الوقت- إن سياسة «فرِّق تَسُد» كانت منذ القدم استراتيجيةً قديمةً وفعّالةً في مجال الدبلوماسية، لا سيما من قبل الدول الاستعمارية لتوسيع نطاق نفوذها. وهذه السياسة ما زالت تحتفظ بأدوارها الخاصة في العصر الحديث كما كانت في حقبة الاستعمار. ويُعد قرار الحكومة الإسرائيلية الأخير بالاعتراف بإبادة الأرمن على يد الدولة العثمانية بين عامي 1915 و1923 من هذا السياق ذاته، ولا يمكن اعتباره مجرد خطوة تاريخية أو أخلاقية أو حقوقية فحسب.
رغم أن وزارة الخارجية الإسرائيلية وصفت القرار بـ«التاريخي»، وحاول المسؤولون الصهاينة تفسيره في إطار الدفاع عن الحقيقة التاريخية والعدالة للضحايا، فإن توقيت هذه الخطوة، والتطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة، إضافًة إلى رد فعل أرمينيا البارد، تشير إلى أن تل أبيب تستخدم ملف إبادة الأرمن كأداة في صراعاتها الجيوسياسية وتسوياتها الإقليمية.
ورغم أن الموافقة على هذا القرار تمت مؤخرًا داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي، ولا يزال بحاجة إلى التصديق النهائي من الكنيست ليصبح سياسةً رسميةً، إلا أن الأدلة توحي بأن الإرادة السياسية للمضي قدمًا في هذا المسار تشكلت منذ شهور، حين وصف بنيامين نتنياهو في خطوة غير مسبوقة أواخر أغسطس 2025 مذبحة الأرمن والآشوريين واليونانيين خلال الدولة العثمانية بأنها إبادة جماعية.
تصاعد المواجهة مع تركيا: حين يتحول التاريخ إلى سلاح سياسي
يُنظر إلى القرار الأخير كحلقة جديدة في سلسلة التحولات التي أعقبت انهيار العلاقات بين "إسرائيل" وتركيا، إثر حرب غزة وظهور نظام جيوسياسي جديد في منطقةٍ تمتد من شرق البحر المتوسط وبلاد الشام حتى جنوب القوقاز؛ نظام باتت فيه الملفات التاريخية أدوات تنافس أمني وسياسي.
فالعلاقات بين الطرفين، التي شهدت تقلبات كثيرة خلال العقود الماضية لكنها لم تصل إلى قطيعة كاملة، دخلت مرحلةً جديدةً تمامًا بعد حرب غزة. إذ اتّهم رجب طيب أردوغان تل أبيب بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ووصفها بـ«الدولة الإرهابية»، كما أعلنت أنقرة عن وقف جزء كبير من علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع تل أبيب، وأغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية.
وفي الأشهر الأخيرة، ذكر أردوغان ومسؤولون في حزب العدالة والتنمية مرارًا «أيديولوجية الصهيونية» كتهديد للأمن القومي التركي. وصرّح أردوغان أن محاربة الصهيونية ليست مجرد دفاع عن فلسطين، بل هي جزء من نضال من أجل بقاء الأمة التركية.
وفي هذا المناخ، تحولت قضية إبادة الأرمن إلى ورقة ضغط تاريخية وسياسية تستخدمها "إسرائيل" ضد تركيا؛ وهو موضوع حساس للغاية بالنسبة لأنقرة التي اعتبرته على مدى أكثر من قرن من الزمن قضية كراهية وطنية، ووصفت أي اعتراف به من قبل الحكومات بأنه عمل عدائي.
وعليه، ردّت وزارة الخارجية التركية على هذا القرار بالقول إن "إسرائيل" تستغل اعترافها بإبادة الأرمن لتغطية «الإبادة التي ترتكبها ضد شعب غزة». ووصف جودت يلماز، نائب رئيس تركيا، قرار الحكومة الإسرائيلية بأنه «محاولة لإخفاء جرائمها».
ورغم أن غيديون ساعر، وزير خارجية الکيان الإسرائيلي، نفى أن يكون القرار «إجراءً انتقاميًا» ضد تركيا، فإن توقيت القرار في ذروة التوترات بين الطرفين، بالإضافة إلى التصريحات الصريحة لمسؤولين إسرائيليين حول سياسات تركيا، يترك القليل من الشكوك حول الطابع السياسي لهذه الخطوة.
من هذا المنطلق، ترسل تل أبيب رسالةً واضحةً إلى أنقرة مفادها أنه كما تستخدم تركيا ملف غزة واتهام "إسرائيل" بالإبادة الجماعية في المحافل الدولية، فإن تل أبيب قادرة أيضًا على استغلال أكثر الملفات التاريخية حساسيةً بالنسبة لتركيا كورقة ضغط سياسي.
تعزيز النفوذ وترسيخ القدم في القوقاز وآسيا الوسطى
يجب النظر إلى البُعد الثاني لهذا القرار في إطار المنافسات الجيوسياسية في جنوب القوقاز، وجهود الصهاينة لتوسيع نفوذهم في هذه المنطقة الحيوية.
فالكيان الصهيوني، انسجامًا مع سياسة الهروب من الأزمات الإقليمية ودفع عملية تطبيع العلاقات مع دول المنطقة، وكذلك ضمن استراتيجيته الأمنية الرامية إلى تعزيز الحضور والنفوذ حول الحدود الجيوسياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تُعتبر التهديد الأمني الأكبر لوجوده، قد أولى في السنوات الأخيرة اهتمامًا خاصًا لفتح قنوات تواصل مع دول آسيا الوسطى والقوقاز.
وقد جعلت التطورات خلال السنوات القليلة الماضية، لا سيما بعد حرب قره باغ الثانية، من جنوب القوقاز أحد أهمّ ساحات التنافس بين القوى الإقليمية والعابرة للإقليم؛ منطقة تتصارع فيها روسيا وتركيا وإيران والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي و"إسرائيل" لتثبيت مواقعهم.
ومع ذلك، فإن العلاقات العدائية بين أذربيجان وأرمينيا، والتحالف الاستراتيجي بين باكو وأنقرة، تجعل من الاعتراف بالتحالفات الإقليمية للكيان الصهيوني أمرًا معقدًا ومتقلبًا.
فعلى مدى العقدين الماضيين، أقامت تل أبيب علاقات استراتيجية واسعة مع جمهورية أذربيجان، حيث أصبح التعاون العسكري والاستخباراتي والطاقوي بين الطرفين أحد الأعمدة الرئيسية لسياسة "إسرائيل" الإقليمية.
ورغم ذلك، لا يكتفي الصهاينة بالاعتماد فقط على محور باكو للحضور طويل الأمد في القوقاز، إذ يُنظر إلى إقامة قنوات اتصال مع أرمينيا على أنها تمنح تل أبيب مرونةً جيوسياسيةً أكبر، خصوصًا في ظل تراجع يريفان التدريجي عن روسيا وسعيها إلى شراكات أمنية وسياسية جديدة.
من هذا المنطلق، قد يُعدّ الاعتراف بإبادة الأرمن جزءًا من جهود "إسرائيل" لفتح أبواب نفوذ إلى أرمينيا، وتعزيز مكانتها في معادلات مستقبل القوقاز وحتى آسيا الوسطى.
تحالفات في ملف فلسطين
يمكن أيضًا النظر إلى أحد الأهداف المحتملة للكيان الصهيوني من هذا القرار، في إطار محاولته الحدّ من عزلته الدولية في ملف غزة.
تواجه تل أبيب اتهامات دولية واسعة النطاق بارتكاب جرائم حرب وإبادة في غزة، حيث أطلقت العديد من الحكومات، والمنظمات الحقوقية، ومقرري الأمم المتحدة، وقبل كل شيء الرأي العام العالمي، خاصةً في الغرب، انتقادات غير مسبوقة ضدها.
وفي هذا المناخ، قد يُعد الاعتراف بإبادة الأرمن محاولًة لإعادة بناء صورة "إسرائيل" الأخلاقية، وطرحها كدولة تدعم ضحايا الإبادة ولا تصمت أمام الجرائم التاريخية.
والأهمّ من ذلك أن الكيان الصهيوني، ولا سيما في ظل حكومة نتنياهو المتشددة، يسعى إلى إزالة آخر غبار عن مشروع السلام العربي العقيم لعام 2002، الذي وعد بتأسيس دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. ومن أبرز الوسائل لدفع هذه السياسة هو السعي للحصول على قبول دولي لنقل عاصمة الكيان من تل أبيب إلى القدس، وهو الأمر الذي اعترفت به الولايات المتحدة رسميًا في عهد ولاية ترامب الأولى.
لذا، من المتوقع أن يفكر الصهاينة، عبر اعترافهم بإبادة الأرمن وتقريبهم من يريفان، في بناء تحالفات تخدم توجهاتهم السياسية والاستراتيجية في المنطقة.
حينما تصدّت يريفان لتل أبيب
قد يكون أبرز دليل على الطابع السياسي لهذا القرار، هو رد الفعل المختلف والبارد من جانب حكومة أرمينيا.
فعلى عكس المألوف في استقبال يريفان لقرارات اعتراف دول مختلفة بإبادة الأرمن، لم ترحب السلطات الأرمنية هذه المرة بقرار الكيان الصهيوني، بل إن نيكول باشينيان، رئيس وزراء البلاد، كان قد حذّر صراحةً سابقًا من عدم السماح بتحويل هذه القضية إلى «أداة للمساومة الجيوسياسية».
ينبع هذا الموقف من عدة حقائق مهمة: أولاً، تدرك أرمينيا تمامًا أن "إسرائيل" كانت خلال السنوات الأخيرة من أبرز موردي الأسلحة لأذربيجان، وأن جزءًا كبيرًا من القوة العسكرية لـ باکو في حرب قره باغ الثانية، بُني على التكنولوجيا والمعدات الصهيونية.
ثانيًا، ترى يريفان أن توقيت هذا الإجراء لا ينبع بالدرجة الأولى من اهتمامات تاريخية أو أخلاقية، بل هو نتيجة لتصاعد الخلافات بين الكيان الصهيوني وتركيا.
ثالثًا، تبنّت حكومة باشينيان في السنوات الأخيرة مسار تطبيع العلاقات مع تركيا، وبعد الاتفاقات الأخيرة بين باكو ويريفان، ازدادت فرص إعادة فتح الحدود وإحياء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين أكثر من أي وقت مضى؛ ولذلك، لا ترغب أرمينيا في أن تتحول قضية الإبادة مجددًا إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية.
رابعًا، من وجهة نظر جزء كبير من النخبة السياسية الأرمنية، فإن دولةً متهمةً بارتكاب جرائم واسعة ضد المدنيين في غزة لا تمتلك الموقع الأخلاقي اللازم لتكون مدافعةً عن ضحايا الإبادة.
تداعيات قرار تل أبيب على المستوى الإقليمي
قد يحمل قرار الكيان الصهيوني تداعيات تتجاوز العلاقة الثنائية بين تل أبيب وأنقرة. أولاً، هناك احتمال لتصاعد التوترات السياسية والدبلوماسية بين الطرفين، رغم أن التجارب أظهرت أن أنقرة لم تتجه نحو قطع كامل للعلاقات حتى مع الدول التي اعترفت بإبادة الأرمن.
ثانيًا، قد يؤثّر هذا القرار على التوازنات الحساسة في جنوب القوقاز، ويعقّد علاقات "إسرائيل" مع جمهورية أذربيجان، خصوصًا إذا فسّرته باكو على أنه تراجع من تل أبيب عن مواقفها التقليدية.
ثالثًا، تؤكد هذه التطورات مجددًا أن الملفات التاريخية في النظام الإقليمي الجديد لم تعد مجرد قضايا من الماضي، بل أصبحت أدوات فعالة في الصراعات الجيوسياسية.
وأخيرًا، إن اعتراف حكومة الكيان الصهيوني بإبادة الأرمن هو أكثر من كونه خطوةً تاريخيةً أو أخلاقيةً، بل هو انعكاس للتحولات الجذرية الجيوسياسية في منطقةٍ تمتد من جنوب القوقاز حتى شرق البحر المتوسط.
ولهذا السبب، فإن ملف إبادة الأرمن اليوم لم يعد مجرد قضية تاريخية بحتة، بل جزء لا يتجزأ من الصراعات الاستراتيجية وإعادة ترتيب النظام الإقليمي الناشئ؛ نظام تحولت فيه حتى ذاكرة الشعوب التاريخية إلى ساحة نزاعات جيوسياسية.
