الوقت- شهدت الساحة اليمنية خلال الأيام الماضية تحولاً استراتيجياً غير مسبوق، أعاد تعريف موازين القوى في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية في العالم. فقد تمكنت القوات المسلحة اليمنية التابعة لصنعاء من تحقيق تقدم ميداني سريع ومذهل، انتقلت خلاله من السيطرة على مدينة المخا الساحلية إلى بسط نفوذها على بلدة ذو باب وجزيرة ميون الواقعة في قلب المضيق، في عملية عسكرية محكمة التخطيط والتنفيذ. هذا الإنجاز لم يكن مجرد مناورة تكتيكية عابرة، بل خطوة جيوسياسية كبرى عمّقت من موقع صنعاء التفاوضي والاستراتيجي، ووضعت المنطقة أمام معادلة أمنية جديدة تفرض نفسها على جميع اللاعبين الإقليميين والدوليين. فالسيطرة على هذه النقاط الحيوية تعني عملياً أن القوات اليمنية باتت تملك قدرة مباشرة على التأثير في حركة الملاحة الدولية عبر شريان يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، ما يمنح صنعاء ورقة ضغط قوية في أي مفاوضات مستقبلية. في هذا المقال، نستعرض بالتفصيل كيف تحققت هذه الإنجازات الميدانية، ولماذا انهارت جبهات الخصوم بهذه السرعة، وما التداعيات الإقليمية والدولية لسيطرة صنعاء على هذا الممر الحيوي.
سرعة التقدم ودقة التخطيط
لم يكن تقدم القوات المسلحة اليمنية التابعة لصنعاء من المخا إلى ذو باب ثم جزيرة بريم ميون مجرد صدفة ميدانية أو نتيجة لظرف عابر، بل كان تتويجاً لعملية تخطيط استراتيجي دقيق نفذته القيادة العسكرية في صنعاء ببراعة متناهية. فقد استغلت هذه القوات اللحظة المناسبة التي كانت فيها جبهات الخصوم في أقصى درجات التشتت والضعف، وشنت هجوماً متزامناً على عدة محاور، ما أربك حسابات القوات المعادية ومنعها من تنظيم أي دفاع متماسك. وفي غضون أيام قليلة، تمكنت الوحدات العسكرية اليمنية من اختراق الخطوط الدفاعية للخصوم، والسيطرة على مدينة المخا التاريخية، ثم التوسع جنوباً نحو الساحل حتى وصلت إلى بلدة ذو باب التي تطل مباشرة على مدخل المضيق. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل جزيرة ميون التي تقع في قلب باب المندب وتتحكم في شريانيه الملاحيين، ما يعني عملياً أن صنعاء باتت تملك السيطرة الكاملة على هذا الممر الحيوي. هذا التقدم السريع يعكس مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية للقوات اليمنية، وقدرة فائقة على التخطيط والتنفيذ، كما يكشف عن فشل ذريع في الاستخبارات العسكرية للخصوم التي لم تستطع رصد نوايا القوات اليمنية أو التحضير لمواجهتها. والأهم من ذلك، أن هذا الإنجاز يؤكد أن صنعاء لم تعد طرفاً ثانوياً في المعادلة اليمنية، بل قوة فاعلة قادرة على فرض وقائع ميدانية تغير من طبيعة الصراع برمته.
انهيار جبهات الخصوم.. التشتت والفرقة
إن السرعة التي انهارت بها جبهات الخصوم في غرب اليمن لم تكن مفاجئة لمن يتابع بعمق ديناميكيات الساحة اليمنية، بل كانت النتيجة الحتمية لسنوات من التشتت والفرقة الداخلية التي عانت منها الفصائل الموالية للتحالف الذي تقوده السعودية. فقد كشفت التقارير التحليلية الحديثة أن هذه الفصائل لم تكن يوماً كتلة موحدة ذات رؤية استراتيجية مشتركة، بل كانت مجموعة من التشكيلات المتنافسة التي تجمعها مصالح مؤقتة وتفرقها أهداف متضاربة. فبينما كان بعضها يراهن على الدعم السعودي لتحقيق مكاسب محلية، كان البعض الآخر يحسب حسابات ما بعد الحرب ويحاول تأمين موقع له في أي تسوية مستقبلية، ما أدى إلى تآكل الروح القتالية وفقدان الثقة بين هذه الفصائل. وفي المقابل، كانت القوات المسلحة اليمنية التابعة لصنعاء تتماسك حول قيادة موحدة ورؤية استراتيجية واضحة، ما منحها ميزة نوعية كبيرة في الميدان. وعندما شنت هذه القوات هجومها الأخير، وجدت نفسها أمام خصوم منقسمين على أنفسهم، لا يجمعهم سوى الخوف من المصير المشترك، وهو ما لم يكن كافياً لبناء دفاع متماسك. بل إن بعض الفصائل فضلت الانسحاب من مواقعها دون قتال، حفاظاً على قواتها تحسباً لأي تسوية سياسية مستقبلية، ما سهل تقدم القوات اليمنية بشكل كبير. هذا الواقع يؤكد أن الوحدة والتماسك الداخلي هما من أهم عوامل النصر في أي صراع، وأن الفرقة والتشتت هما الطريق الأقصر إلى الهزيمة، وهو درس ينبغي أن يتعلمه جميع اللاعبين في الساحة اليمنية.
باب المندب وهرمز..حين تتضافر الأوراق وتتعقد المعادلة
إن سيطرة القوات اليمنية التابعة لصنعاء على باب المندب تأتي في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع توترات إقليمية أخرى تمس أمن الملاحة في مضيق هرمز، ما يطرح تساؤلات مهمة حول التداعيات المحتملة إذا ما تم تقييد الحركة في الممرين معاً. فباب المندب يُعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، حيث تمر عبره نحو 12% من التجارة البحرية الدولية، بما في ذلك نسبة كبيرة من صادرات النفط الخليجية إلى أوروبا والأمريكيتين. وفي الوقت نفسه، يظل هرمز الممر الأهم لصادرات النفط من دول الخليج، حيث تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. فإذا ما تزامنت أي إجراءات تقييدية في الممرين، فإن التأثير على أسواق الطاقة العالمية سيكون فورياً وحاداً، حيث من المتوقع أن ترتفع أسعار النفط بشكل كبير، وأن تواجه شركات الشحن تحديات لوجستية وبشرية غير مسبوقة. كما أن شركات التأمين البحري ستضطر إلى مراجعة سياساتها بشكل جذري، ما سيرفع تكاليف الشحن ويجبر بعض الشركات على البحث عن مسارات بديلة أكثر تكلفة وزمناً. ولا يقتصر الأمر على النفط والشحن فقط، بل سيمتد ليشمل قناة السويس التي تعتمد بشكل كبير على الحركة عبر باب المندب، ما يعني أن الاقتصاد المصري سيتأثر سلباً أيضاً. هذا الواقع الجديد يضع المجتمع الدولي أمام تحديات اقتصادية وأمنية غير مسبوقة، ويجبر اللاعبين الإقليميين والدوليين على إعادة حساباتهم تجاه الملف اليمني، خاصة في ظل تزايد احتمالات التصعيد في أكثر من جبهة في آن واحد.
صنعاء تفرض واقعاً جديداً والخصوم أمام خيارات محدودة
لم تعد القوات المسلحة اليمنية التابعة لصنعاء مجرد طرف في صراع محدود، بل باتت قوة إقليمية فاعلة قادرة على فرض وقائع ميدانية وسياسية تغير من طبيعة المعادلة في الشرق الأوسط بأكمله. فبعد أن أحكمت سيطرتها على باب المندب، رفعت صنعاء سقف قدرتها على المساومة ليس فقط داخلياً، بل أيضاً في تفاعلاتها مع القوى الإقليمية والدولية، ما يمنحها ورقة ضغط قوية في أي مفاوضات مستقبلية. وفي ظل هذا الواقع الجديد، تجد القوى المعارضة لصنعاء نفسها أمام خيارات محدودة جداً، إن لم تكن منعدمة. فالخيار العسكري أثبت فشله الذريع خلال السنوات الماضية، ولم يعد هناك من يراهن على إمكانية حسم الصراع بالقوة لصالحها. أما الخيار الدبلوماسي، فهو يتطلب اعترافاً ضمنياً بالواقع الميداني الجديد، وهو ما ترفضه بعض هذه القوى حتى الآن، خوفاً من أن يُفسر اعترافها هذا على أنه استسلام لصنعاء. وفي الوقت نفسه، تزداد الضغوط الدولية على جميع الأطراف للعودة إلى طاولة المفاوضات، لكن دون أن يكون هناك وضوح حول الكيفية التي يمكن بها التوفيق بين المطالب المتضاربة للفرقاء. هذا الواقع يضع صنعاء في موقع قوة، حيث يمكنها أن تنتظر حتى تنضج الظروف لصالحها، أو أن تفرض شروطها في أي تسوية مستقبلية. والأهم من ذلك، أن هذا التحول يؤكد أن اليمن أصبح لاعباً فاعلاً في المعادلة الإقليمية، قادراً على التأثير في أمن الطاقة والملاحة العالمية، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي التعامل معه بجدية أكبر وباحترام لسيادته واستقلاله.
