الوقت - نشر الموقع الأسترالي “The Conversation” (المحادثة) مراجعةً قيّمةً حول أحد أكثر الكتب غير الروائية مبيعاً في الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة، تنطوي على نقاط جديرة بالتأمل العميق. تتناول هذه المراجعة كتاب “تغيير النظام” (Regime Change)، بقلم الصحفيين الاستقصائيين الأمريكيين، ماغي هابرمان وجوناثان سوان. وهو كتابٌ يسبر أغوار أربعة عشر شهراً من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، ويبدو أنه يشقّ طريقه بثبات ليعتلي عرش الكتب غير الروائية الأكثر مبيعاً لعام 2026.
يستهل كاتبا التقرير مقالهما بالإشارة إلى إطار فكري آسر: فقد ابتكر الفيلسوف السياسي الألماني ذو الأصول اليهودية، ليو شتراوس، مصطلح “مغالطة الاختزال إلى هتلر” (Reductio ad Hitlerum) ليبرهن على أن مجرد مقارنة شيء ما بهتلر لا يستوجب إدانته بالضرورة؛ فعلى سبيل المثال، كان هتلر نباتياً، غير أن ذلك لا يعني بالتبعية سوء طوية كل النباتيين. وبعد عقود، عمد المحامي مايك غودوين إلى تحديث هذه النظرية بما عُرف بـ “قانون غودوين”، الذي ينص على أنه كلما طال أمد النقاشات على شبكة الإنترنت، تعاظمت احتمالية عقد مقارنات مع النازيين.
وفي يومنا هذا، أدى هذا “التابو” إلى الإعراض عن العديد من المقارنات التي قد تحمل في طياتها رؤى تنويرية، غير أن كتاب “تغيير النظام” يحطم هذا التابو في مشهد ختامي يحبس الأنفاس.
يُعدّ مؤلفا الكتاب، ماغي هابرمان وجوناثان سوان، من أبرز صحفيي جريدة نيويورك تايمز. فقد تولت هابرمان تغطية أخبار ترامب منذ أن كان سمساراً للعقارات في نيويورك، بينما وضع سوان ولايتيه الرئاسيتين تحت مجهره الدقيق. وكانا يدركان تمام الإدراك أن لترامب وجهين رئيسيين في التعامل مع الصحفيين: تملقٌ ناعم أشبه بأسلوب الباعة، أو تنمرٌ فجٌ وسافر. وفي الأيام التي سبقت مقابلةً مصيريةً جرت في 16 مارس (أي بعد 17 يوماً من اندلاع حرب ترامب غير القانونية على إيران)، شنّ ترامب هجوماً شخصياً على هابرمان عبر منصته الاجتماعية “تروث سوشيال” (Truth Social)، متوعداً إياها بضمّها إلى قائمة دعاويه القضائية.
ومع ذلك، حينما التقوا في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، آثر ترامب الخوض في هوامش الأمور؛ بدءاً من أشجار القيقب التي أوصى بجلبها لإعادة تنسيق حدائق البيت الأبيض، وصولاً إلى تباهيه بتحقيق منشوراته على تيك توك 339 مليار مشاهدة. إلا أن ذروة المقابلة تجلت حينما ردّد ترامب، بزهو لا يخفى، ادعاءً منسوباً لأحد المؤرخين (ليتضح لاحقاً أنه غاري بلاير، لاعب الغولف الشهير وحامل مضارب ترامب)، والذي يزعم أن ترامب “بلا أدنى شك، هو الرجل الأقوى الذي عرفته الكرة الأرضية على الإطلاق – وبفارق شاسع عن غيره”؛ أقوى من الإسكندر الأكبر، والقياصرة، وجنكيز خان، وماو، وستالين، ونعم… أقوى من هتلر أيضاً.
لا تكمن النقطة المروّعة والكاشفة في الكتاب في مجرد سرد هذا الادعاء المثير للسخرية، بل في الكيفية التي تشرّب بها ترامب هذه الفكرة في أعماقه. فهو لم يقم وزناً لأي تمييز بين من شيّدوا ومن دمّروا، ولا بين من حرّروا ومن استعبدوا. إن نشوته الجلية باقتران اسمه بأسماء كـ ماو وهتلر وستالين – أساطين قمع الدولة عبر القتل والتعذيب والاعتقال – تجمّد الدماء في عروق القارئ وتبعث قشعريرةً تسري في العظام. وهذه المكاشفة بالذات تشكّل الجوهر النابض للكتاب، وتفسّر لغز سلوك ترامب في ولايته الثانية، بعد أن خلا الجو من “حكماء الغرفة” الذين طالما كبحوا جماح نزواته إبان ولايته الأولى (2017 - 2021).
يُبرز مؤلفا الكتاب بجلاء كيف تعمّد ترامب، في ولايته الثانية، الإطاحة بعقود من القانون الدولي والمعاهدات والمواثيق، ليُحكم قبضته على السلطة، داخلياً وخارجياً، إلى أقصى حد ممكن. وقد استُخدمت هذه السلطة ببطش، وبمزاجية متقلبة في كثير من الأحيان، ضد خصومه السياسيين، سواء كانوا من نسيج الخيال أو حقيقة واقعة؛ امتداداً من الديمقراطيين والمؤسسات الإعلامية، وصولاً إلى دول مثل فنزويلا وإيران، وربما حتى غرينلاند. وإلى جانب التقارير المستفيضة لديفيد كيركباتريك من مجلة “النيويوركر”، يميط هابرمان وسوان اللثام عن استغلال ترامب لنفوذه بغية مراكمة الثروات الشخصية والعائلية.
ولعل أشدّ ما يبعث على القلق، هو نفور ترامب العميق من أي اكتراث بالقيم الأخلاقية؛ إذ تندر الشواهد التي تدل على مبالاته بمعاناة الآخرين. وفي هذا الكتاب، تتجلى نرجسيته التي لطالما كانت سافرةً لسنوات طوال، بصورة أكثر وضوحاً وفجاجةً. يستحضر هابرمان وسوان واقعةً حدثت إبان محاكمته عام 2024 بشأن تهم تزوير السجلات التجارية للتستر على دفع أموال لـ “ستورمي دانيلز”. ففي اليوم الرابع للمحاكمة، أقدم رجل مضطرب نفسياً على إضرام النار في نفسه في الحديقة المقابلة للمحكمة. فماذا كانت ردة فعل ترامب؟ سأل أحد مستشاريه قائلاً: “هل تظن أنه فعل ذلك من أجلي؟”، ثم أردف بلا تمهل: “لِنُخبر الناس أنه فعل ذلك فداءً لي”. هذه القسوة المتحجرة تضرب بجذورها في أعماق الماضي؛ ففي سيرته الذاتية السابقة التي حملت عنوان “رجل الثقة” (Confidence Man)، روت هابرمان كيف كان ترامب، وهو طفل في الخامسة من عمره، يقذف رضيع الجيران بالحجارة من وراء السياج.
وعبر صفحاته البالغ عددها 464، يجسّد كتاب “تغيير النظام” لوحةً قاتمةً عن امتدادٍ يبدو وكأنه لا متناهٍ من الدناءة والفساد والبطش الذي استشرى في أروقة الإدارة الثانية. إن استعراض سجل أعمال هذه الإدارة يبعث على الإنهاك؛ بدءاً من العنف الذي يمارسه عملاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) باحتجازهم وترحيلهم للآلاف، وصولاً إلى شنّ حملة شعواء وغير قانونية ضد مهربي المخدرات في فنزويلا، أفضت إلى هجمات عسكرية استهدفت قوارب ربما لم يكن بعض ركابها من المهربين قط.
ويُعدّ تسليط الضوء على قرارات العفو الرئاسي التي أصدرها ترامب، أحد المحاور المركزية في هذا الكتاب. إذ يجادل المؤلفان بأن هذه الإعفاءات تمثل تجسيداً صارخاً لنهج ترامب في ممارسة السلطة؛ نهجٌ “خالص، وبلا كوابح، ومستمد من الدستور”. وعلى النقيض من الرؤساء السابقين الذين جرت عادتهم على إرجاء قرارات العفو إلى أواخر عهودهم، إما لإبداء “الرحمة” أو لكبح جماح السلطتين الأخريين (التشريعية والقضائية)، عمد ترامب إلى نسف هذا العُرف منذ اليوم الأول لولايته الثانية، مُصدراً عفواً عن 1500 من مثيري الشغب الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021. وقد اتخذ من العفو المثير للجدل الذي منحه جو بايدن لنجله هانتر في رمق رئاسته الأخير، ذريعةً للتمادي في الدوس على المزيد من الأعراف. وفي العام الأول من إدارته الثانية، مُنح 166 عفواً إضافياً، لتتحول العملية برمتها إلى ما يشبه خط إنتاجٍ خُصص لحلفاء ترامب و"مجرمي الياقات البيضاء". وما يبعث على الرعب أكثر من أي شيء آخر، هو العفو عن أحد أباطرة تهريب المخدرات من هندوراس، والذي كان يقضي حكماً بالسجن لمدة 45 عاماً لتهريبه 400 طن من الكوكايين.
غير أن ما يضفي على الكتاب مصداقيته الرصينة هو منهجيته الدقيقة. فإلى جانب تقاريرهما الخاصة، استند هابرمان وسوان إلى ما يربو على ألف مقابلة أُجريت مع مسؤولين في الحملة الانتخابية، وموظفين في البيت الأبيض، ومسؤولين وزاريين، ومساعدين سابقين، ومانحين، وشركاء تجاريين. وقد أُجريت العديد من هذه المقابلات في إطار ما يُعرف بـ “الخلفية العميقة” (Deep background) – وهو نهجٌ طبّقت شهرته الآفاق على يد كارل برنستين وبوب وودوارد إبان فضيحة ووترغيت، إذ يتيح للصحفيين النفاذ لما وراء واجهة العلاقات العامة للحكومة، وإن كان محفوفاً بخطر تلاعب المصادر.
وبالنظر إلى طوق السرية المضروب بشدة حول إدارة ترامب الثانية – في تناقض صارخ مع ولايته الأولى – يبدو اللجوء إلى هذا النهج مبرراً تماماً. فالإدارة الثانية تتشكل في مجملها تقريباً من الموالين الأوفياء، وتُتخذ القرارات المفصلية فيها من قِبل حلقة ضيقة للغاية؛ فعلى سبيل المثال، أُقصي وزيرا التجارة والخزانة عن دائرة صنع القرار المتعلق بالحرب على إيران (رغم تعاظم دور وزير الخزانة مؤخراً في الشق الاقتصادي من الحرب).
ولم يفلح هابرمان وسوان سوى في إزاحة الستار عن نزرٍ يسير مما تقترفه الإدارة، مردّ ذلك إلى “الشفافية الاستعراضية” التي يتقن ترامب أداءها. فهو يعقد مؤتمرات صحفية تفوق ما عقده بايدن، ورقم هاتفه الشخصي متاح للصحفيين، لكنه في المقابلات لا يتفوه بما يُعتدّ به، ويجابه الأسئلة المستعصية بتوجيه الإهانات الشخصية. ويتحتم على المراسلين، بُغية الوصول إليه، تخطي عقبات مضنية؛ فها هو جون ليونز من شبكة “إيه بي سي” في برنامج “فور كورنرز” يضطر لطرح أسئلته على مدرج الإسفلت وسط هدير محركات طائرة “إير فورس وان”، لتظل مقاليد المقابلة طوع بنان الرئيس.
وكعادته، وصف ترامب الكتاب بأنه مجرد “أخبار زائفة” و"نسج من الخيال"، غير أن هذا التصريح يفقد وزنه وتأثيره أمام سجلّه الحافل بأكاذيب لا حصر لها. وفي المقابل، يُبرهن النجاح التجاري الباهر للكتاب (الذي بيعت منه نصف مليون نسخة حتى الآن) على ظمأ الجمهور الشديد لفك طلاسم هذه الفوضى العارمة. ويرى غال بيكرمان، من مجلة “ذا أتلانتيك”، أنه رغم تخمة القراء من أخبار ترامب، فإن ما كشفه هذا الكتاب من خبايا قد حفز المعارضين - الذين لطالما تملكهم شعور بالعجز أمام طوفان الأوامر التنفيذية - على التفكير في “اليوم التالي للمعركة” وفي انتخابات التجديد النصفي المرتقبة في نوفمبر.
وقد استحوذت مكاشفتان مدويتان في الكتاب على اهتمام الجميع. الأولى: تجاهل ترامب للنصائح الصريحة التي أسداها كل من جون راتكليف (مدير وكالة الاستخبارات المركزية) وماركو روبيو (وزير الخارجية) حيال مخاطر خوض حرب مع إيران؛ إذ وصفا الخطة الإسرائيلية بأنها “مضحكة” و"محض هراء"، إلا أن ترامب تلقّفها واعتمدها بكل سذاجة. والثانية: الجلسات المنعقدة في “غرفة العمليات” (Situation Room) بشأن ملفات جيفري إبستين، والتي شهدت مساعي حثيثة من قِبل كبار المسؤولين للتكتم على محتوى تلك الملفات وحجبها عن الرأي العام. فقد تضمّن تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي ادعاءً غير مؤكد من إحدى الضحايا وتُدعى سارة رانسوم، يفيد بأن امرأةً أخرى ضمن شبكة إبستين أخبرتها بأن ترامب كانت لديه “شذوذات جنسية” معينة، وأنها عاينت آثار ذلك على جسد تلك الضحية. ورغم عدم البتّ في صحة هذا الادعاء، إلا أنه ينمّ عن الكم الهائل من الاتهامات المتراكمة التي تلاحق ترامب، والتي بات من المستحيل على البيت الأبيض دحضها أو طمس معالمها.
ويُختتم تقرير موقع “ذا كونفرسيشن” بإنذار تاريخي عميق الدلالة. فبعيداً عن التفاصيل المروعة التي يسردها الكتاب، يجب ألا يغيب عن أذهاننا أبداً الغاية من وجود نظام القانون الدولي والمعاهدات. فهذا النظام قد أُرسيت دعائمه في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي حصدت أرواح 60 مليون إنسان، بغية الحيلولة دون نشوب حروب شاملة وكبح جماح الدول العظمى. وتأسست منظمة الأمم المتحدة غايتها حفظ السلام، وإن طالتها انتقادات محقة في العقود الأخيرة بسبب بيروقراطيتها المفرطة. غير أن التساؤل الجوهري يظل: هل نبتغي حقاً النكوص إلى عالمٍ تنتفي فيه أي ضوابط على قوى عظمى كالولايات المتحدة، وهي ترزح تحت قيادة شخص يرى نفسه متسامياً فوق هتلر وستالين؟ ألم تتحد الولايات المتحدة والحلفاء – بما فيهم أستراليا – في المقام الأول لدحر هتلر، وسنّوا القوانين الدولية لدرء تكرار تلك الفظائع؟ إن كتاب “تغيير النظام” يُبرهن بوضوح على أن ترامب يعيث تخريباً، ناهباً هذا الإرث التاريخي النفيس بالذات.
