الوقت- مع اقتراب موعد الانتخابات الكنيستية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أصبح المشهد السياسي في الكيان أكثر سخونةً وغموضًا من أي وقت مضى. وتُجرى انتخابات الكنيست السادسة والعشرون في وقت يواجه فيه نتنياهو وائتلافه اليميني ضغوطًا داخلية شديدة، وتراجعًا في شعبيته بسبب إدارته للحروب، وانقسامات عميقة حول القضايا الدينية والعسكرية. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن كتلة المعارضة تكتسب زخمًا، على الرغم من أن تشكيل حكومة مستقبلية لا يزال يبدو معقدًا.
آخر استطلاعات الرأي: تراجع شعبية نتنياهو وتصاعد المعارضة
تُظهر استطلاعات رأي عديدة نُشرت في الأشهر الأخيرة تراجعًا في شعبية حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف. بحسب متوسط استطلاعات الرأي التي أجرتها القنوات الإسرائيلية 11 و12 و13 حتى منتصف يونيو/حزيران 2026، لا يزال حزب الليكود أكبر الأحزاب المستقلة، لكن الكتلة اليمينية الحاكمة بالكاد ستصل إلى عتبة الـ61 مقعدًا، أو حتى ستفشل في بلوغها.
في أحد أحدث استطلاعات الرأي التي أجرتها صحيفة تايمز أوف إسرائيل (يونيو/حزيران 2026)، فازت الكتلة الصهيونية المعارضة بزعامة نتنياهو، والتي تضم حزب "معًا" بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، إلى جانب حزب "غادي آيزنكوت" (حزب يشار) وأحزاب أخرى، بنحو 62 مقعدًا.
هذا العدد كافٍ لتشكيل حكومة دون الحاجة إلى أحزاب عربية، مع أن بعض السيناريوهات التي تشمل أحزابًا عربية قد تصل إلى أكثر من 70 مقعدًا. وقد فاز الليكود بنحو 22 إلى 25 مقعدًا في هذا الاستطلاع، كما شهدت الأحزاب الدينية اليمينية المتطرفة، مثل "القوة اليهودية" و"الصهيونية الدينية"، تراجعًا في شعبيتها.
توقّعت استطلاعات الرأي في أبريل ومايو فوز ائتلاف "معًا" (بينيت-لابيد) بنحو 26 مقعدًا، بل وتفوّق أحيانًا على حزب الليكود. إلا أنه في استطلاعات لاحقة، برز غادي آيزنكوت، مرشحًا عن حزب ياشر (متقدمًا بفارق كبير!)، كمنافس قوي، بل ويُعتبر في بعض الاستطلاعات الخيار الأول لقيادة كتلة المعارضة. أما بيني غانتس وحزبه "أزرق أبيض"، فهم على وشك تجاوز عتبة 3.25% في العديد من الاستطلاعات، أو قد لا يفوزون بأي مقعد.
ومن أبرز نقاط ضعف نتنياهو تراجع شعبيته الحاد في شمال الأراضي المحتلة. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته مختبرات أغام في الجامعة العبرية (يونيو 2026) أن 23% فقط من سكان الشمال سيصوتون لليكود (مقارنةً بـ 35% في انتخابات 2022). ويُعزى هذا التراجع بشكل رئيسي إلى السخط الشعبي على إدارة الحرب اللبنانية وصواريخ حزب الله.
في مؤشر "الشخص الأنسب لرئاسة الوزراء"، لا يزال نتنياهو متصدراً، لكن الفارق بينه وبين منافسيه مثل بينيت وإيزنكوت ولابيد قد تقلص. ويعتقد أكثر من 70% من الإسرائيليين، وفقاً لبعض استطلاعات الرأي، أن نتنياهو يجب أن يتحمل مسؤولية الإخفاقات الأمنية التي حدثت في 7 أكتوبر/تشرين الأول وأن يستقيل.
ويُظهر استطلاع موقع معاريف الإلكتروني الوضع نفسه تقريباً. فبحسب هذا الاستطلاع، سيفوز خصوم نتنياهو في الانتخابات بـ 61 مقعداً، بينما ستفوز حكومة نتنياهو بـ 49 مقعداً فقط، وستبقى الأحزاب العربية خارج الحكومة اليسارية بـ 10 مقاعد.
وفي استطلاعات رأي منفصلة، يُعدّ كل من حزب الليكود وحزب يشار المنافسين الرئيسيين بـ 21 مقعداً، ويأتي حزب "متحدون معاً" (بينيت ولابيد) في المرتبة الثانية بعد الليكود ويشار بفارق مقعد واحد.
وتُجرى الانتخابات المقبلة في ظل استمرار الحروب في غزة ولبنان والتوترات مع إيران. حاول نتنياهو الحفاظ على دعم اليمين بتسليط الضوء على "إنجازاته" ضد إيران وحزب الله، لكن التكاليف الاقتصادية والبشرية للحروب زادت من استياء الرأي العام.
كما مثّلت الخلافات حول قانون إعفاء الحريديم (اليهود الأرثوذكس المتشددين) من الخدمة العسكرية نقطة خلاف حادة داخل ائتلاف نتنياهو. يسعى حزب شاس وحزب اليهودية الموحدة للتوراة إلى سنّ تشريع يمنح إعفاءات واسعة لطلاب المعاهد الدينية اليهودية (اليشيفا)، لكن هذا المقترح قوبل بمعارضة شعبية واسعة، حتى من بعض أعضاء حزب الليكود. يدرس نتنياهو المضي قدمًا في مشروع قانون لحل الكنيست بهدف منع تمرير هذه القوانين المثيرة للجدل. وقد أقرّ الكنيست مشروع القانون في قراءته الأولى في مايو/أيار بأغلبية 106 أصوات مقابل لا شيء، ما قد يؤدي إلى تأجيل الانتخابات إلى 20 أكتوبر/تشرين الأول أو حتى قبل ذلك.
ولا تزال مشاكل نتنياهو القانونية وقضايا الفساد تُلقي بظلالها الثقيلة على حملته الانتخابية. كما شملت استراتيجية الائتلاف لإضعاف مؤسسات الرقابة محاولات إصلاح دور النائب العام والحد من الصلاحيات القضائية، إلا أن هذه الإجراءات زادت من حدة الاستقطاب في المجتمع.
على اليمين المتطرف، ورغم دعمهما لنتنياهو، فإن إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، في بعض استطلاعات الرأي، يحتلان مراكزَ عند أو دون العتبة الانتخابية، مما قد يقلل من فرص تشكيل حكومة يمينية. كما لا تزال الأحزاب العربية منقسمة، ودورها في الحكومة المقبلة غير واضح، مع أن المعارضة الصهيونية عادةً ما تتجنب دعمها.
آفاق الانتخابات الإسرائيلية
على الرغم من تفوق المعارضة النسبي في استطلاعات الرأي، فإن تشكيل حكومة مستقرة لن يكون بالأمر الهين. سيتطلب تشكيل كتلة المعارضة تنسيقًا دقيقًا بين بينيت، ولابيد، وإيزنكوت، وربما المعتدلين. ولا يزال نتنياهو يستفيد من وحدة اليمين الديني واليمين المتطرف، وقد أثبت التاريخ براعته في مفاوضات تشكيل الائتلافات.
ستكون انتخابات عام 2026 من أهم الانتخابات في تاريخ الكيان الإسرائيلي، إذ لن تحدد مصير نتنياهو فحسب، بل سترسم أيضًا مسار السياسات الأمنية والقضائية والدينية لسنوات قادمة. في ظل استمرار التوترات الإقليمية، يركز الناخبون الإسرائيليون أكثر من أي وقت مضى على القضايا الداخلية كالاقتصاد، وأمن الشمال، واستثناءات الحريديم.
وإجمالاً، يشير الاتجاه الحالي إلى قرب نهاية حقبة نتنياهو الطويلة، إلا أن تطورات اللحظات الأخيرة، أو احتمالية نشوب حروب جديدة، أو التوصل إلى اتفاقات سياسية مفاجئة، قد تُغير المعادلة تماماً.
وتصف وسائل الإعلام الإسرائيلية والمراقبون الدوليون الانتخابات بأنها تصويت على الثقة أو سحبها من قيادة نتنياهو في خضم أزمات متعددة.
