الوقت- شكّل إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، نقطة تحول حاسمة أطلقت سلسلة متصاعدة من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المشتركة استهدفت المدعي العام كريم خان شخصياً ومؤسسة المحكمة بأكملها. فبعد أشهر من التهديدات المباشرة، من بينها تحذير السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام بفرض عقوبات فورية إذا تقدم خان بطلب مذكرات الاعتقال، وتهديد مماثل من وزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون بانسحاب بلاده من المحكمة وقطع تمويلها، جاءت الضربة الأخطر حين صوتت غالبية الدول الأعضاء في المحكمة على إقالة كريم خان في يوليو/تموز 2026، على خلفية اتهامات بسلوك جنسي غير لائق نفاها خان قطعياً، وسط شبهات واسعة النطاق بأن هذه الاتهامات جاءت في توقيت مثير للريبة يخدم مساعي واشنطن وتل أبيب لإضعاف المحكمة وتحييد أخطر مسؤول قضائي دولي يلاحق قادتها. ويرى مراقبون قانونيون أن توقيت هذه الإقالة، الذي تزامن مع أوج التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد المحكمة، يصعب فصله عن السياق السياسي الأوسع للقضية، حتى وإن ظلت الاتهامات الشخصية الموجهة لخان قائمة بذاتها أمام أي تحقيق مستقل قد يُجرى بشأنها مستقبلاً.
اعترافات خان: مراقبة من الموساد وتهديد مباشر لسلامته الشخصية
كشف كريم خان نفسه، في تصريحات موثقة، عن تلقيه معلومات استخباراتية تفيد بخضوعه لمراقبة دقيقة من أجهزة استخبارات روسية وإسرائيلية على حد سواء، معرباً عن مخاوف حقيقية على سلامته الشخصية إثر تأكده من تواجد فريق تابع لجهاز الموساد الإسرائيلي في مدينة لاهاي المقر الرئيسي للمحكمة. هذه الشهادة الشخصية من المدعي العام ذاته تتقاطع مع تحقيق استقصائي مشترك أجرته صحيفة "الغارديان" ومجلتا "+972" و"لوكال كول"، كشف أن إسرائيل أدارت على مدى سنوات حملة سرية ممنهجة استهدفت المحكمة، شملت مراقبة اتصالات مسؤولين فيها، وجمع معلومات شخصية عن المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا، ومحاولات ممنهجة للتأثير عليها لوقف التحقيقات المفتوحة، بالتوازي مع لقاءات وُصفت بأنها ذات طابع ترهيبي مع رئيس الموساد السابق يوسي كوهين. هذا النمط المتكرر من الاستهداف، الممتد من عهد بنسودا إلى عهد خان، يكشف أن ما يجري ليس حادثة معزولة بل سياسة إسرائيلية ثابتة تجاه أي مسؤول قضائي دولي يجرؤ على فتح ملف مساءلتها.
عقوبات ترامب: أداة أمريكية لشل عمل المحكمة بأكملها
لم تكتفِ الإدارة الأمريكية بالضغط السياسي غير المباشر، بل انتقلت إلى فرض عقوبات فعلية وموسّعة استهدفت المحكمة بمؤسساتها، إذ فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب في فبراير/شباط 2025 عقوبات مباشرة على كريم خان، توسعت لاحقاً لتشمل نائبيه وثمانية من قضاة المحكمة، إضافة إلى المقررة الأممية الخاصة فرانشيسكا ألبانيز ومنظمات حقوقية فلسطينية تعاونت مع المحكمة في تحقيقاتها. وقد وجّه اثنا عشر عضواً جمهورياً في مجلس الشيوخ الأمريكي، من بينهم ماركو روبيو وتيد كروز، رسالة مباشرة لمدعي المحكمة طالبوه فيها صراحة بأن يرفع يده عن إسرائيل، ملوّحين باستهداف القضاة أنفسهم عبر تجميد أصولهم وحظر سفرهم. والأخطر أن واشنطن، التي ليست عضواً أصلاً في المحكمة، تستعد وفق تقارير حديثة لفرض حزمة عقوبات جديدة أشد قسوة من سابقاتها، تشمل هذه المرة مجموعة واسعة من المعاملات مع المحكمة كمؤسسة بأكملها، بدلاً من الاقتصار على استهداف مسؤولين أفراد بعينهم، في مؤشر على نية أمريكية معلنة لشل قدرة المحكمة على العمل بالكامل لا مجرد معاقبة أفراد داخلها.
مذكرات الاعتقال باقية.. لكن المحكمة أضعف من أي وقت مضى
رغم حجم هذا التصعيد المزدوج، تؤكد مصادر قانونية متعددة أن مذكرتي الاعتقال الصادرتين بحق نتنياهو وغالانت لن تتأثرا بشكل مباشر بإقالة خان، إذ إن صلاحية سحب هذه المذكرات تقع أصلاً ضمن اختصاص قضاة المحكمة لا المدعي العام، ما يعني أن الملفات التي فتحها خان تبقى قائمة قانونياً بانتظار قرارات قضائية لاحقة. غير أن هذا الاستمرار الشكلي للمذكرات لا يخفي حقيقة أن المحكمة باتت أضعف من أي وقت مضى في تاريخها، إذ يرى خبراء قانونيون دوليون، من بينهم أستاذ القانون الدولي والمدعي العام السابق بالمحكمة جيفري نايس، أن ما يجري يمثل جهداً منسقاً من إسرائيل والولايات المتحدة معًا لتقويض عمل المحكمة بالكامل، ضمن محاولات أوسع للمساس بمنظومة القانون الدولي برمتها، لا مجرد استهداف قضية فلسطينية بعينها.
صمت الدول الأعضاء يفاقم أزمة المؤسسة الدولية
من أخطر جوانب هذه الأزمة أن الدول الأعضاء في المحكمة، التي يُفترض بها حماية استقلاليتها القضائية، تتقاعس حتى الآن عن اتخاذ أي إجراءات محلية فعلية تحمي قضاتها وموظفيها من العقوبات الأمريكية المفروضة عليهم بسبب أداء عملهم القانوني المشروع، تاركة القضاة والمدعين يواجهون هذه الحملة الممنهجة بمفردهم دون غطاء مؤسسي حقيقي من الدول التي أنشأت المحكمة أصلاً وصادقت على نظامها الأساسي. هذا الصمت المؤسسي الجماعي يفتح الباب أمام سيناريو خطير يتمثل في عودة المحكمة الجنائية الدولية إلى الصورة النمطية التي طالما رسمها لها منتقدوها الغربيون تاريخياً، بوصفها أداة انتقائية تلاحق قادة أفارقة أو شخصيات معادية للغرب كبوتين ودوتيرتي، بينما تعجز عن ملاحقة حلفاء الغرب الرئيسيين مهما بلغت خطورة الاتهامات الموجهة إليهم.
اختبار وجودي للقانون الدولي بأسره
في نهاية المطاف، يتجاوز ما يجري لكريم خان والمحكمة الجنائية الدولية حدود قضية فردية أو مؤسسية معزولة، ليصبح اختباراً وجودياً حقيقياً لمصداقية منظومة القانون الدولي بأكملها في عصر تتحكم فيه موازين القوى السياسية بمصير العدالة القضائية. فحين تنجح دولتان قويتان، بالتعاون المباشر بينهما، في إسقاط أعلى مسؤول قضائي دولي وشل عمل مؤسسته عبر مزيج من التهديد الاستخباراتي والعقوبات الاقتصادية والضغط السياسي، فإن الرسالة الموجهة لكل قاضٍ أو مدعٍ دولي مستقبلي تصبح واضحة تماماً: لا حصانة حقيقية لمن يجرؤ على مساءلة القوى الكبرى وحلفائها، مهما كانت الأدلة موثقة والجرائم موصوفة. ويبقى السؤال الأهم معلقاً: هل تصمد بقية مؤسسات القانون الدولي أمام هذا النموذج الخطير من التطويع بالقوة، أم أن ما حدث مع المحكمة الجنائية الدولية سيصبح سابقة تُستخدم مستقبلاً كلما احتاجت دولة قوية لإسكات أي محاولة جادة لمحاسبتها؟
