الوقت- عند الكلام عن معادلات المنطقة الخاصة بالتحالفات والائتلافات في غرب آسيا، أصبح من الصعب الحديث عن السعودية والامارات كبلدين متحدين. لقد كان البلدين متحدين في كثير من مواقفهما السياسية في ملفات المنطقة الحساسة مثل الهجوم الأمريكي على العراق، التعامل الأمني مع أحداث الربيع العربي مثل قمع مظاهرات البحرين، والدعم الكامل جبهة المعارضة السورية المسلحة والمجاميع الإرهابية ضد حكومة بشار الأسد، مواجهة الاخوان المسلمين مثل دعم انقلاب الجنرال السيسي على حكومة محمد مرسي الاخوانية في مصر عام 2013، واعلان محاصرة ومقاطعة قطر عام 2017، بالإضافة الى الضغط السياسي والاقتصادي على حكومة لبنان للضغط على حزب الله، وغيرها.
إلا أنه في السنوات الأخيرة، تحول دور أبو ظبي والرياض في التطورات الإقليمية تدريجياً من الشراكة إلى المنافسة، وفقدت الدولتان تماماً صورة الوحدة بينهما، لدرجة أنه حتى في حالة اليمن، حيث شكلتا في السابق تحالفاً عسكرياً ضد صنعاء، فقد انجرتا الآن إلى مواجهة عسكرية.
بعد التقدم السريع لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلة، المدعومة من الإمارات العربية المتحدة وحلفائها في "قوات النخبة الحضرمانية" في محافظتي حضرموت والمهرة، وتمكنها من السيطرة على الوضع في هذه المناطق في وقت قصير، استعادت المملكة العربية السعودية السيطرة على الوضع في هذه المناطق وخارجها في محافظة شبوة لقواتها تحت مسمى الدرع الوطني، وذلك من خلال شن غارات جوية مكثفة وضربات بطائرات مسيرة على القوات الإماراتية للانسحاب من جنوب اليمن.
كانت شدة رد فعل المملكة العربية السعودية غير متوقعة للغاية، حيث أنها وضعت المسمار الأخير في نعش المشروع المشترك مع أبو ظبي في قضية اليمن، وأدت إلى عواقب مهمة مثل الإعلان عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي وهروب زعيمه عيدروس الزبيدي، ومن المرجح أن يكون لذلك عواقب وخيمة على هيكل حكومة الائتلاف بقيادة المجلس الرئاسي وعلى المعادلات الميدانية العامة في مستقبل جنوب اليمن.
فيما يلي تحليل لأسباب رد الفعل القوي الذي أبدته المملكة العربية السعودية تجاه الأحداث في جنوب وشرق اليمن:
1- يركز نهج المملكة العربية السعودية تجاه المنطقة على تخفيف حدة التوترات، لأن الصراعات الإقليمية المستمرة تُشكل تهديداً لنجاح خطط الرياض التنموية والاقتصادية الطموحة. من أجل دفع الخطط الاقتصادية في إطار رؤية 2030 لتصبح اقتصاداً متطوراً غير نفطي، تحتاج المملكة العربية السعودية إلى جذب استثمارات أجنبية كبيرة، وتطوير قطاع السياحة، ولعب دور في ممرات التجارة الدولية، ووجود شركات تكنولوجية كبيرة، وغير ذلك من الأمور الضرورية للحفاظ على الاستقرار في الدول الخليجية. وكان هذا التوجه جزءاً من الدوافع الرئيسية للرياض لتوقيع اتفاق بكين، الذي توسطت فيه الصين بين إيران والمملكة العربية السعودية، وكان الدخول في مرحلة لا حرب ولا سلام مع صنعاء، نابعاً من هذا النهج.
2- تعتبر المملكة العربية السعودية النزعات الانفصالية على حدودها الجنوبية تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وقد يؤدي الصراع في جنوب اليمن، إلى جانب إضعاف المجلس الرئاسي بقيادة الرياض وتعزيز موقف أنصار الله في التطورات اليمنية، إلى إعلان استقلال الجنوب. لطالما انتاب المملكة العربية السعودية قلق بالغ إزاء تنامي حالة عدم الاستقرار داخل حدودها، لا سيما في محافظات جيزان ونجران وعسير الغنية بالنفط. ولليمن مطالبات إقليمية في محافظات عسير ونجران وجيزان الخاضعة للسيطرة السعودية. تم التنازل عن هذه المحافظات للمملكة العربية السعودية لمدة 20 عامًا بموجب معاهدة الطائف في عام 1934، ولكن تم تمديد هذه المعاهدة في أعوام 1954 و1974 و1995، على الرغم من رغبات اليمن وتحت ضغط سعودي.
في المقابل، تنتهج الإمارات العربية المتحدة، عبر توظيفها لقوات مشاة المجلس الانتقالي، سياسة تقسيم اليمن بهدف السيطرة الكاملة على الجزر والموانئ الاستراتيجية في جنوب اليمن، وهي سياسة لا تصبّ في مصلحة السعودية على الإطلاق.
3- من جهة أخرى، قد يؤدي استمرار هذا التوجه إلى التشكيك في تماسك مجلس التعاون الخليجي وتهديده. وتعتبر المملكة العربية السعودية نفسها قائدة مجلس التعاون الخليجي، وتنظر إليه كقوة موازنة في مواجهة منافسيها الإقليميين الرئيسيين في غرب آسيا، مثل تركيا وإيران.
4- تتنافس الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية اقتصادياً على مستوى المنطقة منذ زمن طويل، وهو تنافس ذو أهمية بالغة. ففي العقود الأخيرة، سعت الإمارات العربية المتحدة إلى تعزيز مكانتها في التجارة الدولية في منطقة واسعة تمتد حدودها من الخليج الفارسي إلى خليج عدن والقرن الأفريقي والبحر الأبيض المتوسط، وذلك من خلال سياسة الاستثمار في موانئ دول أخرى عبر شركة موانئ دبي العالمية. إن نجاح خطة الإمارات في جنوب اليمن سيضع جانبي شبه الجزيرة، من ميناء جبل علي إلى ميناء عدن، تحت سيطرة أبوظبي. وهذا أمر صعب وغير مقبول بالنسبة للسعودية، التي تسعى إلى التحول إلى مركز عالمي للتجارة والذكاء الاصطناعي. تعتبر الرياض الإمارات العربية المتحدة، وخاصة دبي، منافساً جدياً لها في هذا الصدد. وكانت المملكة العربية السعودية قد طلبت سابقاً من الشركات الاقتصادية متعددة الجنسيات نقل مقراتها الرئيسية من الإمارات إلى الرياض.
5- التنافس في مختلف القضايا الإقليمية، لا سيما في السودان والصومال. خلال زيارته لواشنطن في نوفمبر، مارس بن سلمان ضغوطاً كبيرة على البيت الأبيض لحث الإمارات العربية المتحدة على وقف دعم قوات الدعم السريع. أثار برنامج بناء التحالفات الذي يجري تنفيذه علناً في القرن الأفريقي، بالتنسيق مع الإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني، لتقسيم الصومال والسودان، مخاوف في المملكة العربية السعودية، التي ترغب في الحفاظ على وحدة أراضي هذه الدول، لا سيما وأن سياسة الإمارات العربية المتحدة تتمثل في الوصول إلى موانئ ومناجم هذه الدول المهمة، وتوسيع نفوذها في العالم العربي، والاستيلاء على مكانة المملكة العربية السعودية.
6- سعي المملكة العربية السعودية لإثبات هيمنتها في المنطقة العربية. كان من الطبيعي أن تخضع الإمارات العربية المتحدة، بموقعها الجيوسياسي الهش، للمملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة الأكبر.
7- الخلافات داخل تحالف أوبك+ بشأن مستويات الإنتاج والفجوات التقنية والمالية العميقة التي نشأت بين البلدين
