الوقت- أثار الفيلم الوثائقي الإسرائيلي "نازا"، الذي عُرض مؤخراً في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، عاصفة غضب واسعة داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، بعدما قدّم شهادات مباشرة من داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حول آليات استهداف المدنيين في قطاع غزة خلال الحرب. الفيلم، الذي أخرجه كل من الصحفي يوفال أبراهام والمخرجة راشيل تسور، لم يكتفِ بعرض روايات فلسطينية عن الحرب كما جرت العادة في أعمال سابقة أثارت جدلاً محدوداً، بل استند إلى شهادات إسرائيلية داخلية موثقة، وهو ما ضاعف من وقع صدمته داخل المجتمع الإسرائيلي، وحوّله من مجرد عمل فني إلى قضية رأي عام وطني تلامس صميم الرواية الرسمية التي حاولت تل أبيب الحفاظ عليها طوال أشهر الحرب. وقد جاء عرض الفيلم في توقيت حساس، إذ يتزامن مع تصاعد الجدل الدولي حول سلوك الجيش الإسرائيلي في غزة، ما جعل من الصعب على المؤسسة الرسمية الإسرائيلية تجاهله أو الاكتفاء بتجاهله الإعلامي المعتاد إزاء الأعمال الناقدة، فاختارت بدلاً من ذلك مواجهته بحملة هجوم مباشرة وصريحة.
تهديدات رسمية تتجاوز حدود النقد الفني
لم يقتصر الهجوم على الفيلم عند حدود النقد الفني أو السياسي المعتاد، بل تصاعد إلى مستوى تهديدات رسمية خطيرة صادرة عن مسؤولين حكوميين رفيعين. فقد هدد وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار علناً بتجريد المخرجَين يوفال أبراهام وراشيل تسور من جنسيتهما الإسرائيلية، واصفاً العمل بأنه مشين ويشكل خيانة، ومعلناً أن هذه الحادثة بالذات هي ما دفعه لقيادة ما أسماه إصلاحاً مهماً في قطاع السينما، حتى لا يضطر دافعو الضرائب الإسرائيليون مستقبلاً لتمويل أعمال يعتبرها "مضرة بجنود الجيش وبدولة إسرائيل". هذا التهديد الصريح بسحب الجنسية، الصادر عن وزير في الحكومة لا عن معلق سياسي أو ناشط هامشي، يمثل سابقة خطيرة تتجاوز حدود الخلاف الفني المعتاد إلى محاولة توظيف أدوات الدولة القسرية لمعاقبة أصوات مخالفة للرواية الرسمية، في مؤشر مقلق على المدى الذي بلغه تآكل هامش حرية التعبير داخل إسرائيل ذاتها إزاء أي عمل يفضح ممارساتها العسكرية.
"فرية دم": خطاب تخوين يستبق أي نقاش موضوعي
لم يكن زوهار وحده في هذا الهجوم، إذ انضم إليه رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت الذي وصف الفيلم بعبارة "فرية دم"، مؤكداً أن ما يزيد الأمر إيلاماً، بحسب تعبيره، أن هذه الرواية تأتي من صناع أفلام إسرائيليين أنفسهم وتنتشر عالمياً. ودافع بينيت عن الجيش الإسرائيلي، مؤكداً أن سقوط ضحايا مدنيين خلال الحرب لا يعني بالضرورة استهدافهم عمداً، مستشهداً بإجراءات وصفها بأنها وقائية، كالتحذير المسبق قبل بعض الضربات، متعهداً بعدم الصمت تجاه الفيلم. اللافت في هذا الخطاب أنه يستخدم مصطلح "فرية الدم"، وهو تعبير تاريخي مثقل بدلالات معاداة السامية، لوصف شهادات موثقة صادرة من ضباط وجنود إسرائيليين أنفسهم، في محاولة لنزع الشرعية عن أي نقد داخلي عبر تصويره كهجوم خارجي معادٍ، بدلاً من التعامل معه كمساءلة داخلية مشروعة تستحق نقاشاً موضوعياً هادئاً لا حملة تخوين وتهديد.
محدود عن حرية التعبير يصطدم بجدار الرفض الرسمي
مقابل هذه الهجمة الرسمية الشرسة، برزت أصوات محدودة داخل الصحافة الإسرائيلية دافعت عن حق المخرجين في التعبير، إذ خلصت إحدى الصحف العبرية إلى أن المخرجَين ليسا عضوين في لجنة تزيين صورة إسرائيل أو جزءاً من ماكينتها الدعائية، بل هما وفيّان لضميرهما ومهنتهما، ويسيران بشجاعة عكس تيار الرقابة الذاتية والتواطؤ السائد، داعية الجمهور الإسرائيلي لمشاهدة الفيلم أولاً قبل إصدار الأحكام عليه، وفتح نقاش مجتمعي مفقود حتى الآن حول ما جرى فعلياً في غزة. كما طالب صناع الفيلم أنفسهم بإتاحة نسخة كاملة منه لممثلي الجيش الإسرائيلي، لتمكينهم من الرد بشكل مفصل وموضوعي على كل الادعاءات الواردة فيه، في محاولة لفتح باب الحوار بدلاً من إغلاقه بالتهديد."غير أن هذا الموقف الداعم بقي محصوراً في نطاق ضيق أمام موجة غضب رسمية طاغية تفضل إسكات الشهادة على مواجهة مضمونها.
معركة على الرواية أكبر من فيلم واحد
في نهاية المطاف، تتجاوز هذه العاصفة السياسية حول فيلم "نازا" حدود القضية الفنية الفردية، لتعكس معركة أعمق تدور رحاها داخل المجتمع الإسرائيلي حول من يملك حق سرد رواية الحرب على غزة، وإلى أي مدى يمكن تحمّل مواجهة الحقيقة حين تأتي من الداخل لا من خصم خارجي يسهل نزع مصداقيته. فحين يتحول توثيق شهادات جنود وضباط حقيقيين إلى "خيانة" تستوجب سحب الجنسية، وتُختزل المساءلة الأخلاقية في تهمة "فرية دم"، فإن ذلك يكشف عن أزمة أعمق من مجرد الخلاف حول فيلم واحد؛ إنها أزمة مجتمع يجد صعوبة متزايدة في مواجهة انعكاس صورته الحقيقية في المرآة، ويفضل تحطيم المرآة على معالجة ما تعكسه. ويبقى السؤال المطروح: هل ينجح هذا الفيلم، رغم كل محاولات إسكاته، في كسر جدار الإنكار الجمعي، أم أن حملة التخوين الرسمية ستنجح في دفنه تحت ركام الاتهامات قبل أن يصل إلى الجمهور الذي يحتاج أكثر من غيره لمشاهدته؟ فالتجربة التاريخية لأعمال فنية سابقة واجهت حملات تخوين مماثلة تشير إلى أن محاولات الإسكان غالباً ما تمنح هذه الأعمال زخماً إعلامياً إضافياً، بدلاً من دفنها فعلياً، ما قد يجعل من هذه الحملة الرسمية الشرسة سبباً إضافياً في اتساع دائرة مشاهدة الفيلم ونقاشه، عكس ما تأمله السلطات الإسرائيلية من وراء تصعيدها.
