الوقت - مع اقتراب الذكرى السادسة لاستشهاد القائد الفذّ الشهيد قاسم سليماني، فإنّ رقعة غرب آسيا، بل هيكل النظام الدولي بأسره، قد بلغ مفترقاً وُصف بـ"المنعطف التاريخيّ"، حيث تتهاوى أنماط الهيمنة العتيقة، وتتخلّق نماذج جديدة تلمع في أفق المعادلات الجيوسياسية، وفي هكذا مفترق حساس، لا يكون الكلام عن إرث قاسم سليماني حنيناً يذروه الزمن فحسب، بل يصبح استذكاراً بصيراً وتحليلاً ضرورياً لفهم ما نحن عليه اليوم، وما نحن إليه صائرون.
فالحقيقة الناصعة أن جلّ ما يشهده العالم والمنطقة من تطوّرات متسارعة، لا يُفهم تمام الفهم دون التوقّف عند ذلك التحوّل الجوهريّ الذي أطلق شرارته الشهيد، لا بصليل السيوف وحدها، بل بفنّ هندسة الإرادات، وبعث الهويّات، واستثمار الطاقات الكامنة في صميم الإرث الشعبي المقاوم.
انهيار مشروع "داعش" وبزوغ فجر مقاومةٍ بطراز جديد
لقد كان أول التحوّلات الكبرى، وربّما أبلغها أثراً، ذاك الذي اضطلع به القائد الشهيد الحاج قاسم سليماني حين تصدّى لواحدٍ من أخطر المشاريع الجيوسياسية التي حيكت في دهاليز الإمبراطورية الأمريكية ومطابخ الكيان الصهيوني، تحت ستار تنظيم "داعش"، فما كانت هذه الجماعة المجرمة مجرّد عصابةٍ إرهابية تروّع الآمنين، بل كانت أداةً ضمن مخططٍ جهنمي لإعادة رسم خارطة المشرق، وتمزيق دوله، وإذكاء نار الفتن الطائفية، وإقامة طوق نجاةٍ دائم للغدة السرطانية المغروسة في الجسد العربي: الكيان الصهيوني.
ذلك المشروع المشؤوم، لم يكن ليُجابه بأدوات الجيوش التقليدية وحدها، ولا أن يُقارع بمنطق الحرب الكلاسيكية فحسب؛ فكان أن أدرك سليماني، ببصيرته النافذة، أنّ ساعة المواجهة تستدعي الحشد لا الحصار، والنفير لا الانتظار، فلم يرَ في “القوة الخشنة” وحدها الحسم، بل توجّه إلى منابع الشعوب، فأيقظ الإرادات، وفجّر الطاقات، وصاغ من التناثر وحدةً، ومن التعدّد جبهةً ومن الخوف يقظةً.
لقد جمّع، بحكمة القائد وبصيرة المجاهد، أشتات الإرادات من أقوامٍ شتّى، لا سدّت بينهم العقيدة، ولا فرّقتهم الطوائف أو الأنساب، بل جمعهم “خطرٌ داهمٌ مشترك” بات كالسيف المسلّط فوق رؤوس الجميع. ومن العراق إلى الشام، ومن لبنان إلى ما وراء الجغرافيا، تشكّلت نواة جيشٍ شعبيّ، لا تأتمر بأمر مُحتلّ، ولا تبتغي أجراً من سلطان، بل تذود عن أرضها وهويّتها ومستقبل أجيالها.
هذا النموذج، لم يكسر شوكة "داعش" عسكرياً فحسب، بل نسف الأساس النفسي والاجتماعي لبقاء هذا المشروع الدخيل، وما إن انجلى غبار المعركة في ميادين المواجهة، حتى استدار وجه هذا السيل الشعبي المنظّم نحو هدفٍ أسمى ورايةٍ أبقى: الدفاع عن فلسطين الجريحة، والتصدّي للكيان المحتل بأرواحٍ أقسمت ألا تَهَن ولا تَفتر.
المقاومة بين البنية الجهادية والجذور الحضارية
أما التحوّل الثاني، فهو في كنه البنية المتماسكة التي أُطلق عليها اسم “محور المقاومة”، تلك التي لم تكن، كما توهّم صُنّاع القرار في الغرب، تحالفاً عارضاً أو تكتلاً ظرفياً ينهار بفقدان قادته، بل كانت هيكلًا راسخاً أُقيم على أنقاض الخنوع، وشُيّد بأعمدةٍ موغلة في عمق التاريخ والهوية وسوسيولوجيا شعوب المنطقة.
لقد غرس الحاج قاسم هذا البناء في تربة الوعي الجمعي، ورواه بماء العقيدة الصادقة، فجعل منه تجلّياً لإيمانٍ مشترك أنّ خلاص فلسطين، واجتثاث معاناة الشعوب الإسلامية، لا يتمّان إلا باقتلاع الكيان الصهيوني من جذوره، لا باعتباره مجرّد دولة عدوان، بل بوصفه مشروعاً استعماريّاً فُرض على الجغرافيا العربية، فكان غريباً فيها ودخيلاً إلى يومنا هذا.
هذا الخطاب، المتوشّح بعمقٍ حضاري، لم يواجه الاستكبار الغربي الغاشم فحسب، بل شكّل سداً منيعاً أمام السيل التكفيري الزاحف، وكشف زيف الشعارات التي كانت تستحلّ الدم وتفتّت الأمة، ومن بين مفرداته البليغة، كان التشديد على “الأمن من الداخل”، أي الاتكاء على طاقات الأمم الأصيلة، لا الارتهان لقبعات الحماية الغربية ومظلّات الخداع الإمبريالية.
ذلك المنطق، المتأصّل في عقيدة الثورة الإسلامية، والمستنير بوهج الحسين(عليه السلام) ونهضة كربلاء، أثمر خطاباً إنسانيّاً سامياً، لا يحتجزه دين، ولا يحدّه لسان، بل ينفذ إلى كلّ قلبٍ حرّ، ويُفهم في كلّ أرضٍ يأبى أهلها الضيم ويستنكرون الظلم، شرقاً وغرباً، على اختلاف الملل والنحل.
المقاومة… السدّ المنيع في وجه بلقنة العالم الإسلامي
وأما الوجه الثالث من وجوه التحوّل العميق، فهو ما اضطلعت به المقاومة من دورٍ محوري في الذود عن الجغرافيا السياسية للمنطقة وصون توازنها الجيوسياسي من معاول التقويض والتفتيت، فقد سعت قوى الغرب ومعها ربيبها الكيان الصهيوني، منذ أعوامٍ طوال، إلى تمزيق الأوصال الإسلامية وتشظية البلدان العربية، تحت عباءاتٍ متغيّرة ومسمياتٍ مستحدثة؛ من حروبٍ بالوكالة، إلى تغذية الصراعات المذهبية والعرقية، حتى باتت ساحات الشام والعراق واليمن ولبنان وفلسطين مسارح مفتوحة لمشاهد هذا السيناريو الدموي المتكرّر.
لكنّ المقاومة، وهي وليدة الوعي وصوت الكرامة الأخيرة، نهضت سداً حائلاً يصدّ رياح التشرذم، وعقبةً كأداء في طريق التقسيم، فلم تُتح لمهندسي التجزئة أن يتمّوا خريطتهم المزعومة، ولا أن يُعيدوا رسم الشرق على مقاس أحلامهم الاستعمارية.
ولمّا عادت إدارة ترامب الثانية لتُحيي مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، وتُعيد رسم خيوطه السوداء باسم “بلقنة المنطقة”، معلنةً أنّ رعاية مصالح الكيان الصهيوني أولوية مطلقة في أجندة البيت الأبيض، بدا أنّ مرحلةً جديدةً من الصراع توشك أن تُبعث، غير أنّ ما بناه الحاج قاسم في ضمير الشعوب وفي تضاريس الميدان، لم يخفت وهجه، بل ازداد تألّقاً، وأصبح أشدّ ضرورةً وأعمق رسوخاً من أيّ وقتٍ مضى.
الحاج قاسم بعد الشهادة… حياةٌ نابضة في ضمير الأمة
ظنّ الطغاة ومن والاهم، أنّ رصاصة الغدر التي استهدفت الحاج قاسم ستطوي صفحةً وتطوي معها مشروعاً، فإذا بالحقيقة تفنّد الظنّ، وتُكذّب الفرض، ففي الذكرى السادسة لاستشهاد هذا المجاهد الربّاني، يسير طيفه في كل ساحةٍ تصدح فيها هتافات الممانعة، وتلوح فيها رايات العدل.
من زلزال “طوفان الأقصى” إلى حرائق الحرب في الأرض المحتلة، ومن صمود الجنوب اللبناني عند شواطئ المتوسّط، إلى زئير أبطال اليمن في ضفاف بحر العرب، ومن أصوات تنبعث من صناديق الاقتراع في العراق، إلى نداءات طلابٍ جسورين يعتمرون الكوفيات في قلب الجامعات الأمريكية… كلّها شواهد على “حياةٍ لا تموت”، حياةٌ تجاوزت جسد صاحبها، لتنبض في مدرسةٍ باتت نهجاً ومشروعاً.
وفي هذا المعنى، تتجلّى الآية الكريمة من سورة آل عمران: “ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون”… وإنّ الحاج قاسم، بدمه الطاهر، خطّ اسمه في سجلّ الخالدين، لا في ذاكرة المحزونين وحسب، بل في خرائط القوة وميادين المواقف، وفي وجدانات الأحرار من المَشرق إلى المَغرب.
فلعلّ هذه “الحياة المستمرّة”، وهي أدهى على الأعداء من ألف معركة، هي التي أرّقت أحلامهم، وهي التي دفعت بالمنطقة إلى مشهدٍ مصيريّ، لا يشبه ما قبله، ولا يحتمل أن يكون كبعض ما بعده.
