الوقت - بعد ساعات قليلة فقط من انتهاء الجولة الأولى من مفاوضات جنيف بين وفدي طهران وواشنطن، والتي جرت بوساطة من باكستان وقطر، اشتعلت أجواء الدبلوماسية الإقليمية بسلسلة من الزيارات الرسمية المتعددة من قبل كبار المسؤولين في الدول المعنية بهذه المفاوضات الساخنة. وفي أبرز أحداث يوم الثلاثاء الماضي، استضافت إسلام آباد مسعود بزشکیان، الرئيس الإيراني. وفي الوقت ذاته، توجّه محمد باقر قالیباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، وفريق المفاوضين إلى باكو، عاصمة جمهورية أذربيجان، بينما بدأ ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، جولته الإقليمية بزيارة إلى الكويت.
وفي هذا السياق، توجّه وزير خارجية قطر، التي تعتبر من اللاعبين الفاعلين في مفاوضات جنيف، إلى مسقط، عاصمة عمان، ليؤكد بذلك ما كان متوقعًا، وهو اعتبار حوارات إيران وأمريكا حدثًا محوريًا في تحديد الاتجاهات الإقليمية، وبداية مرحلة جديدة من المشاورات، وتشكيل التحالفات، والتنسيقات الإقليمية والدولية حول ترتيبات الأمن المستقبلية في غرب آسيا.
وتعكس التحركات الدبلوماسية المكثفة في الأيام التي تلت مفاوضات جنيف، إدراكًا عميقًا من قبل الفاعلين الإقليميين وعبر الإقليميين بأن نتائج هذه المفاوضات لن تقتصر على العلاقات بين طهران وواشنطن فحسب، بل قد تؤثر على معادلات جيوسياسية واسعة تمتد من الخليج الفارسي والقوقاز الجنوبي إلى شرق البحر المتوسط وأسواق الطاقة العالمية. ومن هذا المنطلق، تسعى العواصم الإقليمية إلى ترسيخ مواقفها ومصالحها في النظام الجديد الناشئ قبل إبرام أي اتفاق محتمل، وذلك لتجنب الوقوع في دور اللاعب السلبي في التحولات المستقبلية.
ومن الجدير بالاعتراف بأنه في هذا المفصل التاريخي لدخول غرب آسيا عصر النظام الأمني الإقليمي الجديد، تشهد علاقات إيران وباكستان أحد أزهى فصولها، حيث يمكن أن تلعب في هذه المرحلة الحساسة دورًا حاسمًا في تعزيز الثقة والتعاون الإقليمي، وصولًا إلى فهم مشترك للتهديدات وبلورة حلول مستدامة للحفاظ على السلام والاستقرار في العلاقات الجوارية، بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
تبلغ علاقات إيران وباكستان التي تحتفي الآن بمرور ثمانين عاماً على تأسيسها، علاقاتٍ تسودها روح السلم والاستقرار، وقد شهدت فترات قليلة من التذبذب. وفي السنوات الأخيرة، عزمت الدولتان على تطوير هذه العلاقات نحو آفاق التعاون الاستراتيجي، وكان أبرز معالم هذا التحول خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، حين وقف الشعب والحكومة الباكستانية بكل قوة إلى جانب شعب وحكومة إيران في إدانة العدوان الصهيوني.
لقد لعب هذا الدور المحوري دورًا بارزًا في دفع العلاقات بين البلدين نحو قفزة نوعية، حتى إن إسلام آباد تحولت فجأةً خلال الحرب التي استمرت أربعين يومًا إلى أهمّ وسيط لوقف إطلاق النار والمفاوضات بين إيران وأمريكا، مما يعكس الثقة العميقة التي توليها السلطات الإيرانية لإسلام آباد. علاوةً على ذلك، اكتسبت الحدود الشرقية مع باكستان وموانئها على المحيط الهندي، أهميةً قصوى في فترةٍ كانت البحرية الأمريكية تحاول فرض حصار بحري غير قانوني على موانئ إيران، بهدف تصعيد الضغوط الاقتصادية والمعيشية على الشعب الإيراني لكسر إرادته في المقاومة، فكانت هذه الموانئ بمثابة منفذ تنفسي حيوي للتجارة الخارجية الإيرانية.
إن دوافع باكستان للاضطلاع بهذا الدور الجديد تتجاوز مجرد التفاعل الجوارى وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، إذ تنبع من تقاطع الرؤى مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في قضايا جوهرية وعميقة، مثل الدفاع عن القضية الفلسطينية، ومواجهة اعتداءات الكيان الصهيوني على دول المنطقة، والرفض القاطع لتطبيع العلاقات مع هذا الكيان، والتصدي للمخططات الأمريكية والصهيونية لتغيير الحدود الجيوسياسية التاريخية للمنطقة، ودعم البرنامج الإيراني للتخصيب النووي السلمي.
كما تواجه باكستان تحديات أمنية متواصلة على حدودها الشرقية والشمالية، في مواجهة الهند وعدم الاستقرار في أفغانستان، ومن ثم فإن الحفاظ على الاستقرار في الحدود الغربية مع إيران، يشكّل أولويةً أمنيةً استراتيجيةً تسمح لها بالتركيز على تحدياتها الأمنية الأخرى مع الهند وطالبان. فضلاً عن أن إسلام آباد، كونها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، تشكّل تهديدًا ثانويًا لـ "إسرائيل"، ويأخذ الباكستانيون خطر الهجمات المحتملة على منشآتهم النووية من قبل هذا الكيان على محمل الجد أكثر من أي وقت مضى.
هذا التقاطع العميق في وجهات النظر بين باكستان وإيران حول مسار التطورات الإقليمية، أتاح للعلاقات الوثيقة بين طهران وإسلام آباد أن تتجاوز مصالحها الثنائية، لتفتح آفاقًا جديدةً لتعزيز التكامل الإقليمي في المستقبل، لا سيما في أجواء ما بعد الحرب.
وفي سياق تعزيز روابطها مع إيران، تتمتع باكستان بتحالفات وعلاقات أمنية وعسكرية قديمة مع دول مجلس التعاون، وقد عززت في السنوات الأخيرة تحالفها مع تركيا وجمهورية أذربيجان. إن مشاركتها في ملف الوساطة لإنهاء الحرب وإعادة بناء الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة، لا سيما في الخليج الفارسي، تمنحها فرصةً لإعادة تعزيز نفوذها الذي تراجع في الخليج الفارسي، خاصةً في ظل المنافسة مع الهند، حيث يُنظر إلى إبرام معاهدة عسكرية جديدة مع السعودية، تشمل مظلة دفاع نووي، كخطوة في هذا الاتجاه.
لقد بذلت الهند في السنوات الأخيرة جهودًا واسعةً لتعزيز نفوذها في الدول الخليجية وتقوية علاقاتها الاستراتيجية مع السعودية والإمارات. أما باكستان، فبفضل دورها كوسيط وتثبيتها لنفسها كعامل استقرار في المنطقة، فهي تستعيد فعليًا مجال نفوذها في السياسة الخارجية الإقليمية، وهو نفوذ يُسهم أيضًا في إعادة بناء علاقات الدول الإقليمية على أسس مستقلة ومبنية على التعاون بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
وفي هذا السياق، اختار مسعود بزشکیان، في خطوة ذات دلالة، إسلام آباد كوجهة أولى لزيارته الخارجية بعد حرب الأيام الاثني عشر، حيث أعلن في رسالة على منصة “إكس” الاجتماعية أن إيران وباكستان تتقاسمان آمالًا وطموحات عميقة. واعتبر أن جهود باكستان الدؤوبة في نشر السلام في المنطقة، تنبع من ثقافة غنية ومتجذرة في هذا البلد.
ووصف بزشکیان باكستان في هذه الزيارة ليس فقط كجارة، بل كـ«أخ وصديق مقرّب» لإيران، مضيفًا أن البلدين يشكلان «روحًا واحدةً وجسدين» وأنهما شركاء في مستقبل مشترك.
