الوقت- حذّر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، من أن جمع أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة قبل فحصها وتوثيقها قد يؤدي إلى فقدان أدلة مهمة مرتبطة بالانتهاكات والجرائم التي شهدها القطاع خلال الحرب. وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل حجم الدمار الهائل الذي طال المنازل والمرافق المدنية والبنية التحتية، إذ لا تمثل الأنقاض مجرد مخلفات مادية للحرب، بل قد تحتوي على بقايا ومؤشرات يمكن أن تساعد في إعادة بناء تسلسل الأحداث وتحديد طبيعة الأضرار وأسبابها. ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع الركام باعتباره نفايات فقط قد يؤدي إلى إخفاء جزء من الحقيقة، خصوصاً إذا جرى التخلص منه دون عمليات فحص مستقلة ومنهجية تحفظ ما يمكن أن يشكل أدلة مستقبلية.
خطر فقدان الأدلة مع تسارع إزالة الركام
تكمن الخطورة الأساسية في أن إزالة الأنقاض على نطاق واسع قد تكون عملية يصعب التراجع عنها، فبمجرد نقل الركام أو طحنه أو دفنه، يصبح من الصعب استعادة تفاصيل الموقع الذي وقعت فيه الأحداث. وقد تحمل قطع الخرسانة والمعادن وبقايا المباني معلومات مهمة حول طبيعة الانفجارات ومواقع الاستهداف واتجاهاتها، فضلاً عن احتمال وجود آثار بشرية أو مقتنيات تساعد في تحديد هوية الضحايا وظروف مقتلهم. لذلك، فإن أي عملية لإزالة الأنقاض ينبغي أن تسبقها إجراءات دقيقة للحفظ والتوثيق والفحص، خصوصاً في المواقع التي يُشتبه بارتباطها بانتهاكات خطيرة. وفي ظل الدمار الواسع في غزة، يصبح الحفاظ على الأدلة تحدياً تقنياً وقانونياً كبيراً، لكنه في الوقت نفسه ضرورة لمنع تحول حجم الخراب نفسه إلى سبب في ضياع الحقيقة.
التوثيق شرط أساسي لمحاسبة المسؤولين
لا تنفصل قضية الأنقاض عن مسألة المساءلة، لأن التحقيق في الانتهاكات الخطيرة يحتاج إلى أدلة مادية يمكن التحقق منها ومقارنتها بالشهادات والصور والبيانات الأخرى. وفي هذا السياق، قد تشكل مواقع الدمار جزءاً مهماً من ملف التحقيق، لأنها تسمح بفهم طبيعة الهجمات وتحديد المناطق المتضررة وربطها بالتوقيتات والأحداث التي سبقتها. وإذا فُقدت هذه الأدلة قبل توثيقها، فإن فرص إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة قد تتراجع بصورة كبيرة. ومن هنا، فإن حماية الأنقاض في المواقع ذات الأهمية الجنائية لا تعني تعطيل جهود إعادة الإعمار، بل تعني تنظيمها بطريقة تمنع التضحية بالأدلة من أجل السرعة. فإعادة بناء غزة تحتاج إلى إزالة الركام، لكنها تحتاج كذلك إلى حماية الذاكرة المادية للحرب، حتى لا يصبح الإعمار وسيلة غير مقصودة لمحو آثار ما حدث.
غزة بين الحاجة إلى الإعمار والحفاظ على الحقيقة
تواجه غزة معادلة شديدة التعقيد، فمن جهة هناك حاجة إنسانية عاجلة لإزالة الركام وفتح الطرق وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، ومن جهة أخرى توجد ضرورة لحماية المواقع التي قد تحمل أدلة على الانتهاكات. وهذا التناقض الظاهري يمكن التعامل معه من خلال آليات متخصصة تفصل بين عمليات التنظيف العاجلة والمواقع التي تتطلب فحصاً جنائياً وقانونياً. فليس كل ركام في القطاع يحمل القيمة نفسها، لكن التعامل معه بصورة عشوائية قد يؤدي إلى فقدان أدلة لا يمكن استعادتها لاحقاً. ولذلك، فإن أي خطة لإزالة الأنقاض يجب أن تتضمن خرائط للمواقع، وتوثيقاً بصرياً، وسجلات دقيقة لعمليات النقل، وحفظ عينات من المواد ذات الصلة. وبهذه الطريقة يمكن تحقيق التوازن بين ضرورة تحسين الظروف المعيشية للسكان وبين حماية الأدلة التي قد تكون ضرورية لكشف ملابسات الجرائم وتحديد المسؤوليات.
طمس الأدلة يهدد حق الضحايا في العدالة
بالنسبة إلى عائلات الضحايا، لا يمثل الحفاظ على الأدلة مسألة قانونية مجردة، بل يرتبط مباشرة بحقها في معرفة ما حدث لأبنائها وأقاربها، ومعرفة الظروف التي أدت إلى مقتلهم أو إصابتهم. وقد يكون الركام في بعض الحالات آخر ما تبقى من المكان الذي عاش فيه الضحية أو المكان الذي وقعت فيه الحادثة، وبالتالي فإن فقدانه قد يعني فقدان جزء من قصة الضحية نفسها. كما أن غياب الأدلة المادية يمكن أن يجعل الاعتماد أكبر على الشهادات الفردية، رغم أن ظروف الحرب قد تجعل جمع الشهادات والتحقق منها أكثر صعوبة. لذلك، فإن حماية الأدلة لا تخدم المؤسسات القضائية وحدها، وإنما تحمي حق المجتمع والضحايا في الذاكرة والعدالة. وكلما طال الوقت دون توثيق منهجي، زادت احتمالات ضياع تفاصيل قد تكون حاسمة في فهم حجم الانتهاكات ومساراتها.
معركة الحقيقة تبدأ من حماية آثار الحرب
في المحصلة، لا تتعلق التحذيرات من إزالة أنقاض غزة بالماضي وحده، بل بالمستقبل أيضاً، لأن الطريقة التي يجري بها التعامل مع آثار الحرب ستحدد إلى حد كبير قدرة العالم على معرفة ما حدث ومحاسبة المسؤولين عنه. وإذا تحولت عملية إزالة الركام إلى سباق مع الزمن من دون آليات لحفظ الأدلة، فقد تختفي آثار مادية لا يمكن تعويضها لاحقاً. لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى توثيق مستقل ومنهجي للمواقع المتضررة، بالتوازي مع الاستجابة للحاجات الإنسانية وإعادة الإعمار. فغزة تحتاج إلى إزالة الركام كي تبدأ مرحلة التعافي، لكنها تحتاج أيضاً إلى حماية الأدلة كي لا تُدفن الحقيقة معه. وبين إعادة بناء المكان وحفظ آثاره، تبرز مسؤولية المجتمع الدولي في ضمان ألا يؤدي السعي إلى إعادة الحياة للقطاع إلى طمس الأدلة التي قد تكون مفتاحاً لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.
