الوقت- لم تكن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى ساحة تدريب رئيسية للعديد من الجيوش حول العالم. ومن أهم الدروس المستفادة من هذه الحرب الدور الحاسم للطائرات المسيّرة في الحروب الحديثة، وهو ما دفع العديد من الدول إلى تطوير قدراتها في هذا المجال بسرعة.
وأحدث مثال على هذا التحول في النهج هو كوريا الجنوبية. فقد أعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية مؤخرًا أنها ستنتج أكثر من 110 آلاف طائرة مسيّرة هجومية بحلول عام 2029، مستفيدةً من تجارب الحرب الإيرانية والأوكرانية. كما تخطط سيؤول لإنشاء قوة قوامها 500 ألف جندي مدرب في مجال الطائرات المسيّرة. وصف وزير الدفاع الكوري الجنوبي، آن كيو بايك، البرنامج قائلاً إن الهدف هو تزويد كل جندي بطائرة مسيّرة كسلاح شخصي ثانٍ. ووفقًا لوكالة سبوتنيك، فقد أكد على ضرورة ألا تقتصر الطائرات المسيّرة على الوحدات المتخصصة، بل يجب أن تصبح أداة قتالية عامة لجميع القوات المسلحة. وفي إشارة إلى الحروب الأخيرة في أوكرانيا وغرب آسيا، قال وزير الدفاع الكوري الجنوبي: "في الماضي، كانت المعارك تُخاض باستخدام عدد محدود من الأنظمة غير المأهولة باهظة الثمن، أما اليوم فقد غيّر الاستخدام الواسع النطاق للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة طبيعة الحرب بشكل جذري".
اقتصاد الحرب؛ الميزة التي أحدثتها الطائرات المسيّرة
يُظهر اتجاه التطورات العسكرية في السنوات الأخيرة أن جميع القوى العسكرية في العالم تقريبًا تُراجع عقائدها. وقد كشفت الحرب في أوكرانيا، وحرب غزة، ونزاعات البحر الأحمر، والحرب الأخيرة ضد إيران، عن أهمية الطائرات المسيّرة أكثر من أي وقت مضى.
ومن أهم أسباب هذا التطور الكفاءة الاقتصادية للطائرات المسيّرة. فتكلفة إنتاج واستخدام طائرة مسيّرة أقل بكثير من تكلفة إنتاج واستخدام طائرة مقاتلة أو مروحية أو حتى بعض الصواريخ. في المقابل، عادةً ما يتم اعتراض هذه الطائرات المسيّرة بواسطة صواريخ دفاعية، والتي قد تفوق تكلفتها تكلفة الطائرات المسيّرة بعشرات المرات. وقد دفع هذا الخلل الاقتصادي العديد من الجيوش إلى استنتاج أن الطائرات المسيّرة قادرة على تغيير معادلة الحرب.
يُطلق الخبراء على هذا المفهوم اسم "اقتصاد الحرب"، أي فرض تكاليف باهظة على العدو باستخدام معدات رخيصة. وفي تحليل للحرب الإيرانية الإسرائيلية، وصف مجلس العلاقات الخارجية نموذج الطائرات المسيّرة الإيراني بأنه "إنتاج دقيق واسع النطاق"، وكتب أن مستقبل الحروب سيرتكز على الاستخدام الواسع النطاق لأنظمة منخفضة التكلفة ولكنها دقيقة.
إيران: نموذج استقطب اهتمام الجيوش
أظهرت الحرب الأخيرة ضد إيران أن التفوق الجوي لم يعد ممكنًا تحقيقه فقط باستخدام طائرات مقاتلة متطورة أو صواريخ باهظة الثمن. فالدولة القادرة على إنتاج آلاف الطائرات المسيّرة في وقت قصير والدخول المستمر إلى ساحة المعركة ستكون قادرة على ممارسة ضغط عملياتي كبير على العدو.
يرى معهد واشنطن للأبحاث أن إحدى السمات الرئيسية لاستراتيجية الطائرات المسيّرة الإيرانية هي الإنتاج الضخم، وتوزيع مراكز الإنتاج، والحفاظ على القدرة العملياتية في ظروف الحرب. نموذجٌ بات يجذب انتباه العديد من الجيوش حول العالم.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة فايننشال تايمز أن الهند، بعد مراجعة تجاربها في الحرب ضد إيران، سارعت بتطوير طائراتها القتالية المسيّرة محلية الصنع، وزادت استثماراتها في هذا المجال.
من جهة أخرى، يرى محللون من المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة (RUSI) أن الحرب الأخيرة أظهرت أن الذخائر الطائشة والطائرات الانتحارية المسيّرة باتت من الركائز الأساسية للمعارك المستقبلية. ويرون أنه إلى جانب تطوير أساطيل الطائرات المسيّرة، ينبغي على الجيوش استثمار مبالغ طائلة في أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والطائرات الاعتراضية منخفضة التكلفة.
ومن الدروس الأخرى المستفادة من هذه الحرب تآكل الدفاعات الجوية. ويعتقد الخبراء أنه حتى مع اعتراض نسبة كبيرة من الطائرات المسيّرة، فإن الهجمات المتواصلة قادرة على تقليص احتياطيات الدفاع الصاروخي للعدو وقدراته العملياتية تدريجيًا؛ وهي مسألة أكدتها أيضًا تحليلات مجلس العلاقات الخارجية ومعهد واشنطن، وقد استخدمت إيران هذا النموذج مرارًا ضد المعتدين في الحرب الأخيرة.
التنافس العالمي لتطوير قدرات الطائرات المسيّرة
أصبح تطوير قدرات الطائرات المسيّرة اليوم من أهم أولويات القوى العسكرية العالمية. تعمل الولايات المتحدة على تطوير جيل جديد من الطائرات المسيّرة القتالية، والطائرات المسيّرة المحمولة جواً، والأنظمة البحرية غير المأهولة. كما رسّخت الصين مكانتها كإحدى أكبر الشركات المصنّعة والمصدّرة للطائرات المسيّرة العسكرية. واستحوذت تركيا على حصة كبيرة من السوق العالمية بفضل طائراتها المسيّرة "بيرقدار" و"أكينجي"، كما زادت دول مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والعديد من الدول الأوروبية ميزانياتها الدفاعية المخصصة للأنظمة غير المأهولة.
وإلى جانب هذا التوجه، يتزايد الاستثمار في مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة بوتيرة متسارعة. ويُظهر تطوير أنظمة الحرب الإلكترونية، وأشعة الليزر عالية الطاقة، وأجهزة التشويش، والطائرات الاعتراضية منخفضة التكلفة، أن الطائرات المسيّرة لم تعد مجرد أداة تكميلية، بل أصبحت عنصراً أساسياً في حروب المستقبل؛ وهي حقيقة أكدتها الحرب الأخيرة ضد إيران مجدداً لجيوش العالم.
