الوقت- في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ بدء الحرب على قطاع غزة، قرر الكيان الإسرائيلي عدم تجديد تراخيص عمل 37 منظمة إنسانية دولية كبرى، ما يعني فعليًا تعليق نشاطها الكامل في القطاع مع مطلع عام 2026.
القرار، الذي يشمل منظمات محورية مثل أطباء بلا حدود، وأوكسفام، والمجلس النرويجي للاجئين، وCARE International، ولجنة الإنقاذ الدولية، لا يُعد إجراءً إداريًا عابرًا، بل يمثل تصعيدًا استراتيجيًا يهدف إلى شلّ ما تبقى من النظامين الصحي والإغاثي، وتعميق الكارثة الإنسانية التي تهدد حياة أكثر من مليوني فلسطيني.
قرار إداري أم أداة حرب؟
حسب المعطيات المتوافرة، فإن الكيان الإسرائيلي استخدم نظام التراخيص كأداة سياسية وأمنية لمعاقبة المنظمات الإنسانية المستقلة، عبر فرض شروط تعسفية تتجاوز الأطر الإدارية المعروفة دوليًا، فبدل الاكتفاء بالمتطلبات الفنية والمالية المعتادة، فرضت سلطات الاحتلال معايير “تنقيط” عقابية تتعلق بمواقف المنظمات، بل حتى بآراء وتصريحات أي موظف يعمل لديها.
ويشمل القرار تعليق التراخيص اعتبارًا من الأول من يناير/كانون الثاني 2026، مع منح مهلة قسرية لا تتجاوز 60 يومًا لإنهاء العمليات بشكل كامل، أي بحلول مارس/آذار 2026، خلال هذه الفترة، ستُجبر المنظمات على إغلاق مكاتبها، وتعليق برامجها الميدانية، وتسريح أو نقل موظفيها الدوليين، في مشهد يشي بتفكيك ممنهج للاستجابة الإنسانية في غزة.
شروط تعجيزية وانتهاك صارخ للخصوصية
أحد أخطر جوانب القرار يتمثل في الشروط التي فرضها الكيان الإسرائيلي على المنظمات الإنسانية، والتي تتضمن إلزامها بتسليم بيانات حساسة ومفصلة عن موظفيها، ولا سيما العاملين الفلسطينيين في قطاع غزة. وتشمل هذه البيانات معلومات شخصية وأمنية، ومصادر التمويل، والشركاء المحليين، وآليات العمل، والتحركات الميدانية.
ويرى خبراء قانونيون وحقوقيون أن هذه المطالب تتجاوز أي إطار مشروع للرقابة الإدارية، وتتحول إلى أداة لجمع معلومات استخبارية، ما يعرّض العاملين الإنسانيين لخطر الاستهداف والملاحقة والابتزاز، كما يشكل ذلك انتهاكًا جسيمًا لمبادئ حماية البيانات، ولمبدأ “عدم الإضرار” الذي يُعد حجر الأساس في العمل الإنساني الدولي.
استهداف عمود الإغاثة الفقري في غزة
المنظمات المستهدفة بالقرار ليست كيانات هامشية، بل تشكل العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، وخاصة في ظل التآكل المتعمد لدور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
أطباء بلا حدود تقدم خدمات طبية طارئة ومنقذة للحياة في مستشفيات مدمّرة.
أوكسفام تدير برامج المياه والصرف الصحي والأمن الغذائي في بيئة تعاني من شحّ حاد.
المجلس النرويجي للاجئين يوفر المأوى والمساعدات القانونية للنازحين.
CARE International تنفذ برامج حماية ودعم للفئات الأشد هشاشة، وخصوصًا النساء والأطفال.
لجنة الإنقاذ الدولية تقدم خدمات صحية ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا لضحايا الحرب.
إخراج هذه المنظمات من المشهد يعني انهيارًا شبه كامل لشبكات الأمان الصحي والغذائي والمائي، في وقت يعيش فيه القطاع بالفعل على حافة المجاعة والانهيار الصحي الشامل.
نحو خلق بيئة غير قابلة للحياة
يرى مراقبون أن القرار لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى خلق ظروف معيشية غير قابلة للحياة في غزة، تمهيدًا لفرض التهجير القسري كأمر واقع، فتعليق عمل المنظمات الإنسانية يعني عمليًا قطع آخر شرايين البقاء، وحرمان السكان من الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وأكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (يورو-مد مونيتور) أن هذه الخطوة صُممت خصيصًا لدفع السكان نحو النزوح القسري، محذرًا من أن الادعاءات الإسرائيلية بوجود “بدائل محلية أو دولية” ليست سوى تضليل متعمد، إذ لا توجد أي جهة تمتلك القدرة اللوجستية أو البنية التحتية لتعويض هذا الفراغ الهائل.
تجريم العمل الإنساني وتكريس الإفلات من العقاب
يمثل القرار أيضًا حلقة جديدة في مسار متدرج من القيود والعقوبات التي يفرضها الكيان الإسرائيلي، بدعم أمريكي واضح، على منظومة القانون الدولي الإنساني، فبدل احترام التزاماتها كقوة احتلال، تعمل سلطات الاحتلال على تجريم آليات الإغاثة والمراقبة والمساءلة، وتحويل الالتزام بالقانون الدولي إلى سبب للعقاب.
هذا النهج لا يرسخ فقط سياسة الإفلات من العقاب، بل يضرب في الصميم أسس النظام الدولي ذاته، ويقوّض الثقة في قدرته على حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.
إسكات الشهود واحتكار الرواية
لا يقتصر أثر القرار على الجانب الإنساني فحسب، بل يمتد إلى البعد الإعلامي والحقوقي، فوجود الأطباء والمسعفين الدوليين في غزة شكّل، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، نافذة نادرة لكسر العزلة المفروضة على القطاع، ونقل شهادات مستقلة حول طبيعة الإصابات، وأنماط استخدام الأسلحة، ومؤشرات المجاعة، والانتهاكات الممنهجة.
تعليق عمل هذه المنظمات يعني إسكات شهود مستقلين، واحتكار الرواية الميدانية، ومنع توثيق الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربما جريمة إبادة جماعية.
مخالفة صريحة لأوامر محكمة العدل الدولية
يتعارض القرار بشكل مباشر مع التدابير المؤقتة الملزمة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في الـ 28 من مارس/آذار 2024، والتي أمرت الكيان الإسرائيلي باتخاذ خطوات فورية وفعالة لضمان توفير الخدمات الأساسية، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق وبالقدر الكافي لتلبية احتياجات السكان المدنيين.
بدل الامتثال لتلك الأوامر، يذهب الاحتلال في الاتجاه المعاكس تمامًا، عبر تعطيل القنوات الإنسانية، وتشديد القيود، وفرض شروط تعجيزية تهدد حياة الملايين.
غزة على أعتاب كارثة غير مسبوقة
النتائج المتوقعة لهذا القرار كارثية بكل المقاييس، فتعليق عمل 37 منظمة إنسانية رئيسية سيؤدي إلى شلل واسع في قطاعات المياه، والصحة، والتغذية، والحماية، دون أي بديل واقعي، وسيدفع ذلك غزة إلى مرحلة جديدة من الانهيار، حيث يصبح البقاء ذاته تحديًا يوميًا.
في المحصلة، لا يبدو القرار مجرد إجراء إداري، بل جزءًا من استراتيجية متكاملة لخنق غزة إنسانيًا، وتسريع التدمير، وتهيئة الأرضية لفرض واقع ديموغرافي جديد بالقوة، وبينما يواصل المجتمع الدولي صمته أو عجزه، يقف أكثر من مليوني فلسطيني أمام مستقبل يزداد قتامة، في واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.
