الوقت- في 26 ديسمبر 2025، بدأ الکيان الصهيوني فصلاً جديداً وبارزاً في النطاق الجيوسياسي لشبه جزيرة القرن الأفريقي، إذ أعلن، بوصفه عضواً رسمياً في الأمم المتحدة، الاعتراف باستقلال جمهورية "أرض الصومال".
هذا الإجراء، الذي تم تحت عنوان "بروح اتفاقيات أبراهام"، هو تحرك استراتيجي يهدف إلى تغيير توازن القوى في البحر الأحمر وإنشاء خط دفاعي ضد المحاور المخطط لها. ففي الحقيقة، اعتراف الکيان الصهيوني بـ "أرض الصومال"، هو خطوة جيوسياسية واقتصادية وأمنية بحتة.
بوابة مضيق باب المندب
تقع أرض الصومال في واحدة من أكثر المناطق الجغرافية استراتيجيةً في العالم: ساحل طويل يطل على خليج عدن والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهي منطقة نشأت فيها العديد من المشاكل الاستراتيجية والتهديدات واسعة النطاق للأراضي المحتلة خلال العام الماضي، وكان أبرزها الحصار البحري اليمني على تجارة الکيان.
مصالح الکيان الصهيوني: في ظل تهديد أنصار الله اليمنية لحرية الملاحة للکيان الصهيوني وفرضها حصاراً بحرياً على غزة بسبب دعمها له، فإن الهيمنة السياسية والأمنية على أرض الصومال تمنح الکيان الصهيوني عيناً ساهرةً في أقرب نقطة إلى الساحة اليمنية.
أمن سلسلة التوريد الاقتصادية: وفقًا للصهاينة، فإن السيطرة والنفوذ على ميناء بربرة، يسمحان بإنشاء ثقل موازن للتهديد الذي يواجه طرق التجارة البحرية التي تمر عبر باب المندب باتجاه إيلات وقناة السويس.
احتواء "المحور التركي الصومالي"
تُعدّ الصومال حاليًا أقرب حليف لتركيا في أفريقيا. تحتفظ أنقرة بأكبر قاعدة تدريب عسكرية لها خارج تركيا، في مقديشو، ولها نفوذ واسع على الحكومة المركزية. ويُمثّل اعتراف "إسرائيل" بـ "أرض الصومال" ضربةً مباشرةً لأردوغان. فبينما تستثمر تركيا مليارات الدولارات لبناء دولة صومالية موحدة، تعمل "إسرائيل" على تعزيز كيان سياسي منفصل عن تلك الدولة.
اتفاق أبراهام: وفقًا للخبراء الصهاينة، فإن إدراج أرض الصومال تحت مظلة اتفاقيات أبراهام، يربطها بالمحور الاقتصادي والأمني للخليج الفارسي والکيان الصهيوني، ويبعدها عن تأثير محور المقاومة أو الجهات الفاعلة المنافسة الأخرى.
بحسب الخبراء، فإن الکيان الصهيوني يشتري لنفسه موطئ قدم في نقطة استراتيجية في البحر الأحمر، مما سيخلق خط مواجهة عسكرية ضد أنصار الله اليمنية من جهة، وسيوقف توسع النفوذ التركي في القرن الأفريقي من جهة أخرى. فبالنسبة لتل أبيب، فإن أرض الصومال ليست مجرد دولة جديدة على الخريطة، بل هي قاعدة جديدة لحماية طرقها التجارية، وهي أكبر نقطة ضعف في وجودها.
ردود فعل أنصار الله على خطة الكيان الصهيوني
بناءً على التقييمات، فإن أنصار الله، بما يملكونه من قدرات عسكرية متقدمة ومعلومات استخباراتية عن تحركات الكيان الصهيوني في المنطقة، قادرون على شنّ ضربات عديدة على قواعد سرية ومواقع يتمركز فيها ضباط صهاينة في منطقة أرض الصومال الانفصالية، کما أن وجود القوات الإسرائيلية في هذه المنطقة، لا يوفّر سوى أهداف ملائمة وسهلة الوصول لهجمات المقاتلين اليمنيين.
وفي وقت سابق، أدان نائب وزير الخارجية اليمني عبد الواحد أبو راس بشدة الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى مدينة هرجيسا في الصومال. وأكد أبو راس، مكرراً "موقف اليمن الثابت في دعم الشعب الصومالي وأمن واستقرار هذا البلد"، قائلاً: "إن أي وجود إسرائيلي في منطقة أرض الصومال، يعتبر هدفاً عسكرياً مشروعاً للقوات المسلحة اليمنية".
وشدّد أبوراس قائلاً: "إن أي وجود للکيان الصهيوني في الأراضي الصومالية هو خط أحمر، والتحالف مع هذا الکيان لن يؤدي إلا إلى الإذلال والخسارة، ولن يساعد فقط في حل الأزمات الداخلية، بل سيؤدي أيضاً إلى تفاقمها وتعقيدها".
بحسب تقييم الصهاينة، فقد أحرز جيش أنصار الله اليمني تقدماً كبيراً في تكنولوجيا أسلحته العسكرية، وخاصةً الصواريخ بعيدة المدى، خلال العام الماضي، ولم يستخدم حتى الآن قوته الصاروخية الرئيسية في هجمات صاروخية وطائرات مسيرة على الأراضي المحتلة، ولم تُظهر أنصار الله قوتها الهجومية الحقيقية. كما أن ادعاءات المسؤولين العسكريين في الکيان الصهيوني تشير إلى أن أنصار الله، مثل القوات المسلحة الإيرانية، يمتلكون صوامع صواريخ تحت الأرض ومدنًا واسعة النطاق، الأمر الذي أثار قلقًا كبيرًا في البنية الأمنية والعسكرية لهذا الکيان.
حرب أنقرة وتل أبيب السرية: صراع على النفوذ في القرن الأفريقي
بعد اعتراف الکيان الصهيوني بانفصاليي أرض الصومال، وصفت تركيا هذه الخطوة بأنها غير قانونية وانفصالية، وأكدت دعمها الكامل لوحدة أراضي الصومال. وقد أدى ذلك إلى تصعيد الحرب بالوكالة بين أنقرة وتل أبيب في المنطقة.
تری تركيا، التي تعتبر الصومال أحد أركان سياستها لتوسيع نفوذها في أفريقيا وقامت ببناء أكبر قاعدة عسكرية أجنبية لها في مقديشو، أن خطوة تل أبيب تشكل تهديداً مباشراً لأمنها ومصالحها الجيوسياسية. وثمة بُعد آخر لهذه المنافسة أو الحرب بالوكالة يتمثل في التطورات في سوريا، التي تشهد حاليًا مواجهةً مباشرةً بالوكالة بين أنقرة وتل أبيب.
فعلى مدار العام الماضي، أصبحت سوريا مسرحاً لعمليات الجيش الإسرائيلي، وتم إبعاد قوات حكومة أردوغان عملياً من الساحة السورية، والتي تعرضت لهجمات جوية إسرائيلية مكثفة عشرات المرات، وهي قضية أغضبت أنقرة بشدة، لأنه يبدو أن جميع جهود حكومة أردوغان للسيطرة على سوريا بعد سقوط حكومة بشار الأسد قد انتهت لصالح تل أبيب، وأن تركيا قد فشلت مرةً أخرى في الملف السوري.
وبحسب وسائل الإعلام والمحللين الناطقين باللغة العبرية، فإن نشر الجيش التركي لأجهزة الرادار في سوريا يثير قلقاً بالغاً لدى الکيان الإسرائيلي، حيث إنها مصممة للحدّ بشكل كبير من حرية عمل القوات الجوية للکيان في سماء المنطقة، ولتحديد الطائرات المقاتلة التي تحلّق لمهاجمة نقاط مختلفة في المنطقة.
لذلك، ستستمر التدابير العسكرية والأمنية للكيان الصهيوني التي تهدف إلى إضعاف حکومة الجولاني والإضرار بمصالح تركيا في سوريا، وفي المقابل، ستواصل تركيا إجراءاتها لمنع الصهاينة من زيادة هيمنتهم على مختلف مناطق سوريا.
