الوقت - مع ظهور النتائج النهائية لانتخابات الكيان الصهيوني، وإخفاق التيارين المتنافسين، الداعم لحكومة نتنياهو والمعارض بقيادة غادي آيزنكوت، في نيل الأغلبية الحاسمة من المقاعد، كانت الأحزاب العربية هي مفاجأة هذه الجولة. فقد حصدت 19 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، وسجّلت بذلك أبهى نتائجها في تاريخ مشاركتها الانتخابية.
وبفضل هذا النجاح اللافت، باتت جميع السيناريوهات المطروحة أمام الأحزاب الصهيونية رهناً بطبيعة لعبة العرب واستراتيجيتهم. وبعبارة أخرى، صار مفتاح الحسم، من بين السيناريوهات المتاحة والقابلة للتنفيذ، بيد الأحزاب العربية، أي القائمة المشتركة وحزب «راعم»، فهي التي ستحدد وجهة تشكيل الحكومة الجديدة. غير أن فهم خياراتها وتكتيكاتها الآنية ونهجها السياسي خلال مفاوضات التشكيل، يستلزم أولاً إلمامةً موجزةً بخطوطها السياسية والأيديولوجية الرئيسة، وثانياً بالضرورات والقيود التي تحكم تيارات الكيان الصهيوني في تعاونها مع العرب.
الأحزاب العربية: من التركيبة إلى الأيديولوجيا
يشكّل المواطنون الفلسطينيون نحو خُمس سكان الأراضي المحتلة البالغ عددهم عشرة ملايين نسمة، وقد دأبوا تقليدياً على التصويت بنسبة أدنى من اليهود. ومع أن المواطنين العرب يحقّ لهم الاقتراع في الانتخابات القومية وانتخاب ممثلين لهم في الكنيست، فإنهم يعانون منذ زمن بعيد من فوارق صارخة في السكن والخدمات العامة وميزانيات البلديات، حتى عُدّوا عملياً مواطنين من درجات دنيا. كما انتهج الكيان الصهيوني بحقهم سياسةً ممنهجةً واسعة النطاق للاستيعاب القسري (أي طمس الهوية)، بغية إذابتهم في المجتمع الصهيوني وحملهم على نسيان توقهم إلى العودة إلى جذورهم وتطلعاتهم الفلسطينية.
وفي خضم ذلك، اختار بعض فلسطينيي الأراضي المحتلة، سعياً إلى استيفاء حقوقهم الأساسية التي تُهضم، أو بالأحرى مقاومةً لهذا الهضم، أن ينخرطوا في العمل السياسي وأن يشاركوا في السلطة ضمن إطار انتخابات الكيان.
تجمع «القائمة المشتركة» ثلاثةً من الأحزاب الأربعة الرئيسة التي يقودها العرب، وهي «حدش» و«تعال» و«بلد»، والاستثناء الوحيد هو «راعم» الذي خرج من هذا التحالف عام 2021.
راعم (القائمة العربية الموحدة) حزب إسلامي يقوده منصور عباس. يدعو إلى خدمات عامة أفضل وفرص اقتصادية متكافئة للمجتمعات العربية، إلى جانب الاعتراف بالحقوق الجمعية للمواطنين العرب. وتشمل أولوياته مكافحة الجريمة المنظمة، وتحسين السكن والبنى التحتية، وتقليص الفجوات التعليمية، وتوفير موارد أكبر للبلديات العربية. ويؤيد الحزب كذلك قيام دولة فلسطينية، وإنهاء الاحتلال، وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية.
وقد تبنّى عباس نهجاً عملياً في السياسات الائتلافية، معتقداً أن النواب العرب يستطيعون بالتفاوض مع الحكومات الصهيونية أن يحققوا مكاسب ملموسة بدلاً من البقاء خارج دوائر السلطة. وفي عام 2021 كان «راعم» أول حزب عربي مستقل ينضم إلى الائتلاف الحاكم، إذ دعم الحكومة التي قادها نفتالي بينيت ويائير لابيد.
أما القائمة المشتركة فتضم بدورها ثلاثة أحزاب ذات تقاليد سياسية متباينة:
«حدش» (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) ظهرت عام 1977 من رحم «حزب المجتمع الإسرائيلي»، وترتبط باليسار اليهودي–العربي، وتشدد على المساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال والتعاون بين المواطنين اليهود والعرب. ومن أبرز نوابها أوفير كسيف.
حزب «تعال» (الحركة العربية للتجديد)، الذي أسّسه أحمد الطيبي، يمزج بين الدفاع القومي عن الفلسطينيين والمشاركة في العمل البرلماني. والطيبي من أشهر النواب العرب في الأراضي المحتلة.
«بلد» (التجمع الوطني الديمقراطي) بقيادة سامي أبو شحادة، يحمل رؤيةً قوميةً فلسطينيةً ديمقراطيةً، ويطالب بتحويل «إسرائيل» إلى دولة لجميع مواطنيها، لا دولة تُقدِّم الهوية القومية اليهودية على سواها. وقد اضطر أبو شحادة في أكتوبر إلى الانسحاب من قائمة مرشحي القائمة المشتركة، إثر قرار هيئة الإشراف على الانتخابات في الكيان باتهامه بتأييد عملية السابع من أكتوبر التي نفّذتها حماس، وإن ظل رئيساً للحزب. ويُعدّ يوسف جبارين من قادته البارزين الآخرين.
ويمكن تلخيص السياسات الرئيسة للقائمة المشتركة في: الدفاع عن الهوية الفلسطينية–العربية؛ والدعوة إلى دولة لجميع مواطنيها بدلاً من الصهيونية؛ ومناهضة سياسة الاحتلال في الضفة الغربية من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس؛ وتفعيل حق العودة للفلسطينيين.
وبطبيعة الحال، لا تمثّل هذه السياسات والشعارات كل أفكار فلسطينيي الأراضي المحتلة وتوجهاتهم، ولذلك ظل المواطنون العرب زاهدين في المشاركة الانتخابية والإدلاء بأصواتهم. لكن الممارسات الإجرامية الشديدة العنف والمنفلتة من كل عقال، التي ارتكبتها حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية الخالصة، سواء بحق فلسطينيي غزة والضفة الغربية أو بحق المواطنين غير الصهاينة في الداخل (كإقرار قانون الدولة اليهودية)، منحت عرب الأراضي المحتلة في هذه الدورة دافعاً قوياً للمشاركة في الانتخابات، سعياً إلى إسقاط حكومة نتنياهو بالتكاتف مع تيار المعارضة.
سيناريوهات حراك الأحزاب العربية: الاختيار بين السيّئ والأسوأ
في المشهد العام، يُعدّ فوز الأحزاب العربية بـ19 مقعداً في الكنيست جزءاً من نجاح تيار المعارضة لحكومة نتنياهو، الذي استطاع أن يسلب ائتلافه الأغلبية، وأن يجعل تشكيل الحكومة بيد المعسكر الداعم لنتنياهو أمراً متعذراً في الوقت الراهن.
لكن هذا ليس إلا ظاهر الحكاية. فالأحزاب العربية، وإن وافقت ائتلاف آيزنكوت على معارضة استمرار نتنياهو في رئاسة الوزراء، فإن سيناريو مشاركتها في ائتلاف آيزنكوت يظل بعيد المنال.
والحقيقة أن المناخ السياسي في المجتمع الصهيوني، شأنه شأن مناخه الاجتماعي، انجرف في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر، نحو اليمينية وعداء الفلسطينيين. ومن ثَمّ فإن احتمال أن تعارض بعض أحزاب المعارضة التحالف مع العرب لتشكيل الحكومة احتمال جدّي للغاية، خصوصاً أن بعض المطالب الجوهرية للأحزاب العربية، كوقف الاستيطان والانسحاب من غزة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، تتعارض تعارضاً حاداً مع أيديولوجيا الأحزاب الصهيونية المنضوية في ائتلاف آيزنكوت.
ويُعدّ أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، من الوجوه اليمينية المتأججة في صفوف ائتلاف المعارضة، وفي سجله تولّي حقيبتي الدفاع والخارجية، ومواقف بالغة الحدّة ضد الفلسطينيين وغزة. ولعلّ الحاجز الجدي الوحيد اليوم أمام التحاقه بائتلاف مؤيدي الحكومة، هو نتنياهو نفسه. ولو أن الليكود أزاح نتنياهو عن رئاسة الحزب لكان ليبرمان الآن في الضفة الأخرى من هذه الانتخابات. وقد قال أخيراً إن الليكود، إن عمل من دون نتنياهو، يمكن أن يغدو شريكاً مهماً.
وفي المقابل، فإن أغلبية الأحزاب العربية (باستثناء «راعم») كانت تاريخياً أقل ميلاً إلى دخول الائتلافات الحكومية، ولا سيما حين قد يعرّض ذلك مواقفها من حقوق الفلسطينيين والاحتلال للخطر. ومع ذلك فقد ربطت عرض دعمها لحكومة بقيادة آيزنكوت بقبول بعض الشروط وتحقيق مطالبها، ومنها وقف الاستيطان، والتعهدات المتعلقة بالميزانية والخدمات العامة، ووقف الاحتلال العسكري لغزة، وهي شروط تُضعف عملياً إمكانية التوافق على سيناريو تشكيل حكومة بدعم خارجي من العرب.
وهذا الوضع هو الأنفع لنتنياهو قبل سواه. فالائتلاف الذي يقوده يملك الآن 53 مقعداً، ويحتاج إلى ثمانية مقاعد أخرى على الأقل لتشكيل الحكومة. ويبدو أنه يائس من إمكان استمالة بعض مكوّنات ائتلاف المعارضة، لأن خصومه مجمعون على شرط منع استمرار ولايته، ويتذكرون كذلك سجلّه في نكث الوعد بتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة متناوبة مع بيني غانتس. ولهذا، فإن الخيار الأوضح والأنسب لنتنياهو لضمان بقائه، هو الحيلولة دون ائتلاف المعارضة مع الأحزاب العربية، حتى ينتهي الأمر بعد فترة عمل مدتها ثلاثة أشهر إلى انتخابات جديدة.
ومع جرّ البلاد إلى جولة انتخابية جديدة، يستطيع نتنياهو أولاً أن يبقى ثلاثة أشهر أخرى على الأقل رئيساً لحكومة تصريف الأعمال، وإن كان في وسع البرلمان الجديد أن يتخذ إجراءات للحدّ من صلاحيات الحكومة، عبر سنّ قوانين من قبيل تجنيد الحريديم، ووقف الإصلاحات القضائية، ومتابعة دور نتنياهو في ملف السابع من أكتوبر، ورفض مشروع ميزانية الحكومة أو تعديله، ومنع إشعال حروب جديدة.
ومع ذلك، قد لا تتمكن الأحزاب العربية من تكرار نجاحها الحالي في الانتخابات المقبلة، خصوصاً أن حلفاء نتنياهو يعكفون من الآن على بثّ الشبهات حول دور دولتي قطر وتركيا في الانتخابات، والنفخ في أجواء رهاب العرب داخل المجتمع، ليتسنى لهم في الانتخابات القادمة تشديد القيود القانونية على نشاط الأحزاب العربية ودعايتها.
وعلى هذا الأساس، فإن التخلي عن شروط التحالف مع المعارضة من أجل تشكيل حكومة آيزنكوت الجديدة، وإن كان خياراً لا يتناسب مع المكانة الراهنة للأحزاب العربية ووزنها، فإن هذا التراجع التكتيكي قد يُفضي إلى نصر استراتيجي للفلسطينيين، يتمثل في سقوط حكومة نتنياهو وإنهاء حياته السياسية، وإحداث أزمة جدّية في الليكود ومعسكر اليمين المتطرف، الذي سيعزو هذا الإخفاق إلى سياسات نتنياهو.
