الوقت - تُعتبر العلاقة بين الإمارات والكيان الصهيوني من أهم التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. ومع توقيع اتفاقيات إبراهيم في سبتمبر/أيلول 2020، بوساطة أمريكية، أقامت الدولتان علاقات دبلوماسية رسمية.
لكن التعاون الأمني والاستخباراتي والعسكري بينهما له جذور أعمق، واستمر سرًا لسنوات قبل تطبيع العلاقات. وقد تأكدت هذه الحقائق الآن على نطاق واسع من خلال الكشف عن العديد من الوثائق السرية.
تقوم هذه العلاقات على مصالح استراتيجية مشتركة، ولا سيما القلق المشترك إزاء نفوذ إيران وحلفائها كحماس وحزب الله. وتعتبر الإمارات العربية المتحدة إسرائيل شريكاً أساسياً لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التهديدات الإقليمية، بينما يسعى الكيان الإسرائيلي إلى توسيع نفوذه في الدول الخليجية والوصول إلى أسواق أسلحة جديدة.
وقد باتت هذه الشراكات تُعتبر حقائق مُسلّم بها عالمياً، استناداً إلى وثائق مُسرّبة وتقارير دولية، وأثارت ردود فعل واسعة النطاق في الدول العربية.
خلفية التعاون الأمني قبل الاتفاقية
كان التعاون الاستخباراتي والأمني قائماً بين أبوظبي وتل أبيب قبل عام 2020. وتشير التقارير إلى بيع تقنيات سيبرانية وطائرات مسيّرة وأنظمة مراقبة إسرائيلية إلى الإمارات. فعلى سبيل المثال، أطلقت الإمارات في عام 2016 نظام "عين الشاهين" للمراقبة الحديثة بتقنية إسرائيلية.
وقد بلغت مبيعات إسرائيل السنوية من المعدات الأمنية إلى الإمارات عشرات الملايين من الدولارات. وتهتم الإمارات بأنظمة الدفاع الصاروخي مثل القبة الحديدية، كما تعاونت في المجال السيبراني لمواجهة التهديدات المشتركة. شكّلت هذه العلاقات السرية جزءًا من استراتيجية الإمارات العربية المتحدة لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة وتعزيز موقفها في مواجهة منافسيها الإقليميين.
وثائق سرية مسربة وتأكيدها عالميًا
تُظهر وثائق مسربة، ضمن إطار "أسرار أبوظبي" التي نشرتها مصادر دولية موثوقة، بشكل قاطع أن الإمارات قدّمت سرًا دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا ولوجستيًا واسع النطاق للكيان الإسرائيلي.
ووفقًا لهذه الوثائق، التي باتت مرجعًا عالميًا، قدّمت الإمارات في عام 2023 مقترحات محددة لدعم الكيان الإسرائيلي في حرب غزة، بما في ذلك استخدام قواعد مرتبطة بها في اليمن وإريتريا والصومال لعمليات إسرائيلية، وتوفير معدات استخباراتية بقيمة مليار دولار تقريبًا.
وتؤكد هذه الوثائق أن الإمارات وصفت الكيان الصهيوني بـ"الدولة الشقيقة" وشجعته على مواصلة العملية حتى "هزيمة الإرهابيين" (حماس).
وقد حظيت هذه المعلومات بتغطية إعلامية دولية واسعة، واعتُبرت حقائق مؤكدة. وقد أثارت هذه السياسة المزدوجة ردود فعل قوية من الرأي العام ووسائل الإعلام العربية، معتبرةً إياها خيانةً للقضية الفلسطينية. وقد احتجت العديد من الدول العربية والإسلامية على هذا التعاون السري على المستويين الشعبي والرسمي.
توسع التعاون العسكري بعد الاتفاق واكتساب أبعاد إقليمية ودولية
بعد عام 2020، أصبح هذا التعاون أكثر وضوحًا وتوسعًا. ومن أبرز ملامحه:
أ) مناورات عسكرية مشتركة، مثل المناورات البحرية في البحر الأحمر في نوفمبر 2021 بمشاركة الولايات المتحدة والبحرين والإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني.
ب) صفقات أسلحة ضخمة بين الكيان الإسرائيلي والإمارات العربية المتحدة، أسفرت عن نشر منظومتي الدفاع الجوي الإسرائيليتين "باراك" و"سبايدر" في الإمارات، وشراء طائرات "هيرميس 900" المسيّرة، وصفقات أسلحة بمليارات الدولارات.
ج) تعاون سيبراني معمق وتبادل معلوماتي ضد محور المقاومة والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
د) خلال حرب غزة والتوترات مع إيران، أرسل الكيان الإسرائيلي منظومات دفاعية مثل "القبة الحديدية" إلى الإمارات العربية المتحدة، ونشر أفرادًا إسرائيليين للمشاركة في العمليات.
تُعدّ هذه العلاقات جزءاً من إعادة هيكلة البنية الأمنية لمنطقة غرب آسيا لصالح الكيان الإسرائيلي. وبهذا النهج، وسّعت الإمارات العربية المتحدة نفوذها في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وأنشأت شبكة من القواعد في اليمن والصومال وإريتريا، ترتبط ارتباطاً مباشراً بالتعاون الاستخباراتي والعسكري مع الكيان الإسرائيلي.
استُخدمت هذه الشبكة للسيطرة على الممرات المائية الحيوية ودعم عمليات الكيان الصهيوني. وفي حرب غزة، أرسلت الإمارات العربية المتحدة مساعدات إنسانية في الوقت نفسه للحفاظ على مظهر متوازن، لكن وثائق مُسرّبة كشفت عن تقديم دعم عسكري واستخباراتي كامل للكيان الصهيوني في الخفاء. وقد أثارت هذه السياسة المزدوجة احتجاجات واسعة النطاق في العالم العربي والإسلامي، ووضعت الإمارات في موقف حرج.
مستقبل العلاقات الدولية وردود الفعل
انتقلت العلاقات بين الإمارات والكيان الصهيوني من مرحلة سرية إلى تعاون دفاعي صناعي علني وعميق، مما غيّر المعادلات الإقليمية. وقد عززت المصالح المشتركة ضد إيران وجماعات المقاومة، إلى جانب التكنولوجيا التي يمتلكها الكيان الصهيوني وعاصمة الإمارات، هذا التعاون.
لعبت الإمارات دورًا فاعلًا في الجبهة المناهضة لإيران، واتخذت العديد من الإجراءات ضدها بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. بحسب وثائق وتقارير موثقة، وفرت الإمارات العربية المتحدة قواعدها للعمليات المشتركة، ونقلت معلومات استخباراتية آنية إلى الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، بل وشاركت بشكل مباشر في غارات جوية منسقة ضد منشآت إيرانية (بما في ذلك أهداف في قشم وأبو موسى وبندر عباس والعسلوية).
وخلال النزاعات الأخيرة، أرسل الكيان الصهيوني منظومة القبة الحديدية وقوات عسكرية إلى الإمارات لحمايتها من الردود الإيرانية. وشمل هذا التعاون تبادلاً واسعاً للمعلومات، واستخدام قواعد إماراتية في القرن الأفريقي لعمليات ضد المصالح الإيرانية، ودعماً لوجستياً كاملاً للهجمات المشتركة. وقد أدت هذه الإجراءات المعادية لإيران، والتي تُعد جزءاً من سياسة الإمارات المزدوجة، إلى تصويرها كشريك رئيسي للمحور الأمريكي الصهيوني في الحرب ضد إيران.
وقد كشفت تسريبات الوثائق السرية، التي باتت مقبولة عالمياً، هذه السياسة المزدوجة للعيان، وأثارت ردود فعل احتجاجية قوية من الدول العربية والرأي العام في العالم الإسلامي.
يعتمد مستقبل هذه العلاقات على التطورات الإقليمية، لكن من الواضح أن الإمارات العربية المتحدة تبنت نهجاً براغماتياً بإعطاء الأولوية للأمن القومي والتعاون الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني، وهو ما كلفها ثمناً باهظاً في سمعتها في العالم العربي.
