الوقت- لقد كشفت التطورات الميدانية في منطقة غرب آسيا، لا سيما بعد فترة من التوترات المتصاعدة ثم التوجه نحو اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، عن مؤشرات جلية لتغير في منظور الدول العربية الإقليمية.
يتعامل السياسيون والنخب في الدول العربية في مرحلة ما بعد الحرب بين إيران وأمريكا مع المقترحات الأمنية والسياسية بحذرٍ خاص، ويتخذون قراراتهم مع توقع الحصول على ضمانات تتّسم بآليات تحقق لمنع تكرار الأضرار السابقة.
هذا التحول، إذًا، هو نتيجة تراكم الخبرات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية خلال العقد الماضي، والتي برهنت على عدم واقعية فرضية «إيران القابلة للإقصاء».
في السنوات الماضية، اعتمدت الاستراتيجية السائدة بين الدول الخليجية، وخصوصًا السعودية والإمارات، على كبح إيران من خلال بناء تحالفات مع الولايات المتحدة والاعتماد على المظلة الأمنية الغربية. لكن الصراعات بالوکالة المستمرة، وضعف البنية التحتية للطاقة، وارتفاع تكاليف الأمن، دفعت هذه الدول إلى إعادة النظر في هذا النهج.
فالهجمات على منشآت النفط، والتهديدات المتكررة في مضيق هرمز، وعدم الاستقرار في طرق الطاقة، كل ذلك أرسل رسالةً واضحةً مفادها أن استمرار المواجهة والصراع، بدلاً من إضعاف إيران، يعرّض المنطقة كلها لمخاطر جسيمة.
في هذا السياق، يعمل الاتفاق المحتمل بين إيران والولايات المتحدة كـ«مُحفز جيوسياسي»؛ ليس بمعنى زوال الخلافات، بل بمعنى تغيير إطار إدارة هذه الخلافات. فالدول الخليجية اليوم تصل إلى قناعة أكثر من أي وقت مضى بضرورة الانتقال من نموذج «الأمن ضد إيران»، إلى «الأمن إلى جانب إيران»، وإن كان هذا التحول سيكون تدريجيًا، حذرًا، ومصحوبًا ببعض التردد.
وهذا أمر بالغ الأهمية؛ فالواقع الميداني يشير إلى تنشيط قنوات التواصل بين طهران وبعض العواصم العربية خلال السنوات الأخيرة. فمن المفاوضات الأمنية إلى إعادة إحياء العلاقات الدبلوماسية، تظهر مؤشرات على تبني نهج جديد يهدف إلى تقليل التوتر، وإدارة الأزمات، وتجنب المفاجآت المكلفة.
حتى في حرب الأربعين يومًا، ورغم التوقعات والضغوط من واشنطن، لم تقطع هذه الدول علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، حفاظًا على جسر الاتصال الضروري لمنع تفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة. وقد بدأ هذا المسار قبل أي اتفاق رسمي مع الولايات المتحدة، في حين سيعمل الاتفاق على تسريع وتيرته.
وعلى الصعيد الأمني، تتجه الدول العربية نحو نوع من «التنويع الاستراتيجي»؛ أي أنها تسعى، مع الحفاظ على علاقاتها مع أمريكا، إلى تقليل اعتمادها الكامل عليها، وفي المقابل، بناء توازن متعدد الطبقات من خلال الحوار مع إيران وحلفائها، لا سيما محور المقاومة، وتعميق العلاقات مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا. ويعكس هذا التوجه فهمًا جديدًا بأن أمن المنطقة لم يعد يمكن ضمانه من الخارج فقط، بل يتطلب مقاربةً أكثر شموليةً وتوازنًا.
كما ينبغي الإشارة إلى أن النظرة إلى إيران في البُعد الاقتصادي، تشهد أيضًا تغيّرًا ملحوظًا. فإيران، بسوقها الكبير، ومواردها الواسعة من الطاقة، وموقعها الجيوسياسي كحلقة وصل بين ممرات النقل، تُعد فرصةً محتملةً لا يُستهان بها.
ومع ذلك، فإن هذه الفرصة تصحبها منافسة واضحة. فالموانئ الجنوبية في الخليج الفارسي، وخصوصًا في الإمارات وقطر، قد رسّخت مكانتها كمراكز تجارية محورية، وقد تُحدث عودة إيران إلى الاقتصاد العالمي تغييرًا في هذه الموازنة. لذا، ستكون العلاقة الاقتصادية مع إيران مزيجًا من التعاون والتنافس في آنٍ معًا.
وعلى الصعيد السياسي، نشهد تزايدًا في روح الواقعية العملية. فالأفكار الإيديولوجية التي كانت تركز سابقًا على المواجهة، بدأت تدريجيًا تُفسح المجال لحسابات الجدوى والتكاليف والفوائد.
فإدارة الأزمات الإقليمية - من اليمن إلى العراق - تتم الآن بشكل أكبر عبر مسارات الحوار والتفاوض. ورغم أن هذا التحول ليس كاملاً ولا يخلو من احتمالات التراجع، إلا أنه يعكس توجهًا جديدًا في السياسة الخارجية للدول العربية.
وفي الختام، يمكن القول إن إيران في مرحلة ما بعد الاتفاق لن تكون بالنسبة للدول العربية «عدوًا مطلقًا» ولا «شريكًا كاملاً»، بل ستكون «واقعًا لا مفر منه»، واقعًا يتوجب ضبطه وإدارته، وفي بعض المجالات التعاون معه. وهذه هي النقطة التي ينبثق منها النظام الإقليمي الجديد؛ نظام لا يقوم على إقصاء اللاعبين، بل على تنظيم العلاقات فيما بينهم.
