الوقت - يمر الكيان الصهيوني في هذه المرحلة التاريخية بمنعطف وجودي هو الأخطر منذ نشأته، حيث لم تعد التهديدات تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل تآكلاً بنيوياً في كافة مفاصل الكيان. إن القراءة التحليلية لما طرحه الجنرال إسحاق بريك تكشف عن واقع مرير يتجاوز فكرة التعثر العسكري المؤقت إلى مرحلة الانهيار الشامل. إن الكيان الصهيوني اليوم يواجه معضلة عدم القدرة على تحقيق نصر حاسم، حيث تحولت الحروب من أدوات لفرض الإرادة إلى أدوات للاستنزاف الذاتي والنزيف المستمر للموارد. إن الفجوة بين الخطاب السياسي المتشدد وبين الواقع الميداني المتردي تعكس حالة من الانفصال عن الواقع،مما يضع الكيان في مواجهة مباشرة مع حقيقة أن الاستمرار في المسار الحالي ليس دليلاً على القوة، بل هو إعلان صريح عن العجز عن مواجهة التحولات الكبرى في المنطقة. إن هذا التآكل الذي يطال الجبهة الداخلية، والقدرة العسكرية يضع الكيان الصهيوني أمام حتمية الانهيار حيث أصبحت كلفة البقاء في حالة الحرب تفوق بكثير كلفة التوقف والبحث عن حلول سياسية واقعية تضمن الحد الأدنى من البقاء.
عجزُ الحسم والنزيف العسكري.
تتجلى الأزمة الأولى في الاعتراف الصريح بفشل استراتيجية الحرب في تحقيق أي نتائج استراتيجية ملموسة. إن الكيان الصهيوني، وبحسب التقييمات العسكرية رفيعة المستوى، فقد قدرته على فرض النصر في الحروب متعددة الجبهات التي يخوضها حالياً. إن استمرار القتال بصيغته الحالية لا يعكس قوة، بل هو انعكاس لعجز القيادة عن قراءة المعطيات الميدانية والسياسية بشكل صحيح. هذا العجز تحول إلى واقع ملموس من خلال استنزاف حاد في القوات البرية التي فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها القتالية والمناورة خلال السنوات الثلاث الماضية. بات الجيش الصهيوني يواجه صعوبات بالغة في حسم المعارك حتى على جبهات محدودة، مما يجعل التهديد القادم من جبهات متعددة ومتزامنة يمثل خطراً وجودياً لا يمكن احتواؤه. إن هذا الاستنزاف العسكري لم يعد يقتصر على السلاح والمعدات، بل امتد ليشمل تآكل ماكن يسميه الكيان قوة الردع التي كانت تمثل العمود الفقري لأمن الكيان الصهيوني، مما جعل قدرته على التنبؤ والسيطرة في حالة تراجع مستمر أمام الخصوم.
فشلُ الردع والتحالفات
على الصعيد الإقليمي، أثبتت المواجهات الحالية فشل كافة الرهانات الاستراتيجية التي بنى عليها الكيان الصهيوني أمنه. فبدلاً من إضعاف الخصوم، نجد أن حركات المقاومة، وعلى رأسها حماس، قد تمكنت من استعادة قوتها وتوازنها، في حين لا يزال حزب الله يشكل قوة حقيقة لا يمكن تجاوزها. إن الفشل في بناء تحالفات إقليمية فعالة لمواجهة النفوذ الإيراني المتزايد، وفي ظل استمرار تعزيز قدرات محور المقاومة الصاروخية والباليستية، يضع الكيان في عزلة استراتيجية غير مسبوقة. علاوة على ذلك، فإن التغير في موازين القوى الدولية، حيث باتت الولايات المتحدة تقدم مصالحها الخاصة على حساب أمن الكيان الصهيوني، أدى إلى تراجع مكانته في دوائر صنع القرار العالمية. إن التناقص في الثقة الدولية والتحولات في التحالفات الإقليمية، مثل الصعود التركي والمصري والتحولات في العلاقات السعودية، يفرض واقعاً جديداً يرى في الكيان الصهيوني طرفاً معزولاً، مما يضعف قدرته على بناء أي جبهة دفاعية أو سياسية قادرة على حمايته من التهديدات المتسارعة التي تقودها القوى الإقليمية بدعم دولي.
تآكلُ الجبهة الداخلية
تتجاوز الأزمة حدود الميدان العسكري لتضرب النسيج الاجتماعي والاقتصادي للكيان الصهيوني في مقتل. إن الاستنزاف الذي بدأ في الجبهات، انتقل بسرعة إلى الداخل، حيث يعاني المجتمع من تآكل في التماسك الاجتماعي. الاقتصاد الذي كان يُعتبر محركاً للقوة، أصبح اليوم تحت ضغوط مالية هائلة نتيجة تكاليف الحرب الباهظة وانهيار الاستقرار المالي. كما أن قطاع التعليم والمؤسسات الخدمية يعاني من تبعات طويلة الأمد ستؤثر على قدرة الكيان على النهوض مجدداً. هذا التآكل الداخلي يترافق مع أزمة قيادة حادة، حيث يُتهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بتغليب حساباته السياسية الشخصية وبقائه في السلطة على حساب المصالح الأمنية والوطنية العليا للكيان الصهيوني.
تفككُ المنظومة السياسية
تعتبر الأزمة السياسية داخل الكيان الصهيوني أحد أهم المحركات التي تسرع من عملية الانهيار الوشيك. حيث تحولت القيادة السياسية إلى عبء استراتيجي يفاقم من أزمات الكيان. إن الانقسام الحاد داخل دوائر صنع القرار أدى إلى فقدان الثقة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية. هذا الانفصام يمنع الكيان الصهيوني من اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة، ويجعله في حالة من التخبط الدائم بين الرغبة في الردع وبين العجز عن تحقيق نتائج ميدانية. إن استمرار سياسة المماطلة التي يتبعها نتنياهو يهدف في المقام الأول إلى الحفاظ على بقائه السياسي، وهو ما يأتي على حساب تماسك الجبهة الداخلية إن هذا التفكك في المنظومة السياسية لا يؤدي فقط إلى إضعاف الكيان أمام خصومه، بل يجعله عرضة للانهيار من الداخل، حيث تصبح الصراعات الداخلية أكثر تدميراً من أي مواجهة عسكرية خارجية، مما يحول الكيان الصهيوني إلى كيان مشلول سياسياً وغير قادر على المواجهة
التحول الاستراتيجي العالمي.
بالإضافة إلى الأزمات الداخلية، يواجه الكيان الصهيوني تحولاً جذرياً في بيئة العلاقات الدولية، حيث لم يعد بإمكانه الاعتماد على الدعم المطلق الذي كان يتلقاه تاريخياً. إن المشهد العالمي المتغير يظهر تراجعاً واضحاً في قدرة الكيان على المناورة الدبلوماسية، خاصة مع بروز قوى إقليمية ودولية جديدة ترفض الهيمنة الصهيونية وتعمل على تحجيم نفوذ الكيان. إن السياسات الأمريكية التي بدأت تأخذ منحى أكثر براغماتية وضعت الكيان في حالة من العزلة الاستراتيجية. هذا التحول يعني أن الحماية الدولية التي كان يستند إليها الكيان الصهيوني لم تعد مضمونة أو مطلقة كما كانت في السابق. إن هذا التراجع بالتزامن مع تزايد الضغوط القانونية والسياسية في المحافل الدولية، يضعف من قدرة الكيان على تنفيذ أي عمليات عسكرية كبرى دون تحمل تكاليف سياسية باهظة. إن الكيان الصهيوني يجد نفسه الآن في مواجهة واقع دولي جديد يتسم بتعدد الأقطاب، حيث لم يعد قادراً على فرض إرادته، مما يعمق من أزمة الوجود التي يمر بها.
ختاماً، يمكن القول إن الكيان الصهيوني يقف اليوم أمام حقيقة تاريخية لا يمكن الهروب منها، وهي أن استراتيجية الاستنزاف المستمر قد وصلت إلى طريق مسدود. إن التحذيرات التي أطلقها الجنرال بريك ليست مجرد آراء عسكرية، إن الوقت يداهم الكيان الصهيوني، وكل يوم يمر دون هو خطوة إضافية نحو الانهيار الشامل. إن الانهيار ليس مجرد احتمال، بل هو نتيجة حتمية .
