الوقت - وقعت الحادثة في أوائل هذا الأسبوع، حيث اغتيل حسين العلّاق، وهو من قادة التيار الصدري، في حي المعلّمين وسط مدينة العمارة، عاصمة محافظة ميسان، على يد عناصر مجهولة، ولم تكد نار المصاب تهدأ بعد، ولا التحقيقُ قد أفضى إلى يقين، حتى اندلع لهيبٌ آخر، إذ نشبت مواجهات عنيفة بين عناصر من تيار الصدر ومناصرين لحركة “عصائب أهل الحق”، بقيادة قيس الخزعلي، فكان أن أُضرِمَت النيران في مكتب رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى المحمّداوي، المنتمي إلى العصائب، على يد عناصر من “كتائب السلام”.
ورغم دعوة مقتدى الصدر لأنصاره بكلمةٍ حازمة إلى ضبط النفس وتجنّب ردّات الفعل المتسرعة، إلا أنّ ما شهدته ميسان من توتّرٍ واضطرام، يُظهر أنّ الساحة حبلى بفجائع أعظم، وأنّ الرياح العاصفة قد لا تُبقي ولا تذر، إن اشتعل هشيم الغضب بين الإخوة في العراق.
بهذا المشهد، لا يُعدّ اغتيال العلّاق مجرد حادثٍ أمني عابر، بل هو سهمٌ مسموم أُطلق في جنح الظلام لإشعال نار الاحتراب الداخلي بين أبناء الطائفة الواحدة، وتمزيق نسيج المقاومة العراقية من داخلها، فهذا الاستهداف جاء في سياق احتقانٍ متراكم، وتنافرٍ قديم بين تيارين وازنين من الكيان الشيعي، هما: تيار الصدر، وعصائب أهل الحق، ما يمنح الجريمة أبعاداً استراتيجية وخلفيات متشابكة تُنذر بعواقب وخيمة.
وما عزّز من مخاوف التصعيد، تغذية بعض الوسائل الإعلامية القريبة من خصوم الصدر لادعاءات قديمة تربط بين العلّاق وملفّ اغتيال وسام العلاوي، أحد أبرز قادة العصائب، إبان انتفاضة عام 2019، وهو ملفّ قديم جديد ما زالت جراحه تنزف، آنذاك، نُقل أنّ وسام العلاوي وشقيقه سقطا قتيلين في هجوم على مقر الحركة في ميسان، فتراكمت الأحقاد والغضب بين الفريقين.
عائلة العلّاق، وقد استأنفت النحيب بعد صمت، أوضحت أنّ فقيدهم كان قد فارق ميسان منذ ثلاثة عشر عاماً، منتقلاً إلى البصرة طلباً للعافية، ولم يعد إليها إلا منذ شهر، لتنتظره رصاصة ورحيل لا رجعة فيه.
ويُذكر أنّ زعيم التيّار الصدري، مقتدى الصدر، كان قد أمر قبل قرابة شهر بتجميد نشاط “سرايا السلام” وتعليق عمل مكاتبها في محافظتي البصرة وواسط، لستة أشهر، كخطوة قال عنها المراقبون إنّها محاولة لتهدئة الساحة وإعادة ترتيب الأوراق، غير أنّ رياح أحداث ميسان جاءت عكس تلك التطلعات.
وما بين صمتٍ يلوذ بالحذر، وغضبٍ يغلي في مكامن الصدور، يُحذّر المحلّلون من انزلاق الحالة الشيعية نحو صراعٍ دموي لا يُبقي ولا يذر، وخاصةً في ظلّ مشهدٍ سياسي مرتبك، وتحضيرات متعثرة لتشكيل الحكومة المقبلة، ما يُرجّح أنّ السيناريو برمّته قد نسجت خيوطه في غرف مظلمة على أيدي مخابرات إقليمية ودولية، تسعى لإفراغ العراق من مقاومته، وإسقاطه في هاوية الاستتباع.
الأهداف المحتملة واللاعبون من خلف الستار
لم يأت اغتيال العلّاق من فراغ، بل هو مؤامرة تتسع جذورها وتتفرع فروعها؛ فقد تجلّى للعيان أنّ ثمّة دوافع مريبة ومصالح كامنة تحرّك خيوط النزاع، تسعى إلى تغذية الصراع وإشعال الفتنة بين أركان الطيف الشيعي في العراق.
تصطفّ في هذه المؤامرة أيادٍ داخليّةٌ وأخرى خارجيّة تُخفي خناجرها تحت أكمام الدبلوماسيّة الناعمة، ويمكن تلخيص أبرز غاياتهم في وجوه ثلاث:
أولاً: تسريع مشروع نزع سلاح فصائل المقاومة
لقد باتت فصائل المقاومة، وفي مقدّمتها الحشد الشعبي، جزءاً أصيلاً من ضمير الشعب العراقي، وعقبةً كؤوداً أمام الأجندات التي شاءت أن تُبقي العراق رَهْن الاحتلال المباشر أو بالنيابة، ولهذا، فإنّ مشروع نزع سلاح هذه الفصائل، الذي تلوكه واشنطن بين آنٍ وآخر، يصطدم بجدار الوعي الشعبي والرفض الوطني، ومن هنا، يسعى المتآمرون إلى توظيف الاحتراب الداخلي، ولا سيّما بين التيار الصدري وكتائب العصائب، ذريعةً لتدويل الأزمة، وتبرير تدخل أمني خارجي بدعوى إحلال الاستقرار، وهو في حقيقته مشروع لـ"تقويض القوة" وتمزيق الكيان المقاوم.
ثانياً: ضرب اللحمة الشيعيّة وتمكين العدوّ المتربص
لعدوّ العراق، المتمثل في المشروع الأمريكي والصهيوني، مصلحةٌ وجوديّة في تمزيق البنيان الشيعي، وتفكيك وحدة مقاومته، ونقل بوصلة المواجهة من الحدود وخنادق الجهاد إلى الأزقة والدروب الداخلية، ففي حال استحكم الاقتتال، أغمضت المقاومة عينها عن القدس وجعلت وجهها صوب الأخ، لا العدو، وسالت أنهار الدم بين الأشقاء بدل أن تتفجّر في وجوه الغزاة، إنّ المخابرات الصهيونية والأمريكية – ولا سيما الموساد والسي آي إيه – يدفعان نحو هذا المنزلق، عبر تنفيذ عمليات اغتيالٍ مدبّرة، لتفجير بؤر التوتر ودفع الساحة إلى طوفان لا ساحل له.
ثالثاً: التأثير في مسار السياسة وتشكيل الحكومة
وقع هذا الاغتيال في ظرفٍ دقيقٍ تمرّ به البلاد، حيث تحتدم المنافسة داخل دهاليز السلطة على تحديد مواقع النفوذ في الحكومة المرتقبة، ومن شأن اختلال الساحة الأمنية، وبذر الانقسام في تربة الأطراف الشيعية البارزة، أن يعدّل موازين القوى، ويفتح الأبواب أمام اللاعبين التابعين أو “المدفوعين” من الخارج لاقتناص صدارة المشهد.
السيناريو المحتمل ومسؤولية الداخل
ثمة ما يدعو إلى الترجيح بأن حادثة الاغتيال لم تكن سوى المسمار الأول في نعش الاستقرار، وبداية سلسلة مدروسة من الاستهدافات “المفتعلة”، يُراد منها جرّ الطرفين إلى دورة جهنمية من العنف والعنف المضاد، عنوانها “الثأر”، ومضمونها: خروج زمام الأمر من يد الرموز والعقلاء، لتتولى الشوارع نطق الحكم بحدّ السلاح.
لزيادة المناعة أمام هذا المخطط الخبيث، لا بد من إجراءات عاجلة وحاسمة تنأى بالوطن عن منزلق الفتنة. وأهم تلك الإجراءات:
1. إنشاء لجنة مشتركة وعابرة للتيارات
الحكمة تقتضي تشكيل لجنة تمثّل التيار الصدري، وعصائب أهل الحق، وسائر فصائل المقاومة والحشد الشعبي، بمشاركة الأجهزة الأمنية الرسمية كجهاز المخابرات والأمن الوطني، تُناط بها مهمّة التحقيق العميق والكشف النزيه، لا الوقوع في فخ الاتهام المجاني أو تصفية الحسابات. والغاية القصوى هي تقصّي الحقيقة، وتعريه الخيوط الخفية التي حيكت منها الفتنة.
2. توحيد الخطاب ضد العدو المشترك
ما من سبيل لاستعادة البوصلة إلا بتجديد العهد على أنّ العدوّ الأوحد هو المشروع الصهيوني الأمريكي، وأنّ أي خصومة داخلية هي خدمةٌ غير مدفوعة لذلك العدو اللدود، يجب أن تتصدّر هذه الحقيقة كل منبر، وتُرفع بها الحناجر لتُخرس دعوات التشرذم.
3. مسؤولية القادة في خنق الفتنة لا إذكائها
على القادة أن يكونوا فوق الخصومات، أوفياء للدماء التي سالت في سبيل عراقٍ موحد، لا أسرى لانفعالات أنصارهم أو رهائن لصراخ الشارع، يجب أن يبادروا، بلسان الكبار، إلى وأد مشاريع الانتقام، وإرسال رسائل المودّة والوئام، وقد كان ذلك ظاهراً في كلمات قيس الخزعلي الذي، رغم احتراق مكتبٍ تابعٍ لحركته، أعلن رفضه للانجرار وراء الفتنة، ودعا إلى محاسبة الجناة عبر القضاء، محذّراً من صائدي الفرص ومُصطادي المكاسب من مياه الفوضى.
4. فضح خيوط المؤامرة إعلامياً
إذا ما تكشّفت معطيات عملية الاغتيال وتدلّت الخيوط إلى فاعلين خارجيين وأذرع تجسسية، يصبح لزاماً على أجهزة الدولة وقوى المقاومة أن تُعرض تلك الأدلة بشفافية أمام الشعب العراقي وأمام أعين العالم، فالتعرية الإعلامية للمتآمرين كفيلة بقطع ألسنتهم وشلّ حركتهم.
الخاتمة
في ظاهر الأمر، يبدو اغتيال حسين العلّاق ضربةً موجّهةً، لا إلى جسد رجل، بل إلى قلب المقاومة، إلا أن حسم مآلات هذا المشهد ليس رهن واشنطن ولا مرهون بتل أبيب، بل هو في يد العقلاء من أهل البيت العراقي، ممن يملكون زمام القرار ودفّات التدبير.
إن خوض هذه المرحلة الحرجة دون أن تسيل فيها الدماء أنهاراً، رهنٌ بأن يتحول هذا الجرح إلى عين بصيرة، وأن يُجعل من المحنة منحة، تُستثمر في تعزيز التنسيق الأمني، واستعادة روح الوحدة، والتأكيد على المقصد الأكبر: دحر الاحتلال، وصون السلاح المقاوم، وحراسة كرامة الوطن من كل دخيل.
