الوقت - مع تضاعف التكهنات بشأن احتمالية اندلاع مواجهة عسكرية شاملة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني، باتت الأراضي المحتلة في الأيام الأخيرة مسرحاً لفوضى خفية ورعب متفاقم، وقد بلغت التوترات ذروتها إثر التهديدات الأخيرة الصادرة عن طهران وواشنطن، فيما يعيد المستوطنون استحضار مشاهد القصف الصاروخي الذي عاشوه خلال الحرب التي دامت اثني عشر يوماً في يونيو 2025، ليتهيؤوا اليوم لسيناريوهات أشدّ هولاً وأعظم خراباً.
على وقع هذه المخاوف، تهافت المستوطنون على شراء المواد الأساسية بكميات كبيرة، ورفعت المستشفيات حالة التأهب إلى أقصى درجاتها، وأُعيد تجهيز الملاجئ تحسباً لأي طارئ، في الوقت ذاته، تضاربت تصريحات قادة جيش الاحتلال ومسؤوليه الأمنيين، ما زاد من حالة الارتباك والذعر، ليبدو أن كابوس الحرب بات يخيّم على المشهد، حابساً أنفاس الجميع تحت وطأة الترقب المرير.
وقد ألهبت تهديدات المسؤولين الإيرانيين الأخيرة، التي توعدت بردود أوسع نطاقاً في حال أي عدوان إسرائيلي أو أمريكي، لهيب المخاوف في قلوب الصهاينة، فطهران تؤكد أن قدراتها الردعية قد تعززت خلال السنوات الماضية، وأن أي صراع قادم لن يقتصر على ساحة واحدة، بل سيمتد ليشعل نيران الأزمة في أرجاء المنطقة، ويدرك الصهاينة جيداً أن الحرب المقبلة، إن وقعت، لن تكون كسابقاتها، وأن أهدافاً أكثر حساسيةً كمحطات الطاقة، والمستوطنات، والمنشآت الحيوية ستكون في مرمى النيران.
وفي هذا السياق، أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها “معهد الدراسات الأمنية القومية الإسرائيلي” (INSS) في يناير 2026، أن الغالبية العظمى من المستوطنين باتوا يرون في الحرب مع إيران احتمالاً وشيكاً، بل أبدوا قلقاً عميقاً حيال مستقبل أمنهم، ووفقاً لهذه الاستطلاعات، فإن 62.5% من الصهاينة يعتقدون أن الأشهر المقبلة ستشهد تجدد المواجهة مع إيران، ما يعكس حالةً من اليأس والخشية من قادم الأيام.
الملاجئ وسباق شراء المؤن: هرولة من أجل البقاء
امتدّت ظلال الرعب الكثيف إلى الأزقة والمنازل في الأراضي المحتلة، فبات الهلع ضيفاً ثقيلاً يطرق كل باب، وعلى الرغم من توصيات الجهات الرسمية التي دعت إلى “التحلّي بالهدوء” و"عدم الحاجة للشراء المفرط"، إلا أن المستوطنين هرعوا إلى المتاجر كمن يفرّ من الموت إلى الموت، يكدّسون المواد الأساسية من ماء معبأ، وأطعمة جافة ومعلبة، وبطاريات، ومصابيح طوارئ، وصناديق إسعاف أولي، وكأن الطوفان على الأبواب.
وفي حديث تلفزيوني ألقى بظلاله على القلوب، نصح العقيد الاحتياطي نير نيومان، قائد وحدة الطوارئ المحلية في ريشون لتسيون التابعة لقيادة الجبهة الداخلية، المستوطنين قائلاً: “تأكدوا من وصول جميع أفراد عائلاتكم إلى الغرفة الآمنة، وأحكموا إغلاق النوافذ الفولاذية. احرصوا على تخزين عبوة مياه واحدة على الأقل مكونة من ست زجاجات، ومصباح طوارئ مع بطاريات، وبعض الطعام الجاف أو المعلب، ولا تنسوا صندوق الإسعافات الأولية”، هذه الكلمات، وإن بدت تعليمات تقنية، كانت وقوداً جديداً لمخاوف المستوطنين، فأذكت نار الهلع في نفوسهم.
هشاشة البنية التحتيّة: عندما يصبح الأمان وهماً
ورغم كل هذه التحذيرات، يعترف خبراء صهاينة بأن البنية التحتية الدفاعية للكيان تعاني من تصدعات خطيرة، فحسب الإحصائيات الرسمية، فإن أكثر من 2.6 مليون مستوطن يفتقرون إلى وسائل الحماية المعيارية، بينما لا تتجاوز نسبة المنازل المزوّدة بغرف آمنة 38%، أما بقية السكان، فلا ملاذ لهم سوى الملاجئ العامة القديمة، التي يعاني كثير منها من الإهمال، وأخرى باتت مغلقةً أو حولّت إلى استخدامات أخرى.
وفي الميدان العسكري، أجرى جيش الاحتلال مؤخراً مناورةً ضخمةً للدفاع المدني، تم خلالها محاكاة سيناريو هجوم إيراني يشمل إطلاق ألفي صاروخ على مراكز سكانية، هذه المناورة، التي نُفذت في قاعدة زيكيم العسكرية جنوب تل أبيب، شارك فيها مئات الجنود وعناصر الإنقاذ، وشملت مشاهد تحاكي انهيار المباني ودماراً واسعاً في المدن عقب الهجوم.
الإعلام الصهيوني: ناقوس الخوف لا يتوقف
وفي خضم هذه الأجواء المتوترة، لم تفوّت وسائل الإعلام الصهيونية الفرصة لتأجيج المخاوف، فامتلأت عناوين الصحف والمواقع الإخبارية بتحليلات تحذيرية وهواجس مرعبة عن هجوم إيراني وشيك. التحذيرات التي أطلقها الخبراء الصهاينة حول عواقب الضربات الإيرانية المتوقعة، إلى جانب الانتقادات الحادة لعدم جاهزية الجبهة الداخلية لإدارة الأزمات، زادت الطين بلةً، وعمّقت شعور القلق في الأراضي المحتلة.
وفي مقال كتبه الصحفي الصهيوني نحما دوئك، أشار إلى حالة القلق التي تسيطر على المستوطنين قائلاً: “لا يكاد يمرّ يوم دون أن يسألني أحدهم: هل ستندلع الحرب مع إيران من جديد؟ يُطرح السؤال وكأنني عضو في المجلس الوزاري الأمني المصغر!”.
نشر الدفاعات داخل الأحياء السكنية
وفي خطوة غير مسبوقة منذ حرب يونيو 2025 التي استمرت اثني عشر يوماً، وردت تقارير عن نشر أنظمة دفاع جوي داخل الأحياء السكنية، ومع أن هذا الإجراء يهدف إلى تعزيز الحماية، إلا أن خبراء عسكريين حذّروا من أنه قد يجعل المستوطنات أهدافاً مباشرةً للهجمات الإيرانية القادمة، ما يفاقم من خطورة الوضع.
الجنة الموعودة أم الجحيم المنتظر؟
يمكن وصف المشهد الراهن في الأراضي المحتلة بأنه “رعب منظم”، حيث تتقاطع تحذيرات العسكريين والمحللين مع واقع ميداني يكشف هشاشة الاستعدادات، فمن جهة، تتعالى الأصوات التي تؤكد أن الحرب مع إيران باتت مسألة وقت، وأن الضربات الإيرانية المقبلة ستطال كل شبر في الأراضي المحتلة، ومن جهة أخرى، تعكس الحقائق الميدانية – من نقص الملاجئ، وغياب التجهيزات الصحية، وحمى شراء المؤن – صورة مجتمعٍ يغرق في دوامة من القلق الوجودي.
لقد أكدت حرب يونيو 2025 والهجمات الصاروخية الإيرانية أن كل الأراضي المحتلة أصبحت ساحة حرب مكشوفة، ومع تهديدات طهران الأخيرة بردود ساحقة على أي عدوان، واعتراف الكيان بفشله في توفير الحماية الكافية لمواطنيه، يمكن القول إن سكان الأراضي المحتلة يعيشون اليوم أشدّ أيامهم رعباً.
إن “الصمود”، الذي طالما تغنّى به الصهاينة ووصفوه بأنه “السلاح الأهم”، يواجه اليوم اختباره الأصعب، ويبدو على شفا الانهيار، إذ إن حرباً أخرى قد تجعل ذلك الصمود أثراً بعد عين.
