الوقت - وفقاً لما نقلته وكالة “رويترز”، فقد تراجع النمو الاقتصادي الفرنسي إلى النصف خلال الأشهر الأخيرة. فقد خفّض المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء (INSEE) توقعاته لنمو عام 2026 من 0.7% إلى 0.4% فقط، أي أقل من نصف معدل النمو المسجّل في عام 2025 والبالغ 0.9%. أما في الربع الثاني من العام الجاري، فقد سجّل الاقتصاد الفرنسي نمواً يكاد يكون معدوماً (0%)، فيما تشير التوقعات إلى نمو ضئيل لا يتجاوز 0.1% و0.2% في الربعين الثالث والرابع على التوالي.
ويأتي هذا التباطؤ في وقتٍ تشير فيه التوقعات إلى نمو سنوي بنسبة 1% في ألمانيا، و0.9% في إيطاليا، و2.6% في إسبانيا. وهكذا، تجد فرنسا نفسها في ذيل قائمة الاقتصادات الكبرى بمنطقة اليورو، متذيّلةً الترتيب بأداء يُعدّ من الأضعف على الإطلاق.
وبحسب تقديرات المعهد الوطني للإحصاء، من المتوقع أن يخسر القطاع الخاص نحو 52 ألف وظيفة خلال العام الجاري، فيما سيرتفع معدل البطالة من نحو 8% إلى 8.6% بحلول نهاية العام. بل إن صحيفة “لوموند” تحدثت عن خسارة صافية تصل إلى 66 ألف وظيفة في القطاع الخاص.
ومن المتوقع أن تتراجع القوة الشرائية للأسر بنسبة 0.4% تقريباً هذا العام، ما يدفع الأسر إلى اللجوء لمدخراتها للحفاظ على مستوى استهلاكها المعتاد. كذلك ستنخفض استثمارات الشركات بنسبة 0.3%، وهو مزيج يُنذر بمزيد من التعثر في آفاق النمو المستقبلي.
وتشير التوقعات إلى أن معدل التضخم، الذي بلغ نحو 2.7% في أغسطس/آب، سيصل إلى حدود 3.1% بنهاية العام. بمعنى آخر، تواجه فرنسا معدلات بطالة مرتفعة في الوقت الذي تعاود فيه الضغوط التضخمية ارتفاعها من جديد.
ولا تقتصر الأزمة على تباطؤ النمو الاقتصادي وحسب، بل تمتد لتشمل الدَّين العام الذي بلغ نحو 3.5 تريليون يورو، أي ما يعادل 117.6% من الناتج المحلي الإجمالي. أما كلفة خدمة هذا الدَّين، فقد ارتفعت إلى نحو 65 مليار يورو هذا العام، بزيادة قدرها 25% عن العام الماضي، متجاوزةً بذلك حتى نفقات التعليم والدفاع مجتمعة.
من جهة أخرى، اعترفت الحكومة الفرنسية بعجزها عن بلوغ هدفها المتمثل في خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد زاد ارتفاع تكلفة الاقتراض من حدة الضغوط، إذ بلغت عائدات السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات 4.45%، وهو أعلى مستوى تسجّله منذ عام 2008.
لقد تحوّلت مشكلة فرنسا إلى حلقة مفرغة من التداعيات الاقتصادية المتلاحقة: فالنمو المتدني يُضعف دخل الأسر وقوتها الشرائية، فيتراجع الاستهلاك، فتُقلّص الشركات استثماراتها، فترتفع البطالة أكثر فأكثر، بينما تجد الحكومة نفسها، بفعل ثقل الديون واتساع عجز الموازنة، مكبّلة اليدين وعاجزة عن تحريك عجلة الاقتصاد. وترى “لوموند” أن هذا المزيج المتشابك من ضعف النمو والشلل السياسي وتأخّر الإصلاحات هو ما أطبق فكَّي الفخ الاقتصادي على فرنسا.
كما لم يتوانَ البنك المركزي الفرنسي عن دق ناقوس الخطر إزاء هذا الوضع. فقد وصف “إيمانويل مولن”، محافظ البنك المركزي، الوضع الاقتصادي بأنه “مقلق وغير مُرضٍ”، وإن أكد في الوقت ذاته أن الاقتصاد الفرنسي لم يبلغ بعد حافة الكارثة، مشيراً إلى أن قطاعات كالدفاع والفضاء الجوي ومراكز البيانات لا تزال تحتفظ بإمكانات نمو واعدة.
والأهم من ذلك كله، هو تزامن هذه الأزمة الاقتصادية مع أزمة سياسية عميقة. فالحكومة الفرنسية مطالَبة بإقرار موازنة عام 2027 في ظل برلمان يعاني انقساماً حاداً، وعلى مقربة من انتخابات رئاسية مرتقبة في العام ذاته. ولهذا السبب بالذات، غدا خفض النفقات أو رفع الضرائب قراراً باهظ الثمن على الصعيد السياسي، لا يجرؤ أحد على المجازفة به بسهولة.
