الوقت - لا يبدو وضع بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني الملاحَق من محكمة لاهاي خلال السنوات الثلاث الماضية بسبب الجرائم المرتكبة في غزة، على ما يرام حتى داخل الأراضي المحتلة. فهذا السياسي، المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، يواجه قبيل أسابيع معدودة من انتخابات الكنيست سلسلة من الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تلفّ مستقبله السياسي بغموض كثيف.
وتُعدّ انتخابات 27 أكتوبر 2026 أولى الانتخابات العامة للصهاينة منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، وهو هجوم وُصف بأنه أكبر إخفاق أمني في تاريخ هذا الكيان، وقد غدا اليوم أحد المحاور الرئيسة في السباق الانتخابي.
جرس الإنذار في استطلاعات الرأي
تشير أحدث الاستطلاعات إلى أن نتنياهو، على الرغم من محاولاته إظهار رسوخ مكانته السياسية، لم ينجح بعدُ في شقّ طريق واضح نحو الأغلبية البرلمانية.
ووفقاً لما نقلته وكالة الأناضول في 12 أكتوبر عن استطلاع أجرته شبكة «كان» التابعة للكيان الصهيوني، تقدّم غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب «ياشار»، على نتنياهو في الإجابة عن سؤال الشخصية الأنسب لرئاسة الوزراء، بنسبة 43% مقابل 38%. وفي الاستطلاع ذاته يحصل حزب آيزنكوت على 22 مقعداً، والليكود بزعامة نتنياهو على 20 مقعداً من أصل 120.
ويكشف هذا الاستطلاع أن منافساً من معسكر خصوم نتنياهو استطاع أن يتفوق عليه في القياس المباشر لمنصب رئيس الوزراء، وأن حزب الليكود الحاكم جاء في الوقت نفسه خلف الحزب المنافس.
ومن حيث التوزيع البرلماني، لا يزال موقف نتنياهو هشّاً. فبحسب الاستطلاع نفسه، تحصل أحزاب الكتلة الداعمة لرئيس الوزراء على 53 مقعداً في المجموع، أي أقل بثمانية مقاعد من حدّ الـ61 مقعداً اللازم لتشكيل حكومة أغلبية. أما كتلة المعارضة فتحصل على 50 مقعداً، وتذهب المقاعد الـ17 المتبقية إلى أحزاب صنّفها الاستطلاع خارج الكتلتين الرئيستين. وعليه، لا يحقق أي من الطرفين وحده الأغلبية المطلوبة في هذا التقدير.
أما استطلاع صحيفة «معاريف» الذي عكسته صحيفة «جيروزاليم بوست» في 9 أكتوبر، فقد أشار بدوره إلى منافسة متقاربة؛ إذ جاء حزب آيزنكوت أولاً بـ21 مقعداً، وتلاه الليكود بـ20 مقعداً. وفي المفاضلة على رئاسة الوزراء تقدّم آيزنكوت بنسبة 46% مقابل 40% لنتنياهو.
غير أن الاستطلاعات لا تتفق جميعها على نتيجة واحدة. ففي استطلاع شبكة «i24news» المنشور في 8 أكتوبر، حصل الليكود على 26 مقعداً وحزب آيزنكوت على 20 مقعداً، وبلغت حصة كتلة الائتلاف الحاكم 60 مقعداً. ويدلّ هذا التباين على أن السباق لا يزال متقلباً، وأن النتيجة النهائية رهن بتطورات الأسابيع الأخيرة، ومعدلات مشاركة الناخبين، وطبيعة التحالفات التي ستُنسج بعد الانتخابات.
ما الأحزاب المنضوية في كتلة نتنياهو؟
تتألف كتلة نتنياهو من أحزاب اليمين واليمين المتطرف والأحزاب الدينية، وهي:
الليكود: حزب بنيامين نتنياهو والنواة الصلبة للكتلة اليمينية؛ 20 مقعداً.
القوة اليهودية (عوتسما يهوديت): حزب اليمين المتطرف بزعامة إيتمار بن غفير؛ 9 مقاعد.
يهدوت هتوراة (يهودية التوراة المتحدة): تحالف الأحزاب اليهودية الحريدية؛ 8 مقاعد.
شاس: الحزب الديني للسفارديم واليهود الشرقيين؛ 7 مقاعد.
الصهيونية الدينية–زهوت: تحالف اليمين المتطرف بزعامة بتسلئيل سموتريتش بمشاركة حزب زهوت؛ 5 مقاعد.
أمة إسرائيل (عمتشا يسرائيل): حزب بزعامة أوفير فينتر؛ 4 مقاعد.
ويبلغ مجموع هذه المقاعد في استطلاع «كان» 53 مقعداً، أي إن كتلة نتنياهو تفتقر إلى 8 مقاعد لبلوغ الأغلبية.
ما الأحزاب المنضوية في كتلة معارضي نتنياهو؟
هذه الكتلة خليط غير متجانس من أحزاب الوسط واليمين ويسار الوسط، يجمعها الاعتراض على استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة، وإن لم تتفق بالضرورة على جميع السياسات، ولا سيما في القضايا الأمنية والمسألة الفلسطينية. وهي:
ياشار: حزب غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق للجيش الإسرائيلي؛ 22 مقعداً.
معاً (بياحد): قائمة سياسية مرتبطة بنفتالي بينيت ويائير لابيد؛ 12 مقعداً.
الديمقراطيون: حزب يسار الوسط بزعامة يائير غولان؛ 8 مقاعد.
إسرائيل بيتنا: حزب أفيغدور ليبرمان، السياسي اليميني المنتقد لنتنياهو؛ 8 مقاعد.
ويبلغ مجموع هذه الأحزاب 50 مقعداً، ومن ثم فهي كذلك لا تملك وحدها الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
أين تقع الأحزاب العربية؟
احتُسبت الأحزاب العربية في استطلاع «كان» بمعزل عن الكتلتين الرئيستين، ولها مجتمعةً 13 مقعداً:
القائمة المشتركة: 8 مقاعد.
القائمة العربية الموحدة (رعام): 5 مقاعد.
ولا تُحسب هذه الأحزاب تلقائياً ضمن كتلة مؤيدي نتنياهو ولا معارضيه، وقد يكون لدورها في مفاوضات ما بعد الانتخابات أثر حاسم.
لماذا تراجعت مكانة نتنياهو؟
يمكن حصر أسباب تراجع مكانة نتنياهو داخل الكيان الصهيوني في أربعة عوامل:
1- الظل الثقيل للإخفاق الأمني في 7 أكتوبر
تبقى نقطة الضعف الأبرز لدى نتنياهو هجوم 7 أكتوبر 2023، وإخفاق الأجهزة الأمنية للكيان في منعه. فقد قُتل في ذلك الهجوم نحو 1200 صهيوني، وأُخذ 251 شخصاً رهائن. ويرى معارضو نتنياهو أن رئيس الوزراء وحكومته يجب أن يتحملا المسؤولية السياسية عن هذا الإخفاق، لأن نتنياهو كان على رأس الحكومة وقت وقوعه. وقد حوّل ذلك الانتخابات المقبلة إلى ما يشبه استفتاءً على أدائه ومدى تحمّله للمسؤولية. وبالنسبة إلى شريحة واسعة من الناخبين، يتمثل السؤال الجوهري في: لماذا عجزت حكومة جعلت الأمن أولى أولوياتها عن منع هجوم كهذا؟ وقد أظهر استطلاع للقناة 12 الإسرائيلية في سبتمبر أن 83% من المشاركين يرون أن نتنياهو مسؤول إلى حد ما عن إخفاق 7 أكتوبر؛ إذ قدّر 58% مسؤوليته بأنها كبيرة، و25% بأنها قليلة، فيما قال 8% فقط إنه لا يتحمل أي مسؤولية.
2- وعد «النصر الكامل» وحروب لم تنتهِ
العامل الثاني هو الفجوة بين وعوده الحربية والنتائج الملموسة لهذه المواجهات. فقد تحدث رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي مراراً عن تحقيق «النصر الكامل»، لكن رغم العمليات العسكرية الواسعة ضد حماس وحزب الله والبنية السياسية لإيران، لا تزال هذه الأطراف كلها قائمة. وكتبت وكالة أسوشيتد برس في تقريرها بتاريخ 7 أكتوبر أن تل أبيب دخلت بعد هجوم حماس حرباً مدمّرة في غزة، ثم أُضيف إلى سجلها العسكري في هذه المرحلة الاشتباك مع حزب الله في لبنان، والهجمات على أهداف في اليمن، وحربان ضد إيران. ونتيجةً لذلك، يواجه المجتمع الصهيوني، إلى جانب التبعات الأمنية للهجوم الأول، سنوات من الصراع والخسائر العسكرية والضغوط النفسية والاقتصادية.
3- الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة
أما العامل المهم الآخر فهو الضغط الاقتصادي الناجم عن الحروب وارتفاع كلفة المعيشة. فرغم أن الأمن والسياسة الخارجية يتصدران الدعاية الانتخابية، لا تزال شريحة كبيرة من الناخبين تواجه ارتفاع أسعار المواد الغذائية وضغطاً على ميزانية الأسرة. وكتبت صحيفة «الغارديان» في تقريرها الصادر في أول أكتوبر أن أسعار الغذاء في "إسرائيل" بلغت مستويات قياسية جديدة، وأن أسعار المواد الغذائية، ومنها الفواكه والخضروات الطازجة، ارتفعت بنسبة 9.5% خلال العامين الماضيين. وقد زاد هذا المسار، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد وتكاليف النزاعات الإقليمية، من الضغط على الأسر.
ووفق استطلاع أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في سبتمبر، كان موقف الأحزاب من الاقتصاد وغلاء المعيشة أحد العاملين الرئيسين في تحديد تصويت اليهود الإسرائيليين؛ إذ وضعه 38% من المشاركين ضمن أولوياتهم الأولى. وفي المناطق الوسطى من فلسطين المحتلة، احتل الاقتصاد وكلفة المعيشة المرتبة الأولى بنسبة 40.5%، متقدمَين حتى على كثير من القضايا الأمنية.
4- الانقسام حول الخدمة العسكرية
ومن نقاط الضعف الأخرى في ائتلاف نتنياهو الخلاف حول إعفاء الرجال اليهود المتشددين دينياً من الخدمة العسكرية. فبينما يواجه كثير من المواطنين الصهاينة وأسر الجنود تبعات الحرب وفترات الاستدعاء الطويلة، صار إعفاء شريحة واسعة من الرجال الحريديم من الخدمة العسكرية قضية خلافية. وقد أفادت أسوشيتد برس بأن معارضي نتنياهو تعهدوا بإنهاء إعفاءات الحريديم من التجنيد، وهي سياسة أثارت في زمن الحرب غضب فئات من المجتمع العلماني وأسر الجنود. ويحتاج نتنياهو، للحفاظ على حكومته، إلى دعم الأحزاب الدينية واليمين المتطرف، غير أن هذا الاعتماد قد يترتب عليه كلفة سياسية؛ فتقديم التنازلات للأحزاب الدينية قد يحفظ الائتلاف على المدى القصير، لكنه يولّد سخطاً لدى الناخبين الذين يطالبون بتوزيع أكثر عدلاً لعبء الخدمة العسكرية.
