العراق.
فالانسحاب التدريجي لقوات التحالف يحتّم على الإقليم الاعتماد أكثر فأكثر على قدراته الذاتية لضمان أمنه. وبالتالي، فإن المعضلة الكبرى لمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي لا تقتصر على الفراغ العسكري الأجنبي فحسب، بل تتعداه لتشمل تحديات التمويل، والتدريب، والاستخبارات، والدفاع الجوي، وقدرات الرد السريع.
وفي هذه المعمعة، قد تتحول المعضلة المالية إلى الخاصرة الرخوة للمشروع. فبناء قوة عسكرية موحدة يستدعي رواتب منتظمة، وعتاداً، وذخيرة، وتدريباً، وبنية تحتية. وهذا الهيكل الذي كان يعتمد في جزء من نفقاته على المنح الخارجية، يجد نفسه اليوم، في ظل الضائقة المالية والخلافات حول الموازنة مع بغداد، مطالباً بتأمين نفقات جيش جرار.
ومن هذه الزاوية، سيرتهن مستقبل البيشمركة ارتباطاً وثيقاً بمسار العلاقات بين أربيل وبغداد. فإذا ما اضطلعت الحكومة العراقية بدور أكبر في تمويل هذه القوات، فإن البيشمركة ستندمج أكثر فأكثر في البنيان الأمني للحكومة المركزية، وهو تحول قد ينتقص في الوقت عينه من بعض مقومات الاستقلال العملياتي للإقليم.
وفي المقابل، إذا ما رامت أربيل الاستقلال بتمويل البيشمركة، فإنها ستكون في أمسّ الحاجة إلى المزيد من الموارد المالية الخارجية. وهذا الوضع من شأنه أن يُبقي على ارتهان الإقليم للفاعلين الخارجيين، مما ينسف عملياً مسعى إرساء بنية أمنية مستقلة ومستدامة.
وبالتالي، تجد البيشمركة نفسها أمام معادلة مستعصية: فكلما ازداد ارتهانها المالي لبغداد، تعمق اندماجها في المنظومة الأمنية العراقية؛ وكلما سعت للحفاظ على استقلالها المالي، تفاقم احتمال ارتهانها للمصادر الخارجية.
ويجب أن نضيف إلى ذلك بعداً آخر لا مناص من استحضاره عند تقييم مستقبل البيشمركة، ألا وهو وهن الدفاع الجوي في الإقليم. فقد برهنت الهجمات الصاروخية وبالمسيرات في السنوات الأخيرة على أن الإقليم، رغم امتلاكه قوةً بريةً لا يُستهان بها، يظل مكشوفاً أمام التهديدات الجوية. وهذا الضعف سيكتسب أهميةً مضاعفةً عقب تقليص الوجود العسكري الأمريكي.
وإن الإعلان عن اتفاق لتوريد منظومات مضادة للمسيرات والصواريخ قد يسدّ جزءاً من هذه الثغرة، غير أن اقتناء بضع منظومات دفاعية لا يعادل بناء شبكة دفاع جوي متكاملة. فالإقليم، بغية إرساء ردع حقيقي، بحاجة ماسة إلى شبكة متكاملة من الرادارات، وأنظمة الاستطلاع، والقيادة والسيطرة، ومنظومات الاعتراض؛ وهو أمر باهظ التكلفة، ويصعب مناله دون تضافر الجهود مع بغداد والشركاء الخارجيين.
ومن منظور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يمكن تقييم توحيد البيشمركة بوصفه تطوراً إيجابياً أو سلبياً بالمطلق؛ بل هو أشبه بسيف ذي حدين.
فمن جهة، من شأن احترافية القوات وتوحيدها أن يقوّض قدرة الأحزاب المختلفة على اختراق البنية العسكرية، مما يحدّ بالتالي من هامش المناورة التقليدي للفاعلين الخارجيين، بمن فيهم إيران. ومن جهة أخرى، فإن طيّ صفحة التشكيلات المسلحة الموازية قد يساهم في إرساء استقرار أكبر على الحدود الإيرانية ومع الإقليم، ويقلص من احتمالية تحول الخلافات السياسية الداخلية في كردستان العراق إلى أزمات أمنية.
وفي هذا السياق، تكتسب مكانة الاتحاد الوطني أهميةً استثنائيةً. فالعلاقات الوثيقة التي تربط هذا الحزب بطهران تجعل التطورات المتعلقة بحصته في الهيكل الجديد للبيشمركة محط اهتمام إيراني. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا الأمر على أنه يتيح لإيران إمكانية السيطرة أو النفوذ المباشر على البنية العسكرية المستقبلية للإقليم. فإذا ما كُتب لعملية التوحيد النجاح حقاً، فإن غايتها الأساسية ستكمن في تحجيم الدور المباشر للأحزاب في القيادة العسكرية.
وعلى المقلب الآخر، إذا ما تبلور الهيكل الجديد تحت مظلة نفوذ الحزب الديمقراطي بشكل رئيسي، فإن ميزان القوى السياسي والأمني في الإقليم سيشهد انقلاباً. فالحزب الديمقراطي يمتلك شبكة علاقات واسعة مع أمريكا، وتركيا، وبعض الدول العربية، وتعاظم حصته في الهيكل الأمني الجديد قد يلقي بظلاله على التوجه الاستراتيجي للإقليم.
لکن السيناريو الأرجح في المدى المنظور لا يحتم بالضرورة إقصاء أحد الحزبين. بل من المرجح أن ينبثق هيكل رسمي وموحد، مع بقاء قسم من التوازن التقليدي بين أربيل والسليمانية راسخاً في دهاليز القيادة والسياسة. بعبارة أخرى، قد نشهد “اندماجاً تنظيمياً” يسبق الاندماج السياسي بخطوات.
ولا يمكن إغفال دور تركيا كلاعب محوري في هذه المعادلة. فقد ترحب أنقرة بانبثاق هيكل أمني أكثر تماسكاً على حدودها الجنوبية، إلا أنها ستراقب بعين فاحصة كيفية توظيف هذه القوات في مجابهة أنشطة “حزب العمال الكردستاني المحظور”. لذا، فإن أحد المؤشرات الهامة لقياس السياسة الخارجية والأمنية للإقليم بعد توحيد البيشمركة، سيتمثل في كيفية تعاطيه مع التطورات في المناطق الحدودية ومسألة حزب العمال الكردستاني.
وعلى صعيد أعمق، فإن ما يشهده إقليم كردستان اليوم قد يُفضي إلى “عرقنة” تدريجية للهيكل الأمني للإقليم. فقد تماهت البيشمركة لسنوات في منطقة وسطى بين قوة مسلحة إقليمية وجزء من المنظومة الأمنية العراقية. لكن تضافر التحولات الثلاثة المتزامنة - التوحيد الداخلي، وانحسار الدعم الأمريكي المباشر، وتعاظم مسؤولية بغداد - من شأنه أن يغير من المكانة القانونية والعملياتية لهذه القوة وبغداد.
غير أن الخطر الداهم في هذا المسار لا يتمثل في الإخفاق المباغت، بل في تبلور اندماج منقوص؛ فإذا ما انضوت القوات، على الورق، تحت لواء وزارة البيشمركة، بينما استمر القادة في إضمار ولائهم المطلق للأحزاب، فإن الهيكل الجديد قد لا يعدو كونه واجهةً إداريةً أو غطاءً مؤسساتياً لديمومة توازن القوى التقليدي.
ولهذا السبب، لا ينبغي اعتبار شهر سبتمبر/أيلول 2026 نقطة النهاية لمشروع توحيد البيشمركة، بل يجب التعاطي معه بوصفه شارة البدء لمرحلة الاختبار الحقيقي لهذا المشروع.
فما بعد سبتمبر/أيلول، يتعين رصد أربعة مؤشرات بعناية فائقة: المدى الفعلي لدمج “الوحدة 70”، وآليات تمويل القوات الوليدة، وحجم انخراط بغداد في المنظومة الأمنية للإقليم، وشكل القيادة العملياتية لهذه القوات إبان الأزمات.
فإذا ما جرت تسوية هذه المعضلات الأربع، أمكن القول حينها إن البيشمركة تمضي قدماً نحو التحول إلى قوة عسكرية مؤسساتية واحترافية. أما إذا اقتصر التغيير على الهيكل التنظيمي، وظلت سلسلة القيادة ومقاليد السلطة الفعلية أسيرة الانتماءات الحزبية، فإن ذلك لا يعني سوى ترحيل الأزمة الجوهرية إلى مرحلة لاحقة.
وفي نهاية المطاف، لم يعد السؤال الجوهري يكمن فيما إذا كانت البيشمركة ستتوحد أم لا؟ بل إن التساؤل الأهم الذي يطرح نفسه هو: من هي الجهة التي ستأتمر البيشمركة بأمرها حقاً بعد إنجاز التوحيد؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل هي ما سيحدّد ما إذا كان المشروع الراهن سيمثل إصلاحاً تاريخياً في البنيان الأمني لإقليم كردستان، أم أنه لن يعدو كونه إعادة صياغة شكلية لتلك المنافسة العتيقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
قد يمثل سبتمبر/أيلول نهاية حقبة زمنية، غير أن ما سينبثق بعده قد يفوق في أهميته عملية الدمج ذاتها؛ إنه اختبار نقل الولاء العسكري من عباءة الحزب إلى المؤسسة، ونقل فاتورة الأمن من واشنطن إلى أربيل وبغداد، وصولاً في نهاية المطاف إلى إعادة تعريف مكانة البيشمركة في صلب الهندسة الأمنية الجديدة للعراق.
