الوقت - شكّلت سياسات الإمارات التدخلية في غرب آسيا وشمال أفريقيا تحديًا لعلاقات البلاد مع عدد من الحكومات، وأجبر استمرار هذا النهج بعض الدول الإسلامية على إعادة النظر في علاقاتها مع أبوظبي. والجزائر من بين هذه الدول التي، بعد سنوات من الخلافات والتوترات مع الإمارات، خلصت أخيرًا إلى أن استمرار العلاقات في ظل الظروف الراهنة لم يعد ممكنًا.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية في بيان لها يوم الخميس أنها قررت قطع علاقاتها مع الإمارات بعد أن اتخذت جميع التدابير الممكنة للحفاظ على العلاقات الثنائية، ولكن دون جدوى. أكدت الوزارة أن الجزائر مارست قدراً كبيراً من ضبط النفس والمسؤولية، ولم تدخر جهداً في لفت انتباه الجانب الإماراتي وتحذيره من العواقب الوخيمة لأعماله الاستفزازية أو العدائية.
وأعلنت الوزارة أن الإمارات، رغم تحذيراتنا المتكررة، ما زالت تُصرّ على هذه الإجراءات، التي بلغت حداً لا يُمكن معه قبولها أو التسامح معها في إطار العلاقات بين دولتين مستقلتين، أو تجاهلها دون رد، وعليه، قررت وزارة الخارجية الجزائرية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات.
كما أبلغت الجزائر سفير الإمارات بضرورة مغادرة البلاد خلال 48 ساعة.
أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية أيضاً أن حظر المجال الجوي الذي يستهدف الطائرات الإماراتية سيدخل حيز التنفيذ يوم الجمعة، باستثناء استمرار الرحلات التجارية من وإلى مطار الجزائر حتى نهاية عام 2026.
وكانت الجزائر قد خفضت تدريجياً مستوى علاقاتها مع الإمارات، بما في ذلك تقليص تمثيلها الدبلوماسي في يناير/كانون الثاني، وفي فبراير/شباط اتخذت خطوات لإلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات في أبوظبي في مايو/أيار 2013.
وفي أول رد رسمي من أبوظبي بعد إعلان الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية، شدد أنور قرقاش، كبير دبلوماسيي الإمارات، على ضرورة شفافية المصالح في العلاقات بين الدول. وقال قرقاش: "لا ينبغي أن تكون العلاقات الدبلوماسية رهينة للتوترات الداخلية أو عدم القدرة على توضيح المصالح وتحديد الأولويات. الغموض ليس سياسة، والضجيج لا يغني عن غياب الرؤية".
تدخل أبوظبي في الشؤون الداخلية للجزائر
لا تقتصر الخلافات بين الإمارات والجزائر على قضية واحدة، بل إن سلسلة من القضايا الداخلية والإقليمية أدت إلى تصعيد التوتر بين البلدين خلال السنوات الماضية. ومن بين هذه القضايا، نهج أبوظبي تجاه المعارضة الجزائرية والجماعات الانفصالية.
وتُبدي الجزائر حساسية بالغة تجاه اتصالات الإمارات ودعمها السري لحركة استقلال القبائل (MAK). تأسست هذه الحركة في شمال الجزائر، وتطالب باستقلال الإقليم عن الحكومة المركزية، وتعتبرها الحكومة الجزائرية منظمة إرهابية.
وترى السلطات الجزائرية أن دعم هذه الحركة أو إقامة اتصالات معها يُعد تدخلاً مباشراً في الشؤون الداخلية وتهديداً لوحدة أراضي البلاد. ولذلك، أصبحت قضية القبائل أحد أهم عوامل انعدام الثقة بين الجزائر وأبوظبي، وأدت إلى تصعيد المواجهة السياسية بين البلدين.
تدخلات أبوظبي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل
يُعدّ توسيع النفوذ الأمني لدولة الإمارات العربية المتحدة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل عاملاً آخر في تفاقم الخلافات بين أبوظبي والجزائر. ففي ليبيا، دعمت الإمارات قوات خليفة حفتر، قائد المعارضة الليبية، على مدى السنوات الماضية، وأصبحت أحد أبرز الفاعلين الأجانب في المعادلة العسكرية والسياسية للبلاد، وهو ما يتعارض مع نهج الجزائر الداعم للحل السياسي ومعارضة التدخل الأجنبي.
وفي السودان، تدعم أبوظبي أيضاً "قوات الدعم السريع" التي تواجه الجيش السوداني. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الإمارات نقلت أسلحة ومعدات لهذه القوات، وهو اتهام تنفيه أبوظبي. وقد أثار هذا الدور الإماراتي قلق الجزائر، لأن الأزمة السودانية تقع على مقربة من المجال الأمني لشمال أفريقيا ومنطقة الساحل، وقد يكون لتوسيع النفوذ الأجنبي واستمرار عدم الاستقرار في هذه المنطقة تداعيات أمنية وسياسية مباشرة على الجزائر.
في الصحراء الغربية، انحازت الإمارات العربية المتحدة علنًا إلى جانب المغرب، بما في ذلك افتتاح قنصلية في مدينة العيون عام 2020 ودعم السيادة المغربية رسميًا على الإقليم المتنازع عليه. ويتناقض هذا الموقف مع نهج الجزائر تجاه الصحراء الغربية، التي تدعم حق شعوب المنطقة في تقرير المصير وموقف جبهة البوليساريو، وتعتبر قضية الصحراء الغربية قضيةً هامةً في سياستها الخارجية.
وتُظهر هذه التطورات أن أبوظبي تسعى في السنوات الأخيرة إلى تشكيل تحالفات جديدة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، معتمدةً على العلاقات الأمنية، ودعم الفاعلين المحليين، والاستثمار، والتحالفات السياسية، وترسيخ مكانتها كفاعل إقليمي، وهي عملية قد تُغيّر، من وجهة نظر الجزائر، موازين القوى التقليدية في المنطقة بما يضرّ بها.
وصف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مرارًا وتكرارًا دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها "دولة صغيرة" تسعى لزعزعة استقرار دول شمال أفريقيا، مستشهدًا تحديدًا بالصراعات في ليبيا ومالي والسودان. وفي مقابلة تلفزيونية في يوليو/تموز، هاجم تبون أبوظبي بشدة، قائلًا: "أينما وطئت أقدامهم، أُريق الدم". وأضاف تبون: "لو لم تكن الجزائر ترغب في منع "تعميق الانقسامات" في العالم العربي، لكانت قطع العلاقات قد حدث منذ زمن طويل. نريدهم أن يبتعدوا عنا حتى لا يُراق الدم في بلادنا".
تعاون أبوظبي مع تل أبيب
لا تقتصر الخلافات بين الجزائر وأبوظبي على التنافس الإقليمي فحسب، بل تنبع أيضًا من اختلاف النهج الدبلوماسي. فقد طبعت الإمارات علاقاتها مع إسرائيل عام 2020، ومنذ ذلك الحين، توسعت العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين الجانبين بشكل ملحوظ. وفي الوقت نفسه، بدأت المغرب علاقاتها مع تل أبيب في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه بمساعدة أبوظبي، وتطور التعاون الأمني والعسكري بين الجانبين تدريجيًا.
في الوقت نفسه، أعرب عبد العزيز جراد، رئيس الوزراء الجزائري آنذاك، عن استيائه من اتفاق التطبيع المغربي، وحذّر مما وصفه بـ"جلب إسرائيل والوجود الصهيوني إلى حدود الجزائر". يُظهر هذا الموقف أن قلق الجزائر من تطبيع علاقات دول المنطقة مع تل أبيب لا يقتصر على القضية الفلسطينية فحسب، بل له أيضًا بُعد أمني وجيوسياسي.
يشير تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز في يوليو/تموز 2025 إلى أن الجزائر تتابع تقارب المغرب والإمارات العربية المتحدة مع الكيان الصهيوني بعين الريبة، وتُبدي حساسية خاصة تجاه التعاون العسكري والأمني بين إسرائيل والمغرب. في هذا السياق، قد يؤدي التزايد المتزامن لنفوذ المغرب والإمارات وإسرائيل في شمال أفريقيا، من وجهة النظر الجزائرية، إلى تشكيل نظام جديد في المنطقة، ما قد يزيد من نفوذ هذا النظام في البيئة الجزائرية.
أخيرًا، يُمكن اعتبار قطع العلاقات بين الجزائر وأبوظبي تتويجًا للخلافات التي برزت عبر قضايا مختلفة على مدار السنوات الماضية وتعمقت تدريجيًا، وقد يؤثر هذا التطور على معادلات علاقات الإمارات العربية المتحدة مع دول شمال أفريقيا الأخرى، وينقل التنافس على النفوذ في هذه المنطقة إلى مرحلة جديدة.
