الوقت- في معظم الأزمات الجيوسياسية، لا يُعدّ النفط مجرد سلعة استراتيجية، بل أداةً لممارسة الضغط السياسي وتغيير موازين القوى. وفي ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية التي أثّرت مجدداً على سوق الطاقة، يبرز السؤال أكثر من أي وقت مضى: هل يُمكن أن يُصبح الارتفاع الحاد في أسعار النفط عاملاً حاسماً في المعادلات السياسية الأمريكية، لا سيما عشية انتخابات التجديد النصفي للكونغرس عام 2026؟
يُشدّد جزءٌ كبير من التحليلات الأكاديمية الغربية ومراكز الأبحاث على أنّ حساسية الرأي العام الأمريكي لأسعار الوقود تفوق حساسية العديد من قضايا السياسة الخارجية.
يصف عالم السياسة كريستوفر غالديري ارتفاع أسعار البنزين بأنه نقطة ضعف السياسيين الأمريكيين، عاملٌ يُمكن أن يُقلّل من شعبية الحكومة الحالية على المدى القصير.
من هذا المنظور، لا يُعدّ أي اضطراب في مسار نقل الطاقة عبر الخليج، وخاصة مضيق هرمز، أزمة اقتصادية فحسب، بل يُشكّل أيضاً تحدياً سياسياً مباشراً للبيت الأبيض.
وتتضاعف أهمية هذه القضية عندما نعلم أن جزءاً كبيراً من تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز. فأي اضطراب أو خلل في هذا المسار يُؤدي سريعاً إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، وتظهر آثاره بوضوح في نقاط إمداد الوقود الأمريكية. كما أظهرت التجارب السابقة أن ارتفاع أسعار الوقود من أوائل المؤشرات التي يشعر بها الناخبون الأمريكيون في حياتهم اليومية، ويؤثر على تقييمهم لأداء الحكومة.
وقد دفع النفوذ الانتخابي لمحطات الوقود دونالد ترامب إلى السعي للحصول على دعم في هذا القطاع، حيث أعلن مؤخراً عن سلسلة جديدة من محطات الوقود التي ستبيع البنزين بسعر 3.479 دولاراً للغالون، وهو سعر أقل بكثير من أسعار السوق.
وكتب في منشور على موقع "تروث سوشيال" الأسبوع الماضي: "هذه الشركة رائدة في هذا المجال، وعلى الآخرين أن يحذوا حذوها". أشار إلى افتتاح شبكة تضم 25 محطة وقود تحمل اسم "وقود الحرية"، تقع معظمها حول فيلادلفيا وجنوب نيوجيرسي.
أصبحت أسعار البنزين المرتفعة مصدر إزعاج لإدارة ترامب منذ بداية الحرب مع إيران. بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.85 دولارًا للجالون الواحد حتى الأسبوع الماضي، ووصل في بعض الولايات مثل بنسلفانيا إلى 3.99 دولارًا، وهو أقل من ذروته ولكنه لا يزال أعلى بكثير من أسعار ما قبل الحرب.
لكن هذه السلسلة الجديدة من محطات الوقود التي يروج لها ترامب متوفرة فقط في نسبة ضئيلة جدًا من عشرات الآلاف من محطات الوقود في جميع أنحاء البلاد.
من جهة أخرى، أصبحت وسائل الإعلام حساسة ومتشككة حيال هذه القضية، محاولةً كشف الحقيقة وراء هذا العرض الرخيص، وكُشف في النهاية أن بعض هذه المحطات كانت تُقدم وقودًا رديئًا لا يفي بالمعايير البيئية، ولهذا السبب غُرِّمت بمئات الآلاف من الدولارات.
لكن تأثير النفط لا يقتصر على سعر البنزين فقط. يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، ويتجلى ذلك في نهاية المطاف في تضخم أسعار الغذاء وارتفاع تكاليف المعيشة للأسر. ويُشكّل هذا الأمر ضغطًا كبيرًا على الطبقة المتوسطة والعمال، وهما الفئتان اللتان شكّلتا جزءًا هامًا من قاعدة الحزب الجمهوري وحركة "أمريكا أولًا" في السنوات الأخيرة.
من هذا المنظور، قد تتحول أزمة الطاقة إلى أزمة انتخابية للحزب الحاكم.
إلى جانب الضغوط الاقتصادية، برزت الانقسامات السياسية الداخلية كعامل بالغ الأهمية. فعلى عكس بعض الحروب السابقة التي نجحت في خلق جو من التقارب الوطني، لا يحظى أي صراع مكلف مع إيران بإجماع تام في الولايات المتحدة. حتى بين المقربين من دونالد ترامب، توجد خلافات حادة حول الدخول في حرب استنزاف في الشرق الأوسط. ويرى العديد من الشخصيات المقربة من خطاب "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" أن الأولوية القصوى يجب أن تكون حل المشاكل الداخلية، وكبح التضخم، والسيطرة على الإنفاق الحكومي، بدلًا من الدخول في أزمات خارجية جديدة.
من جهة أخرى، يعتقد بعض المحللين الأمريكيين أن الحكومة تواجه صعوبة في شرح أهداف هذه المواجهة للرأي العام، وهو ما قد يزيد من التكلفة السياسية لأي تصعيد للتوتر.
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن عامل "الوقت" في هذه المعادلة بالغ الأهمية. فكلما اقتربت انتخابات التجديد النصفي، قلّت قدرة واشنطن على تحمل الصدمات الاقتصادية. وقد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد التضخم، والسخط الشعبي إلى إضعاف موقف الجمهوريين في السباق الانتخابي، ما يدفع الإدارة إلى تخفيف حدة التوتر أو السعي إلى اتفاق تدريجي.
وبعبارة أخرى، يصبح الجدول الزمني للانتخابات الأمريكية جزءًا من معادلة الردع.
لكن هذا ليس سوى جانب واحد من الحقيقة. فسيناريو الارتفاع الحاد في أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة للغاية، وإن كان من شأنه أن يضع واشنطن تحت ضغط اقتصادي وسياسي غير مسبوق، إلا أنه ينطوي على مخاطر جسيمة. فقد تنظر الولايات المتحدة إلى هذا الوضع على أنه تصعيد للحرب الاقتصادية أو تهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي، مما يمهد الطريق لردود فعل سياسية أو اقتصادية أو حتى عسكرية أكثر صرامة. ولهذا السبب، يعتقد العديد من الخبراء أن أياً من الأطراف الفاعلة الرئيسية غير مستعد لإخراج الأزمة من إطار "عدم الاستقرار المُدار".
في المقابل، يقوم السيناريو الآخر على خفض تدريجي للتوتر والتحرك نحو اتفاق محدود أو مرحلي؛ اتفاق من شأنه أن يخفف الضغط على سوق الطاقة ويخلق آلية لإدارة الأزمة دون أن يعلن أي من الطرفين خسارته. كما أظهرت التجارب في الأسواق العالمية أن مجرد نشر أخبار إيجابية عن المفاوضات كفيل بخفض توقعات التضخم وتعديل أسعار النفط بسرعة.
في نهاية المطاف، يبقى الأهم اليوم هو العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا السياسية للطاقة والسياسة الداخلية الأمريكية. إذا كان النفط في الماضي أداةً للضغط على المنافسين، فقد أصبح اليوم عاملاً حاسماً في الانتخابات الأمريكية.
من هذا المنطلق، فإن أي تطور في مضيق هرمز أو سوق الطاقة العالمي ليس مجرد حدث اقتصادي، بل قد يؤثر أيضاً على التحالفات السياسية لواشنطن. ولعل هذا ما يدفع بعض المحللين للاعتقاد بأن المعركة الرئيسية في المستقبل لن تُخاض في الساحة العسكرية فحسب، بل أيضاً في ساحات الاقتصاد والطاقة والزمن، حيث تُلقي الانتخابات القادمة بظلالها على الحسابات السياسية أكثر من أي وقت مضى.
