الوقت - في حين استحالت مياه مضيق هرمز خلال الأشهر المنصرمة إلى إحدى أبرز بؤر المواجهة العسكرية والبحرية في المنطقة، جاءت التطورات المتسارعة على السواحل اليمنية، وترسيخ حركة أنصار الله لموقعها السيادي في مضيق باب المندب، لترسم ملامح مشهد جيوسياسي جديد لهذه المواجهة. وتنبع أهمية هذا التحول من كون هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين مستقلين، بل هما حلقتان مترابطتان في سلسلة إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية؛ على نحوٍ يجعل من أي اختناق متزامن في هذين العنقين الاستراتيجيين، كفيلاً بتضييق الخناق بشدة على البدائل المتاحة أمام الملاحة البحرية.
الأهمية الاستراتيجية للسيطرة على “المخا” والجُزر الحاكمة في إحكام القبضة على باب المندب
انقلبت المعادلات العسكرية والأمنية في اليمن رأساً على عقب، بعد سنوات من الركود والهدنة الهشة، إثر الهجمات التي شنتها الحكومة العميلة الخاضعة للسعودية على مطار صنعاء في منتصف شهر يوليو/تموز الماضي. وقد أطاح هذا التصعيد بالمعادلة الواهنة التي سعت الرياض من خلالها إلى إحكام قبضتها على الشرايين الاقتصادية الحيوية لليمن، وإدامة الضغط على صنعاء إلى أجل غير مسمى. ففي أعقاب مشاركة وفد رفيع المستوى من صنعاء في مراسم تشييع قائد إيران الشهيد، اتخذت أنصار الله قراراً مفصلياً بفتح المطار عملياً، معلنةً بذلك رسمياً نهاية الهيمنة السعودية على سماء اليمن. غير أن النزعة التصعيدية للسعودية دفعت أنصار الله لاستثمار فرصة الخرق السعودي للهدنة، مستلهمةً التجربة الثرية للحصار البحري المفروض على الكيان الصهيوني إبان حرب غزة، لتعلن عن تدشين معادلة جديدة قوامها “الحصار بالحصار” في مواجهة السعوديين لإنهاء حصارهم الجائر.
وتتضاعف أهمية هذه المسألة حين ندرك أن شبكة التجارة البحرية، ولا سيما صادرات النفط السعودية، قد باتت مرهونةً بمسار النقل عبر خط أنابيب “ينبع” المطل على البحر الأحمر، إثر انعدام الأمن وإغلاق مضيق هرمز، حيث كانت الرياض تضخّ ما يربو على 4 إلى 5 ملايين برميل من النفط يومياً عبر هذا الشريان إلى الأسواق العالمية. وعليه، فإن هجمات أنصار الله التي تستهدف اليوم المناطق والمنشآت النفطية الحيوية في شرق السعودية، وشبكة الملاحة التابعة لها في البحر الأحمر، قد وضعت العمود الفقري للاقتصاد السعودي تحت ساطور الحصار المزدوج من جهتي هرمز وباب المندب. وخلافاً لمجريات الحروب السالفة، تقف أنصار الله اليوم صاحبة اليد العليا في معادلة الحظر والضغط الاقتصادي في مواجهة العدو.
هذا المشهد المحتدم سرعان ما نقل بؤرة الصراع لتلتهم المناطق الجغرافية المتاخمة والمؤثرة في السيطرة على باب المندب: غرب تعز، جنوب الحديدة، ومدينة المخا.
وخلال الثماني والأربعين ساعة الماضية، أحرزت القوات اليمنية تقدماً ميدانياً كاسحاً على الساحل الغربي، دافعةً بالقوات المدعومة سعودياً – وعلى رأسها ما يُسمى بـ “المقاومة الوطنية” بزعامة “طارق صالح”، نجل شقيق الدكتاتور اليمني السابق علي عبدالله صالح – إلى التقهقر والفرار. وبذلك، عززت القوات اليمنية ورسّخت موطئ قدمها في الشريط الساحلي المطل على مضيق باب المندب. وتقبع مدينة المخا على مسافة تقارب 75 كيلومتراً (47 ميلاً) إلى الشمال من باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن؛ ومن ثم، فإن إحكام القبضة على هذه المدينة يمنح أنصار الله “قوة خنق استراتيجية على امتداد باب المندب”.
فضلاً عن ذلك، فإن هذا الانتصار يقطع أوصال خطوط الإمداد الحيوية لجبهة العدو، بما في ذلك “الطريق الرابط بين المخا وتعز” الممتد من جنوب المخا، وكذا خطوط الإمداد المارة عبر مينائها. لقد مثّل هذا التقدم نصراً مؤزراً لأنصار الله في ميزان المعادلات الداخلية اليمنية، وهزيمةً نكراء للحكومة العميلة في عدن؛ إذ عرّى سقوط المخا مكامن الهشاشة في صميم خطوطهم الدفاعية. وفي هذا الصدد، صرّح “وولفغانغ بوتزاي”، خبير السياسات الدفاعية، لشبكة الجزيرة قائلاً: “إنها نقطة تحول مفصلية في مسار الحرب، وقد تُفضي إلى انهيار تام لقوات الحكومة (العميلة) في الشطر الجنوبي من اليمن”.
كما تكتسي السيطرة على المخا أهميةً بالغةً في خلق غطاء ونسق دفاعي مضاعف لدرء الخطر عن مدينة الحديدة القابعة على بعد 150 كيلومتراً في الشطر الشمالي من المنطقة الساحلية. فقد مثّل ميناء الحديدة رئة التنفس الاقتصادي لصنعاء طوال سنوات الحصار الجوي، ولطالما صبّ السعوديون جام غضبهم وركزوا ضرباتهم عليه إبان فترات التوتر والحروب، بغية الضغط على أنصار الله وإرساء توازن للتهديد.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن قراءة الأهمية الاستراتيجية للسيطرة على الجزر المشرفة على مضيق باب المندب، وفي طليعتها جزيرة بريم (ميون). فالأهمية الجوهرية لبريم تنبع بالأساس من موقعها الجغرافي الفذ، حيث يظل أمن محيط هذه الجزيرة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً باستقرار أحد أهم الممرات المائية في العالم.
عودة شبح الأزمة ليخيّم على باب المندب
يقع مضيق باب المندب – الذي يُطلق عليه “بوابة الدموع” نظراً لمحاذيره الملاحية المحفوفة بالمخاطر – بين اليمن والسواحل الأفريقية، ويُعد شرياناً حيوياً لنقل النفط الخام والوقود من الخليج الفارسي إلى حوض البحر الأبيض المتوسط وقارة آسيا، ليتوج بذلك كأهم شريان تجاري بحري على وجه البسيطة.
تعبر قرابة 12% من حركة التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات حول العالم عبر مسار البحر الأحمر وباب المندب. وعليه، فإن أي حالة انعدام مستدام للأمن في هذه المنطقة، من شأنها أن تبسط تداعياتها لتتجاوز جغرافية اليمن والسعودية بأشواط بعيدة.
وتتعاظم أهمية باب المندب في مجال نقل الطاقة بشكل لافت؛ إذ تعتمد صادرات النفط الخام والمشتقات البترولية المنتجة في الخليج الفارسي على هذا الممر للوصول إلى الأسواق الأوروبية وأجزاء من آسيا. وبناءً عليه، فإن فرض السيطرة على هذا المضيق أو تقويض أمنه، لاسيما في ظل القيود الخانقة التي يكابدها مضيق هرمز، من شأنه أن يلقي بظلال كثيفة من الضغط المضاعف على تدفق صادرات الطاقة.
هرمز: الجبهة الأمامية للحرب البحرية
وعلى المقلب الآخر، تحوّل مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية من مجرد مسار ملاحي حيوي، إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهة المباشرة. فالصراع الذي بدأ بالغارات الجوية، راح يتخذ أبعاداً بحريةً أكثر اتساعاً، لتُزجّ السفن وناقلات النفط في أتون دوامة الهجمات المتبادلة.
ففي الأيام الأخيرة، وجّهت القوات الأمريكية ضرباتها نحو ناقلات النفط المرتبطة بالحكومة الإيرانية، ليرد الحرس الثوري الإيراني، في المقابل، باستهداف السفن والناقلات المرتبطة بالولايات المتحدة. إن استخدام إيران للصواريخ الباليستية المضادة للسفن، والمُطلقة من عمق أراضيها صوب أهداف بحرية، يميط اللثام عن مستوى جديد من القدرات العسكرية في خضم هذه المواجهة، ويوسع دائرة أدوات الحرب البحرية غير المتكافئة، جنباً إلى جنب مع الطائرات المسيرة وسلاح الألغام.
ومع ذلك، لا تزال قدرات الحرب البحرية غير المتكافئة تلعب دور البطولة في الاستراتيجية الأمنية لمحور المقاومة. فهذه القدرات، كبديل عن القوات البحرية الكلاسيكية، توفّر هجوماً وردعاً فعالين ضد الأعداء عبر تكتيكات حديثة تتّسم بالمرونة والابتكار. ومع التقدم الأخير الذي أحرزته أنصار الله في إحكام السيطرة على البحر الأحمر، يتجلى بوضوح مضاء وقوة هذه الاستراتيجية غير المتكافئة في البحر، ليزداد نفوذها وتأثيرها في المنطقة. ومما لا ريب فيه أن التداعيات بعيدة المدى لهذه التطورات، ستلقي بظلالها الكثيفة على الأمن والتوازن الجيوسياسي في الإقليم.
وعلاوةً على ذلك، لم تقتصر تداعيات هذا المشهد على اللاعبين العسكريين فحسب، بل امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي أيضًا. فعلى سبيل المثال، ناقلة نفط عملاقة تبلغ حمولتها نحو 300 ألف طن، أو سفن الحاويات الضخمة، تقف عاجزةً فعلياً عن الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات، خلافاً للقطع البحرية العسكرية. لذا، فإن القرار الأمني الأهم بشأنها يُتخذ في المقام الأول قبل أن ترفع مرساتها، ويكون رهن إرادة مالك السفينة؛ حول ما إذا كان مستعداً من الأساس للإبحار بها والمخاطرة في قلب منطقة الخطر أم لا.
ونتيجةً لذلك، أضحت الملاحة عبر مسار هذه المضايق محفوفةً بمخاطر جسيمة، مما أفضى إلى ارتفاع حاد في التكاليف، كرسوم التأمين وأجور الشحن. فقد بلغت تكلفة التأمين في بعض فترات العام ما يناهز 10% من قيمة هيكل السفينة، وهو رقم قد يُترجم إلى ملايين الدولارات بالنسبة لناقلة نفط عملاقة.
مضيقان استراتيجيان في أتون أزمة واحدة
تتجلى أهمية التطورات الأخيرة بوضوح أكبر حين يُنظر إلى هرمز وباب المندب كمنظومة واحدة لا تتجزأ. في الماضي، كان بمقدور قطاع الشحن البحري عادةً أن يتجه نحو مسار بديل متى ما عصفت الاضطرابات وانعدم الأمن في أحد المضيقين. فعندما اضطربت مياه البحر الأحمر في عامي 2023 و2024، تمكنت السفن من امتصاص جزء من الصدمة عبر الالتفاف حول القارة السمراء وعبور طريق “رأس الرجاء الصالح”؛ وهو مسار أطول وأكثر كلفةً بلا شك.
أما إذا اشتعلت نيران انعدام الأمن في هرمز وباب المندب في آن واحد، فإن هذه الآلية التعويضية ستتلاشى إلى حد بعيد. فناقلات النفط ستكابد، من جهة، الأمرين في عمليات التحميل والعبور الآمن من الخليج الفارسي، وستواجه، من جهة أخرى، مخاطر الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب إن هي أفلتت من المرحلة الأولى. ولن يتبقى أمامها سوى خيار مرير يتمثل في الالتفاف الكامل حول أفريقيا؛ وذلك في ظل ظروف قاهرة تشهد ارتفاعاً مطرداً في تكاليف التأمين، وأجور الطواقم، والمخاطر الأمنية على امتداد المنطقة.
وهنا تكمن النقطة الحرجة التي قد تستحيل عندها أزمتان إقليميتان إلى أزمة عالمية طاحنة. فإذا طال الشلل أحد هذين المضيقين فحسب، يمكن لقطاع النقل أن يتحمل جزءاً من الضغط بتغيير المسارات؛ أما الاختناق المتزامن في كليهما، فسيُقيد بلا شك مرونة شبكة الملاحة العالمية وقدرتها على التكيف.
تكلفة يتكبدها الاقتصاد العالمي
إن تعاظم المخاطر في هرمز وباب المندب، سيتحول في نهاية المطاف إلى فاتورة باهظة لن تقتصر على شركات الشحن البحري وحدها لتسديدها. فتكاليف التأمين والنقل تُمرر في خطوتها الأولى إلى أصحاب السلع والمشترين، لتنعكس لاحقاً على أسعار النفط الخام، والمشتقات البترولية، والمنتجات البتروكيماوية، وسائر السلع التي تعتمد على الوقود.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعاطي مع أزمة المضايق البحرية كمسألة أمنية أو عسكرية بحتة. فارتفاع تكلفة نقل الطاقة كفيل بأن يترك بصمته الثقيلة على المصافي، وصناعات البتروكيماويات، وقطاع النقل، وصولاً إلى أسعار السلع الاستهلاكية. وفي واقع الأمر، كلما ضاقت سبل المسارات البديلة، تعاظم نصيب “المخاطر الجيوسياسية” في تحديد السعر النهائي للسلع.
ومن ناحية أخرى، حتى لو لاحت في الأفق بوادر هدنة على المدى القريب، فإن ندوب هذه الأزمة لن تندمل بين عشية وضحاها. لقد دخلت أسواق النقل والتأمين خط أساس جديد، ولم تعد المسألة مجرد طفرة عابرة. وحتى إن سكتت المدافع غداً، فلن يمحو ذلك بالكامل حالة الحيطة والحذر المتجذرة الآن في نماذج التأمين، واتفاقيات أجور الطواقم، ومستوى تقبل المخاطرة لدى شركات العبور. فالأسواق التي اكتوت بنيران الأزمات مرتين خلال عامين – في البحر الأحمر سابقاً، والآن في هرمز وباب المندب – ستفرض “علاوة مخاطر” ثابتة على هذه المنطقة لسنوات طوال قادمة.
بناءً على ذلك، من المرجح أن تظل “علاوة المخاطر” في هذه المنطقة قابعةً عند مستويات تفوق ما كانت عليه في الماضي لسنوات مقبلة.
محدودية السعة الاستيعابية للمسارات البديلة
ولعل من أبرز تداعيات المشهد الراهن، انكشاف الغطاء عن محدودية القدرة على تغيير المسارات في خضم التجارة العالمية. لقد نجح قطاع الشحن البحري في الصمود إلى حد ما أمام عواصف أزمة البحر الأحمر، نظراً لأن مضيق هرمز كان لا يزال مشرعاً ونابضاً بالحياة. ولكن إذا ما أصيب كلا المضيقين بشلل متزامن، فلا يمكن التعويل حينها على تغيير واسع النطاق لمسارات السفن دون أن يُفضي ذلك إلى تكدّس خانق في الموانئ البديلة، وتأخير في مواعيد التسليم، وتقليص للسعة الفعالة للأسطول العالمي.
وفي ظل هذه المعطيات، لن يعود الأمن البحري مجرد بند هامشي على طاولات مديري شركات الشحن، بل سيتبوأ صدارة استراتيجياتهم التجارية. فما يعتري هرمز من تطورات، يترك بصمته المباشرة على قيمة باب المندب وأهميته، والعكس بالعكس. ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى هذين المضيقين كمنظومة متشابكة ومترابطة من المخاطر الجيوسياسية، لا كنقطتين متباعدتين على الخارطة.
