الوقت - في الأيام التي ينعى فيها الشعب الإيراني فقيد الأمة الطاهرة، تتاح فرصة لاستعراض مقتطفات، وإن كانت محدودةً، من كنوز الإرث الفكري والمكانة الدينية والحكمة العملية والأبعاد الشخصية لذلك القائد الفذّ، ومن اللافت في هذا الإطار سماع روايات شخصيات بارزة من خارج إيران.
وفي هذا السياق، أجری موقع “الوقت” حوارًا مع “ثابت حسين أف”، الناشط الديني وأستاذ اللغة الفارسية والمدرس الديني في الجامعة الإسلامية بموسكو، جاء فيه ما يلي:
الوقت: ما هو شعورك حين وصلتك أنباء استشهاد السيد القائد؟
حسين أف: كان الخبر في وقت مبكر من الصباح، وأخبرنا به الشباب. لا أدري، كان هناك شعور لا يمكن وصفه بالكلمات، وظلّ الأمر غير مصدّق لنا أيامًا عدة في لقاءاتنا مع الأصدقاء والمعارف، كنا نقول: لا، هذا مستحيل. كنا نحاول إقناع أنفسنا بأن هذا الحدث لا يمكن أن يحدث. شخصيًا، وكذلك أصدقاؤنا، شعرنا بقلبنا جميعًا باليُتم، لأننا في روسيا حينما نواجه مشكلات سياسية واجتماعية، ونصل إلى طريق مسدود، كان أملنا دومًا في كلمات وخطاب السيد القائد، وثقنا قلبًا أنه قائد مطّلع على الأمور ويتخذ أفضل القرارات. لهذا السبب، استمر الحزن والبكاء في كل مكان، من مكان العمل إلى البيت، لمدة تقارب العشرة أيام. كان شعورًا مؤلمًا حقًا.
الوقت: كيف كان رد فعل الناس العاديين والإعلام في روسيا تجاه هذا النبأ؟
حسين أف: أنا أسافر نصف العام تقريبًا لأسباب عمل، وأزور مناطق مختلفة من روسيا. بين المسلمين، أكثر من 90% تأثروا بهذا الحدث، وحتى القسم الصغير من أهل السنة الذين كانوا على تباعد مع الجمهورية الإسلامية، أرسلوا لي رسائل تعزية وهم يبكون. هذا الحدث أحدث تحولًا بين الشيعة والسنة في روسيا. في كل مكان ذهبت إليه، لم أرَ أحدًا يشكّك في أحقية الجمهورية الإسلامية في هذه الحرب. الجميع كانوا مع إيران، يعربون عن دعمهم ويقدّمون التعازي.
مؤخرًا سافرت إلى سيبيريا، وأتذكر أن طيار الطائرة حين عرف أنني مسلم وشيعي، أبدى تعاطفه ودعمه الشديد. وهذا لم يقتصر فقط على المسلمين، بل حتى بين غير المسلمين كان الأمر كذلك. موسكو مقسمة إلى مناطق مسلمة ومناطق مسيحية، والمسيحيون الذين قابلتهم في الشارع أو في قطار الأنفاق، عندما يرون صورة السيد القائد على هاتفي يعبّرون عن محبتهم له. أذكر في الأيام الأولى للهجوم على إيران نظّمنا مظاهرةً أمام سفارة الکيان، وعندما سألنا الناس العاديين إن كانوا يعرفون هذه الصورة، كانوا يجيبون: نعم نحن مع إيران. وعندما أخبرناهم أننا متجهون للاحتجاج أمام السفارة، كانوا يدعموننا ويؤكدون أحقية الجمهورية الإسلامية وكون السيد القائد شهيدًا في سبيل الحقيقة. كنا نشهد بالفعل تشكل حركة مناهضة لـ "إسرائيل" حتى بين المسيحيين.
أما في وسائل الإعلام فالوضع مشابه، نحن نتابع الأخبار والبرامج التحليلية يوميًا، وحتى من كانوا يدعمون "إسرائيل" في السابق، باتوا اليوم يعرضون برامج تؤكد قوة وأحقية إيران في هذه الحرب.
الوقت: أي جانب من جوانب شخصية القائد الشهيد أو أية صفة فيه برزت لديك بصورة خاصة؟
حسين أف: رحمه الله تعالى السيد القائد؛ كان من برامجنا الدائمة أن نجتمع كلما ألقى قائد الثورة خطابًا، لنتحدث عنه، ونتباحث في الرسائل التي يحملها لنا وللعالم. وما أدركناه بعقولنا المحدودة، ولم أرَ مثله في أحد غيره، هو أن كلمات وتصرفات القائد كانت محسوبةً بدقة متناهية، وكان يتحدث بدقة بالغة عن كل شيء، حتى عن أعدائه مثل ترامب. كانت هذه الصفة غريبةً ومتفردةً، لا كلام كثير ولا قليل، لا يقول ما نريد قوله ضد العدو لمجرد العداء، بل يعبّر عما هو واقع بالفعل. وكذلك كان مع الأصدقاء، لم يكن يبالغ أو يرفع من قدرهم لمجرد أنهم أصدقاؤه. لذلك، كلما تحدث السيد في أي موضوع كنا نفهم أن الأمور على هذا النحو الذي عبّر عنه. كان يتكلم بحكمة متزنة إلى حد أنه أحيانًا يقول: «كما أخبرونا» أو «كما سمعنا»، وكان بحقّ نموذجًا كاملاً لنا في كيفية التصرف في حياتنا اليومية، سواء مع الأصدقاء أو الأعداء.
وأستطيع القول إن رؤيته السياسية والاجتماعية والدينية كانت فريدةً من نوعها، حتى إذا قرأت خطبه وكتبه في شبابه وتعمقت في نظرته الدينية، تجد تفسيره لآيات القرآن مختلفًا تمامًا عن تفسيرات الآخرين. لهذا فقدنا قائدًا كان نموذجًا ومثالًا في كل شيء، وكان بحق أملنا الوحيد.
الوقت: في العقدين الأخيرين، بُذلت استثمارات كبيرة لنشر أفكار وأيديولوجية التكفير في المناطق ذات الغالبية المسلمة في روسيا وآسيا الوسطى، وظهر أثر ذلك في حضور التكفيريين الفاعل في أزمات سوريا وغيرها. كيف ترى دور وأداء ومواقف القائد الشهيد في تقليل الفُرقة الطائفية وتقريب الشيعة والسنة في روسيا؟
حسين أف: أولًا، بفضل دعم السيد القائد لتوسيع العلاقات مع روسيا، النظرة الحكومية الروسية تجاه الشيعة إيجابية جدًا. لدي العديد من الذكريات التي تجسّد ذلك، مثلًا بعد إقامة صلاة الجمعة، عندما تأتي الشرطة لتأمين المكان أو لفحص المهاجرين غير القانونيين، بمجرد أن يكتشفوا أننا شيعة يقولون لبعضهم: «هؤلاء لا يحتاجون للفحص»، ويتغير تعاملهم معنا.
الحكومة الروسية نفسها تبذل جهدًا كبيرًا لمنع نشر الأفكار المفرقة بين المجتمع المسلم، وكانت سياسات السيد القائد مؤثرةً جدًا في هذا المجال، خاصةً اجتماعات جمعيات تقريب المذاهب التي تُعقد، والتي يدعى إليها علماؤنا ومفتو أهل السنة، وكان لذلك أثر بالغ، ونحن نلمس ثمار ذلك الآن.
إن أهل السنة في روسيا يعترفون اليوم بالشيعة كمذهب إسلامي رسمي، وفي كل مدينة تقريبًا لدينا جمعية شيعية نشطة، والحمد لله. نحن نصلي الآن جماعات حتى في مساجد أهل السنة دون أية مشاكل. لذلك كانت هذه السياسات مباركةً جدًا في القضاء على التكفير في روسيا.
الوقت: ما هو فهمك لنتيجة الحرب وأداء الشعب الإيراني فيها؟
حسين أف: من منظورنا الخارجي، أي من خلال رؤية الطرفين، يبدو لي أنهم في البداية لم يكن لديهم أمل في أن تسفر هذه الحرب عن نتيجة، لكن في الآونة الأخيرة، بعض الأحداث التي نظّموها داخليًا أعطتهم بصيص أمل. برأيي، هذه الحرب لم تبدأ باستشهاد القائد فحسب، بل انطلقت فعليًا بعد اغتيال الحاج قاسم في عام 2020. ولكن، والحمد لله، ما شهدناه على الأرض كان عكس ذلك تمامًا. الشعب الإيراني تصرّف بحكمة وشجاعة، ونحن حقًا نشكرهم لأنهم أحبطوا العدو. رغم كل المخاطر، وتحت القصف المستمر وإمكانية الاستشهاد، بقوا في الشوارع مع عائلاتهم لأشهر ولم يغادروا الميادين. لقد أبدع الشعب الإيراني بحماس مشاهد جعلت حتى وسائل الإعلام المعادية للجمهورية الإسلامية تعجز عن الادعاء بأن هناك انفصالًا بين الشعب والحكومة. الشعب، مع القوات المسلحة الإيرانية التي أشكرها كثيرًا، حقّقوا انتصارًا أوقع العدو في الهزيمة واليأس، ولذلك رضخ للسلام ووقف إطلاق النار.
الوقت: هل تم تغطية مشاهد الحضور الجماهيري في إيران عبر وسائل الإعلام الروسية؟
حسين أف: نعم، بل ويتم تحليلها كثيرًا لدورها في تحقيق النصر في الحرب. فهؤلاء الذين يخرجون إلى الشوارع لديهم خلفية إيمانية قوية، والروس يحللون كثيرًا أهمية هذا الأمر في الدفاع عن البلاد والانتصار على العدو. وهذا أمر غريب بالنسبة لنا، لأنه حتى قبل بضع سنوات، لم يكن يُذكر شيء من هذا القبيل في الإعلام الروسي.
الوقت: هل يمكن القول إن مكانة الشعب الإيراني لدى الروس ارتفعت بعد الحرب؟
حسين أف: نعم، ارتفعت كثيرًا عن السابق. يمكنني القول إن مكانتهم قفزت فجأةً من عشرة إلى مئة.
الآن في روسيا، التي تشهد حربًا مع أوكرانيا منذ خمس سنوات، وسائل الإعلام التي تحلّل سير الحرب تذكر إيران كنموذج وقدوة يجب الاقتداء به، فكما تصرفت إيران في الحرب والمقاومة، علينا أن نتصرف لنحقّق النصر. بمعنى آخر، روسيا بكل عظمتها وقوتها العسكرية، جميع محلليها يعتبرون إيران نموذجًا يُحتذى به في الاستراتيجيات والإجراءات الحربية.
الوقت: هل هناك اعتقاد بين الروس أن هذه الحرب تشكّل تهديدًا مشتركًا على كلا البلدين، وأنه يجب تعزيز التعاون بينهما؟
حسين أف: نعم، هذا الرأي موجود، وكثيرًا ما يُقال إننا يجب أن نكون إلى جانب إيران استراتيجيًا ونقدّم لها الدعم. المحللون الروس يرون أن الهدف الغربي النهائي هو احتلال إيران لتُحاصر روسيا من كل الجهات.
الوقت: ما المشاهد التي تتوقع أن تبرز في مراسم تشييع القائد الأعلى؟
حسين أف: ما نتوقعه ربما يشبه مشاهد أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام). نتخيّل أن هذا الحدث سيكون بهذا الحجم، لأن جميع محبي القائد الشهيد، من إيران والبلدان المجاورة وغير المجاورة، الذين يحملون محبته في قلوبهم، في طريقهم للحضور. أعتقد أن ما يراه الإنسان في أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) من الحب والتعاطف والتضامن الذي يتجلى بجانب الإمام الحسين ووحدة الأمة الإسلامية، سيحدث إن شاء الله.
الوقت: كيف كان شعوركم أنتم والشيعة في روسيا بعد سماع خبر اختيار آية الله السيد مجتبى الخامنئي قائدًا جديدًا للثورة، حاملًا راية المقاومة بعد القائد الشهيد؟
حسين أف: كنا سعداء جدًا وتهانينا تعالت بيننا، وعندما علمنا باختياره، كان الجميع مقتنعًا بأنه من أفضل الشخصيات، وربما أفضلهم، الذين يستحقون هذا المنصب، وهو آية الله السيد مجتبى الخامنئي. بعد هذا الاختيار عاد الأمل إلينا، وقلنا الحمد لله، إن النهضة التي كان القائد الشهيد يسعى إليها ستستمر.
