الوقت- زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي جعل الاستيلاء على النفط الفنزويلي هدفه الرئيسي منذ بداية غزو المياه الفنزويلية واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، بعد نحو ثمانية أشهر من تلك الأحداث، أن الولايات المتحدة حققت هدفها فيما يتعلق بموارد النفط الفنزويلية.
وفي خطاب ألقاه يوم السبت، ادعى ترامب أن الولايات المتحدة توصلت إلى اتفاق مع فنزويلا بشأن أكبر صفقة نفطية في التاريخ.
قال ترامب: "بتوجيهات مني، قام وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيت، بالتعاون الوثيق مع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، ومن خلال شراكات مع القطاع الخاص، بتأمين أغلبية ملكية الولايات المتحدة لأكثر من 65 مليار برميل من النفط المؤكد في فنزويلا، دون أي تكلفة على دافعي الضرائب الأمريكيين".
وأضاف ترامب أن هذه الصفقة التاريخية ستزيد احتياطيات النفط الأمريكية إلى أكثر من الضعف، وسترفع إمداداتنا النفطية بشكل كبير، وعلى المدى الطويل، ستخفض أسعار البنزين بشكل ملحوظ لجميع الأمريكيين، بينما ستساعد فنزويلا على مواصلة مسيرتها نحو نجاح باهر وازدهار كبير.
كما قال روبيو ردًا على إعلان ترامب: "هذه الصفقة انتصار عظيم للشعب الأمريكي وللشعب الفنزويلي". وأضاف: "بالنسبة للشعب الفنزويلي، ستجلب هذه الصفقة استثمارات خاصة بقيمة تقارب 100 مليار دولار، وستدعم آلاف الوظائف ذات الأجور المرتفعة، وستدفع عملية إعادة بناء الاقتصاد الفنزويلي".
تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، بنحو 300 مليار برميل؛ إلا أن العقوبات الواسعة النطاق ونقص الاستثمارات حالا دون استغلالها لهذه الإمكانات الهائلة. ولذلك، يسعى ترامب الآن للسيطرة على هذه الموارد واستغلال ثروة فنزويلا النفطية لصالح الولايات المتحدة.
التغطية على الإخفاقات بالنفط الفنزويلي
إن كشف ترامب عن هدف الولايات المتحدة النفطي في فنزويلا في هذا التوقيت ليس مجرد صدفة، بل يعكس حجم إخفاقات إدارته في السياسة الداخلية والخارجية، حيث بات البيت الأبيض في أمسّ الحاجة إلى إنجاز ملموس لتبرير تحركاته.
في الأشهر الأخيرة، أصبح الوضع الاقتصادي المتردي في الولايات المتحدة، ولا سيما الاستياء من أسعار الوقود، أحد أهم شواغل دونالد ترامب في إدارة الرأي العام. وقد زاد فشل إيران في تحقيق استسلام عسكري وعجز الحكومة عن السيطرة على سوق الطاقة من الضغط على البيت الأبيض، ويخشى ترامب أن يؤدي هذا الوضع إلى الإضرار بالجمهوريين في انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر.
وتُظهر نتائج استطلاعات الرأي أيضًا أن شعبية ترامب قد بلغت أدنى مستوياتها، وأنها سلبية في 47 ولاية، وهو ما يُشكل ناقوس خطر لحكومته عشية انتخابات الكونغرس. ولهذا السبب، يسعى ترامب إلى كسب تأييد الرأي العام خلال الشهرين المتبقيين من خلال خفض أسعار الوقود، مُستغلًا ورقة "النفط الفنزويلي" كإنجاز رئيسي، وتخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية على الحكومة وأعضاء حزبه.
إضافةً إلى ذلك، يتحدث ترامب عن هيمنة أمريكا على النفط الفنزويلي، في حين لم تتوصل حكومته بعد إلى نتيجة واضحة في العديد من القضايا الخارجية الهامة.
وعلى الرغم من وعد ترامب بإنهاء الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة، إلا أنها لم تتوقف بعد مرور عام ونصف على عودته إلى البيت الأبيض، بل اشتدت حدتها في الأشهر الأخيرة، مما أثار مخاوف من اتساع رقعة الحرب، بل واحتمالية نشوب مواجهة مباشرة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي (الناتو). وفي الأسبوع الماضي، أرسل ترامب شخصيًا رئيس وكالة المخابرات المركزية (CIA) إلى موسكو لمناقشة تداعيات أي صراع مع الناتو مع مسؤولي الكرملين.
فيما يتعلق بـ من جهة أخرى، لم تُحقق الحرب التجارية مع الصين، التي اعتبرها ترامب إحدى الأدوات الرئيسية لاحتواء القوة الاقتصادية المتنامية لهذا المنافس الصاعد، النتائج المرجوة. فعلى عكس ادعاء ترامب بتحقيق نصر حاسم في هذه المنافسة، لا تزال الصين أكبر منافس اقتصادي لأمريكا، ولم يعد الارتفاع الحاد في الأسعار نتيجة الرسوم الجمركية على الواردات إلى مستواه السابق.
وفي قضية غزة، شكّل ترامب ما يُسمى "مجلس السلام" وسط ضجة إعلامية كبيرة، إلا أن هذه المؤسسة لم تتخذ أي إجراءات عملية فعّالة لتحقيق السلام. وبالنظر إلى أن مسؤولي تل أبيب لا يأخذون هذه المؤسسة الشكلية على محمل الجد، وصرحوا صراحةً بأنهم لن ينسحبوا من غزة، فإن ذلك يُظهر فشل خطط البيت الأبيض على أرض الواقع.
إلى جانب ذلك، كلّف استمرار الحرب مع إيران الولايات المتحدة خسائر فادحة. وتشير التقارير الإعلامية اليومية إلى تأثير هذه الحرب على القدرة العسكرية لواشنطن، وانخفاض مخزونات الأسلحة، وتضرر بعض الأصول الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
ومع ذلك، لجأت واشنطن مجدداً إلى سياسة "الضغط الأقصى" المتكررة، لإجبار طهران على الاستسلام. هذا في حين يعتقد العديد من وسائل الإعلام والمحللين أن عقوبات "المنبوذ الاقتصادي"، كما في التجربة السابقة، من غير المرجح أن تؤدي إلى تحقيق الأهداف المرجوة من البيت الأبيض.
مع استمرار هذا الوضع، تراجعت ثقة بعض حلفاء الولايات المتحدة في قدرة واشنطن على توفير الأمن لهم، وتشير التحركات الأخيرة للدول العربية لتعزيز التعاون الأمني وتشكيل تحالفات إقليمية دون وجود الولايات المتحدة إلى فشل إدارة ترامب في تحقيق إنجازات ملموسة ومستدامة في مجال السياسة الخارجية.
في غضون ذلك، أصبحت ورقة النفط الفنزويلية الملاذ الوحيد لترامب لتسليط الضوء على نجاح سياساته، وقد لجأ إليها مجدداً لتقديم صورة إيجابية عن أداء حكومته وتخفيف حدة الانتقادات في ظل غياب إنجازات ملموسة.
أرباح عقود النفط في جيوب أصدقاء ترامب
تُظهر طبيعة اتفاقية النفط الأمريكية الفنزويلية، خلافاً لمزاعم ترامب ووزرائه الذين يعتبرونها اتفاقية تاريخية تصب في مصلحة الشعب الأمريكي ويمكن أن تُسهم في خفض أسعار الوقود، أن التجارب السابقة ونهج ترامب النفعي يُشيران إلى أن هذه الاتفاقية أقرب إلى حيلة دعائية عشية الانتخابات منها إلى إنجاز اقتصادي.
من المستبعد جدًا أن تُسفر هذه الصفقة عن انخفاض أسعار البنزين في الولايات المتحدة على المدى القريب. فبحسب خبراء اقتصاديين، تحتاج البنية التحتية النفطية في فنزويلا إلى إعادة بناء شاملة بعد سنوات من التدهور ونقص الاستثمار، وقد يستغرق تحقيق زيادة ملحوظة في الإنتاج سنوات. لذا، حتى في حال نجاح الصفقة، لن يكون تأثيرها على خفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة فوريًا، وسيعتمد على الزيادة الفعلية في الإنتاج وظروف سوق النفط العالمية.
من جهة أخرى، يُشير هيكل الاتفاقية إلى أن جزءًا كبيرًا من المكاسب الاقتصادية سيذهب إلى الشركات الكبرى ورجال الأعمال المقربين من ترامب. وتجري شركات مثل شيفرون وهاليبرتون وإكسون موبيل محادثات بالفعل لتوسيع أنشطتها في حقول النفط الفنزويلية.
وأفادت بعض المصادر لوكالة رويترز أنه يجري النظر في نموذج تأجير يُطرح بموجبه إنتاج النفط الأمريكي للمزايدة. وفي ظل هذه الظروف، يثور التساؤل حول ما إذا كانت الزيادة في الإنتاج ستُمرر فعليًا إلى المستهلك الأمريكي، أم أن الجزء الأكبر من الأرباح سيذهب إلى شركات النفط والمستثمرين.
بحسب تقارير إعلامية، تُحوّل مليارات الدولارات من عائدات بيع النفط الفنزويلي حاليًا إلى آلية لا تزال تفاصيلها غامضة للجمهور، بدءًا من حجم العائدات الفعلي وصولًا إلى كيفية إنفاقها والمؤسسات المسؤولة عن مراقبتها. وقد سيطرت الحكومة الأمريكية على تدفق عائدات النفط الفنزويلي عبر إنشاء هياكل مالية خاصة، لكنها لم تنشر بعد تقريرًا واضحًا عن مصير هذه العائدات.
كما تشير تقارير منشورة داخل الولايات المتحدة إلى وجود شكوك جدية حول إدارة هذه العائدات. وقد حذّرت بعض المؤسسات البحثية الأمريكية من أنه على الرغم من تحويل مليارات الدولارات من قيمة صادرات النفط الفنزويلية، فإن آلية المراقبة العامة لهذه العائدات محدودة، وليس من الواضح مقدار العائدات المخصصة لكل حساب أو مؤسسة.
وبالنظر إلى أن الحكومة الأمريكية سهّلت أول صفقة نفط فنزويلية بقيمة 500 مليون دولار عبر حساب منفصل في قطر، فقد أثار ذلك حالة من عدم اليقين بشأن كيفية إبرام الصفقات المستقبلية. مع ذلك، يبدو أن الشركات الخاصة وجماعات الضغط التجارية التابعة لترامب ستكون الرابح الأكبر هذه المرة، وسيتعين على الشعب الأمريكي الانتظار حتى تعود الأسواق العالمية إلى توازنها مع ازدياد مرونة الاقتصاد.
عقد استعماري لنهب موارد فنزويلا
إن فرض اتفاقية نفطية من شأنها أن تؤدي إلى هيمنة الولايات المتحدة على الثروة الوطنية للشعب الفنزويلي، ولا سيما خطاب ترامب حول طبيعة هذه الاتفاقية، يُذكّر بالوجود الاستعماري والإمبريالي للقوى الأوروبية في أمريكا اللاتينية، وهو أمر لن يمر دون عواقب وخيمة.
قد يؤدي هذا النهج تدريجيًا إلى زيادة غضب الشعب الفنزويلي وسخطه. قد يتساءل شعب هذا البلد عن سبب وضع ثروته النفطية الهائلة تحت تصرف الولايات المتحدة بينما تذهب معظم فوائدها إلى شركات أجنبية وجماعات مقربة من السلطة. إذا لم تتمكن الحكومة الفنزويلية من تقديم تفسير مقنع للشعب حول الفوائد الحقيقية لهذه الاتفاقية، فإن مزاعمها بشأن فوائدها للشعب ستواجه مزيدًا من الشكوك.
في ظل هذه الظروف، ثمة احتمال لاندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات ضد سياسات الولايات المتحدة وحكومة رودريغيز.
أظهرت التجربة التاريخية لأمريكا اللاتينية أن التدخل الأجنبي، لا سيما إذا كان مرتبطًا بالموارد الطبيعية والثروات الوطنية، قد يُعزز المشاعر القومية والاستقلالية. لذا، قد تُصبح هذه الصفقة، خلافًا لتوقعات واشنطن، عاملًا في إحياء الخطاب المناهض للإمبريالية في فنزويلا، بل وقد تُمهد الطريق لموجة جديدة من الانتفاضات البوليفارية في هذا البلد ودول أخرى في أمريكا اللاتينية.
