الوقت - بالنسبة إلى العراق، يمثّل رحيل القوات الأمريكية منعطفاً سياسياً وحدثاً طال انتظاره سنوات. غير أن انتهاء الوجود العسكري لقوة أجنبية لا يكفي بذاته لطيّ صفحة التشظي وتبعثر السلطة اللذين تشكّلا بعده. فتبعات التدخل العسكري، وما خلّفه من شروخ فئوية وانعدام للثقة، وما يدور من تنافس بين مراكز القوة والجماعات المسلحة، ستظل على الأرجح تخيّم على الأجواء السياسية في العراق سنوات مقبلة.
وفي هذا السياق، نشر موقع «آر تي» مقالاً لمراد صادقزاده، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط والأستاذ الزائر في جامعة HSE بموسكو، تناول فيه أبعاد الانسحاب الأمريكي من العراق وتداعياته.
حين يتحول النصر العسكري إلى مأزق سياسي
يذكر الخبير أن أمريكا، وإن كانت قد خاضت حرباً ضد العراق من قبل عام 1991، فإن غزو آذار/مارس 2003 هو الذي دشّن احتلال البلاد وأعاد بناء هيكل الدولة العراقية من أساسه.
وقد برّرت إدارة جورج بوش الحرب في الأساس بالتهديد المزعوم الناجم عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، لكن أثراً لتلك الترسانة المزعومة لم يُعثر عليه قط. وسقط نظام صدام حسين بسرعة لافتة، غير أن إقامة دولة مستقرة تحوّلت إلى معضلة عجز التفوق العسكري الأمريكي وحده عن حلّها.
فقد حرم حلُّ الجيش العراقي والتطبيقُ الواسع لسياسة اجتثاث البعث، النظامَ السياسي الجديد من شريحة كبيرة من أصحاب الخبرة ممن أسهموا من قبل في إدارة جهاز الدولة وصون كفاءته. وبإقصاء عشرات الآلاف من الكفاءات والموظفين والعسكريين عن البنية الجديدة، امتزج السخط الاجتماعي بالمقاومة المسلحة، وأخذ الصراع على السلطة يكتسي مزيداً من الصبغة الطائفية. ولا ريب أن دكتاتورية صدام خلّفت إرثاً بالغ الأزمة والتوتر، لكنّ القرارات المتخذة إبان الاحتلال أذكت العنف بوصفه وسيلةً لاستعادة النفوذ والسلطة المفقودين.
ويقرّ صادقزاده، في الوقت نفسه، بأن من السذاجة أن تُنسب كل الكوارث التي تلت ذلك إلى واشنطن وحدها. فالقادة السياسيون العراقيون الذين رسّخوا توزيع المناصب والموارد وفق خطوط حزبية وطائفية، أسهموا بدورهم في إبعاد شرائح واسعة من المجتمع عن البنية السياسية. كما استغلت الدول المجاورة ضعف بغداد لتعزيز مصالحها. ومع ذلك، فقد قوّض التدخل العسكري النظام العراقي السابق، في وقت لم تكن فيه المؤسسات اللازمة لحفظ تماسك البلاد، ومنع نشوء جماعات وشبكات سياسية ومسلحة متنافسة، قد وُجدت بعد.
وانتهى الانسحاب الأمريكي الأول عام 2011، لكن في عام 2014، بعدما استولى تنظيم «داعش» على الموصل وعلى مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، عادت أمريكا إلى البلاد بدعوة من الحكومة العراقية. وفي تلك المرحلة، كان للقوة الجوية الأمريكية والقدرات الاستخباراتية وتدريب القوات المحلية دور فاعل في تغيير مجرى الحرب، وهو أمر لا ينبغي إغفاله. غير أن العبء الأكبر في المعارك البرية وقع على عاتق القوات العراقية، من جيش وحشد شعبي ووحدات مكافحة الإرهاب والبيشمركة.
وكان القضاء على «داعش» في العراق عام 2017 إنجازاً عسكرياً حقيقياً، لكنه لم يمحُ الظروف التي أتاحت للقوى التكفيرية أن تضرب جذورها في هذا البلد.
ويرى الخبير أنه إذا قيّمنا السياسة الأمريكية بميزان وعدها بإقامة عراق مستقر وآمن، بدت النتيجة أشدّ خفوتاً بكثير مما قد يُنتظر قياساً إلى كل ما أُعلن من انتصارات عسكرية. فواشنطن، في المحصلة، أسهمت في احتواء خطر كان لها يدٌ في صنعه.
وكانت التبعات الإقليمية متناقضة بالقدر نفسه؛ إذ إن إزاحة أحد الخصوم الرئيسيين لإيران أتاحت لطهران فرصاً جديدةً لتوسيع نفوذها داخل العراق. فقد أنفقت أمريكا موارد وتكاليف طائلة لإقامة نظام سياسي جديد في العراق، انتهى بتعزيز لافت لموقع خصمها الإقليمي. وليس المقصود بذلك أن بغداد فقدت زمام المبادرة أو استقلالها السياسي، بل إن ما جرى كشف عن مدى البون بين النتائج الفعلية للحرب والتوقعات والأهداف التي دخلت واشنطن الحرب على أساسها.
بداية السيادة الوطنية بحصر السلاح في يد الدولة
سينظر قطاع من المجتمع العراقي إلى رحيل القوات الأمريكية، لا محالة، بوصفه نهاية حقبة طويلة من الاحتلال، وإن كان الوجود العسكري الأمريكي بعد عام 2014 قد جاء في ظروف مغايرة، إذ قام على طلب الحكومة العراقية وموافقتها. وهذا الفارق نفسه يتيح للمسؤولين العراقيين التشديد على السيادة والاستقلال، دون أن يضطروا إلى إنكار حاجة العراق إلى العون والدعم الخارجيين في مرحلة بعينها.
ويرى الخبير أن التحدي الأعسر سيكمن في التيقّن من أن قرار الحرب والسلم بات فعلاً في يد الدولة. فقد نشأ الحشد الشعبي إبان هجوم «داعش» بوصفه هيكلاً واسعاً لحشد القوى، ثم أُدمج لاحقاً في البنية الرسمية للدولة، لكنه ظل يتّسم بتنوع وتعدد كبيرين في داخله. ولذلك يكون وصف الحشد الشعبي كله بأنه جيش واحد خاضع لسيطرة إيران وصفاً مضلِّلاً.
وهذه من أشدّ مفارقات عراق ما بعد الحرب إعضالاً: فالجماعات التي أسهمت في إنقاذ الدولة من براثن الإرهابيين حازت مصادر مستقلة، سياسية واقتصادية، تمارس بها نفوذها.
وتسعى حكومة علي الزيدي إلى وضع السلاح تحت سيطرة الدولة، بينما تقاوم بعض الجماعات هذه المطالب. وقد قوبلت المهلة التي حددها المسؤولون برفض صريح من عدة جماعات، وترافق اعتقال بعض عناصر الفصائل شبه العسكرية مع تهديدات بأعمال انتقامية.
وفي ظل الحرب بين أمريكا و"إسرائيل" وإيران، يضيق مجال التسوية يوماً بعد يوم، إذ تعدّ بعض الجماعات المسلحة سلاحها وسيلةً لدعم طهران ودرعاً في مواجهة الضغوط الأمريكية في آن واحد. وقد تجد بغداد نفسها في خضم ذلك عالقةً بين مطالب واشنطن وتوقعات إيران، تلك الدولة التي لا يمكن اختزال علاقتها بالعراق في صلتها بالجماعات المسلحة.
وإن محاولة نزع سلاح جميع الجماعات دفعةً واحدةً قد توحّد، ضدّ الدولة، قادةً كانت مصالحهم متباينةً من قبل، في حين أن التنازلات التي لا تنتهي لا تفعل سوى ترسيخ استقلال المراكز المسلحة المتنافسة. ومن ثَمّ، يبدو أن مساراً تدريجياً لوضع هذه القوى تحت سلسلة قيادة واحدة، مع رقابة أدقّ على مواردها المالية، وتقديم ضمانات موثوقة للعناصر العاديين، سيكون أكثر استدامةً.
فراغ السلطة الجديد
ويرى صادقزاده، في معرض حديثه عن سيناريو خطر الفراغ في السلطة بعد رحيل القوات الأمريكية، أن الجيش العراقي يملك اليوم خبرةً افتقر إليها افتقاراً كارثياً عام 2014، ولهذا يكون افتراض أن سقوط الموصل قد يتكرر بيسر افتراضاً مضلِّلاً. ففي عام 2025، بلغ عدد هجمات «داعش» في العراق أدنى مستوى له في التاريخ بفعل الضغط المتواصل من القوات الأمنية العراقية. ومع ذلك، لم يزُل التنظيم، وما زال يستفيد من عدم الاستقرار في سوريا المجاورة.
ويرى الخبير أن أخطر السيناريوهات هو أن تستحوذ المواجهة بين الدولة والجماعات المسلحة العراقية على الموارد اللازمة لحفظ الأمن اليومي، فتتاح للشبكات الإرهابية فرصة إعادة تنشيط مسارات الإمداد وآليات التجنيد. فهذه الجماعات لا تحتاج، كي تبدأ، إلى السيطرة الفورية على المدن الكبرى؛ إذ تكفي سلسلة متواصلة من الهجمات على الطرق والمناطق الريفية لتقويض ثقة الناس بالسلطات. وقد ينشأ هذا الفراغ في مناطق تحضر فيها رسمياً عدة بنى أمنية، لكن لا تتحمل أيٌّ منها المسؤولية الكاملة عن حفظ النظام.
وستكون المناطق التي تعيق فيها المنافسات السياسية التعاون بين بغداد وسلطات إقليم كردستان والقوات الأمنية المحلية أشدّ هشاشةً. وإذا أُضيف إلى ذلك في مثل هذه الظروف تصرفات اعتباطية واتهامات جماعية بحق المجتمعات المحلية، فقد تحاول الخلايا السرية لـ«داعش» مجدداً أن تقدّم نفسها مدافعةً عن أولئك الذين يشعرون بأنهم أُقصوا من البنية السياسية أو عوملوا بظلم.
ومن ثَمّ، فإن السؤال الجوهري هو: هل تستطيع القيادة العراقية، وهي تعيد هيكلة الجماعات المسلحة في البلاد، أن تحافظ في الوقت ذاته على تماسك سلسلة القيادة والثقة العامة وفاعلية الأجهزة الاستخباراتية؟ إن استمرار المساعدة التقنية الخارجية وتبادل المعلومات قد يسهّل هذه المهمة، لكن المستشارين الأجانب لا يمكن أن يحلّوا محل اتفاق سياسي داخلي. وحين يتزامن الانسحاب مع انهيار مثل هذا الاتفاق، فإنه يولّد خطراً حقيقياً، وإن كان رحيل القوات الأجنبية لا يجعل حرباً أخرى حتميةً في ذاته.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تُعدّ قدرة الجيش على تنفيذ عمليات ضد الخلايا السرية مساويةً لقدرته على مواجهة جماعات مسلحة كبرى تحظى بدعم سياسي. ففي الحالة الثانية، قد يؤدي إصدار أمر باستخدام القوة إلى شقّ الائتلاف الحاكم، ويضطر القادة إلى مراعاة الولاءات والروابط القائمة داخل معسكرهم السياسي. وارتهان القرارات العسكرية للتنافس بين النخب، هو ما يجعل احتمال المواجهة الداخلية محفوفاً بالمخاطر.
لماذا تقلّص واشنطن حضورها؟
يطرح مقال صادقزاده أن عزو قرار أمريكا الانسحاب من العراق إلى الصراع الراهن مع إيران وحده لن يكون دقيقاً من الناحية التاريخية، فالجدول الزمني لتغيير مهمة التحالف كان قد اتُّفق عليه منذ أيلول/سبتمبر 2024. ومع ذلك، فقد كشف الصراع مع إيران بجلاء كلفة الإبقاء على وجود عسكري دائم. ففي آذار/مارس 2026، استهدفت مسيّرات إيرانية مطار أربيل الذي تقع فيه قاعدة أمريكية، ثم تعرّضت بعد ذلك منشأة للتحالف تستضيف قوات إيطالية لهجوم. وتبيّن هذه الحوادث أن القواعد العسكرية في الخارج، وإن أُقيمت لاستعراض القوة وممارستها، قد تتحول في الوقت ذاته إلى أهداف سهلة المنال لهجمات انتقامية.
وحين يمكن استهداف منشأة عسكرية باهظة الكلفة مراراً بمسيّرات زهيدة الثمن نسبياً، فإن حمايتها تقتضي استنزافاً مستمراً للموارد، وقد تولّد كل خسارة بشرية ضغطاً سياسياً لجولة جديدة من التصعيد. وفي مثل هذه الظروف، قد يكون تقليص عدد القواعد المكشوفة قراراً منطقياً لواشنطن، وإن ظلت قدرات أمريكا العسكرية الإجمالية تفوق قدرات منافسيها بمراحل.
وحتى بعد رحيل آخر وحدة عسكرية، ستبقى المسؤولية السياسية عن تبعات التدخل قائمةً. فأمريكا تغادر العراق والدولة لم تنجح بعد في احتكار استخدام القوة احتكاراً كاملاً، وأسس المصالحة السياسية المستدامة ما زالت هشّة. والمسألة ليست هل كان على القوات الأمريكية أن تبقى في العراق إلى الأبد رغماً عن إرادة البلد المضيف أم لا، بل إن المشروع السياسي الذي وُعد به عند بدء التدخل لم يتحقق قط تحققاً كاملاً.
كما يثير انسحاب القوات الأمريكية من العراق تساؤلاً عما إذا كان جزءاً من تحول أوسع في دور أمريكا الإقليمي، إذ تركّز واشنطن مزيداً من مواردها في حزام أمني استراتيجي يمتد من أمريكا اللاتينية إلى شمال المحيط الأطلسي وغرينلاند.
وثمة ما يبرر هذا الانطباع، فأمريكا تزداد تشديداً على نصف الكرة الغربي، وتعيد في الوقت ذاته النظر في التوزيع الجغرافي لحضورها العسكري. ويتسق توسيع القدرات العسكرية الأمريكية في غرينلاند مع التركيز المتنامي على أمن القارة الأمريكية وشمال الأطلسي.
ومع ذلك، لا تعني هذه القرارات أن أمريكا تغادر غرب آسيا مغادرةً تامةً، أو أنها لم تعد قادرةً على الإبقاء على قواعدها العسكرية في المنطقة. فاستمرار المواجهة مع إيران دليل على رسوخ التزامات أمريكا الاستراتيجية القوية هناك، كما أن خفض حضور وحدة عسكرية قد يتزامن مع تعزيز الحضور البحري أو الجوي الأمريكي في موضع آخر. وفي الواقع، اتخذت واشنطن نهجاً أكثر انتقائيةً، وهي تسعى إلى تقليص حضورها العسكري في المناطق التي لم يحقق فيها استمرار نشر القوات مكسباً سياسياً مكافئاً.
أما بالنسبة إلى العراق، فإن تداعيات هذا التحول لا تتوقف على عدد القوات الأمريكية المتبقية، بقدر ما تتوقف على قدرة القادة العراقيين على بناء دولة كفؤة تخضع للمساءلة.
