الوقت - لا يمكن اعتبار زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى تركمانستان، يومي 8 و9 أكتوبر 2026، مجرد حضور بروتوكولي في محافل دولية. فقد أتاحت مشاركته في قمة رؤساء دول رابطة الدول المستقلة وفي قمة بحر قزوين البيئية فرصةً للحوار مع قادة المنطقة، وطرح القضايا الثنائية والمتعددة الأطراف. وتزداد أهمية هذه الزيارة في ظل ما تواجهه إيران من ضغوط خارجية وقيود اقتصادية، إذ يمكن لتوسيع الروابط الإقليمية أن يسهم في الحد من هشاشتها الاقتصادية وفتح مسارات جديدة للتعاون.
تجاوز القيود بالاستناد إلى دول الجوار
كان من أبرز محاور هذه الزيارة التأكيد على ما تملكه دول الجوار من إمكانات لتنمية المبادلات الاقتصادية والتجارية لإيران. وكان بزشكيان قد أشار قبيل الزيارة إلى القيود المفروضة على المسارات البحرية، وشدّد على الثقل الجغرافي لإيران وإمكانية الإفادة من مسارات إقليمية متعددة لمواصلة التبادلات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
تشترك إيران في حدودها مع خمسة عشر دولة، ويتيح لها موقعها الجغرافي التواصل مع آسيا الوسطى والقوقاز والخليج الفارسي وسائر الأسواق الإقليمية. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يسهم توسيع التعاون مع دول الجوار في تنويع المسارات التجارية، وتطوير الترانزيت، والتخفيف من جانب من الكلفة الناجمة عن القيود الخارجية.
ومع ذلك، فإن تطوير علاقات الجوار لا يعني بمفرده رفع العقوبات أو إبطال القيود التجارية بالكامل؛ فالأهمية الاستراتيجية لهذا النهج تكمن في قدرته على استحداث مسارات بديلة للتجارة والترانزيت والتعاون الاقتصادي. ومن هذا المنظور، تُعدّ تركمانستان، بحكم موقعها الجغرافي في آسيا الوسطى وصلتها بحوض قزوين، إحدى أهم دول الجوار لإيران.
الطاقة والنقل والتجارة: أجندة طهران وعشق آباد
تمثّل أحد المحاور البارزة للزيارة في المباحثات التي أجراها بزشكيان مع رئيس تركمانستان سردار بردي محمدوف حول تطوير التعاون الثنائي. وأكد الطرفان على توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية، والتعجيل بتنفيذ المشروعات المتفق عليها. وشملت مجالات البحث التعاون في الطاقة، والنقل والاتصالات، والزراعة، فضلًا عن العلاقات الثقافية والسياحة.
وتكمن أهمية هذه الأجندة في أن العلاقات بين طهران وعشق آباد لا تقتصر على الجوار الجغرافي. فالتعاون في مجال الطاقة قد يسهم في تأمين الموارد وتبادلها، والتعاون في النقل في ربط المسارات التجارية، والتعاون الزراعي في توسيع تبادل السلع.
وتمتلك تركمانستان احتياطيات مهمة من الغاز الطبيعي في المنطقة، فيما تستطيع إيران، بفضل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية في الطاقة والنقل، أن تؤدي دورًا في ربط الأسواق الإقليمية. ومن شأن تطوير التعاون بين البلدين في هذه المجالات، إضافةً إلى ما يحققه من منافع اقتصادية ثنائية، أن يهيئ الأرضية لتعزيز الروابط التجارية مع سائر دول آسيا الوسطى.
اللقاء مع بوتين: دبلوماسية على المستوى الاستراتيجي
شكّل لقاء بزشكيان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أحد أهم المحطات السياسية في الزيارة. فقد بحث الطرفان توسيع التعاون الاقتصادي والاستراتيجي في مجالات من بينها الطاقة والزراعة والنقل والتجارة، وشدّدا على ضرورة استكمال المشروعات المشتركة.
وتتعاظم أهمية هذا اللقاء في ظرفٍ باتت فيه العلاقات بين طهران وموسكو، علاوةً على أبعادها الثنائية، مرتبطة بالتطورات الأمنية في المنطقة والنزاعات الدولية. وقد أكدت إيران وروسيا في السنوات الأخيرة على تطوير التعاون الاقتصادي والسياسي، وكان توسيع الروابط في النقل والتجارة من أبرز ميادين هذه العلاقة.
ومن هذه الزاوية، مثّلت الزيارة إلى تركمانستان فرصةً لطهران لمواصلة الحوار مع موسكو على مستوى القمة، على هامش قمة إقليمية، والتشاور بشأن التعاون الاقتصادي والتطورات الأمنية.
طهران وباكو ويريفان: أهمية تزامن اللقاءات الإقليمية
كان لقاء بزشكيان مع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف من المحاور المهمة الأخرى للزيارة. وتناول الطرفان العلاقات الثنائية، وتنفيذ الاتفاقات والمشروعات المشتركة، وتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والترانزيتي.
وتتجاوز أهمية هذا الحوار إطار العلاقات الثنائية. فإيران وأذربيجان تجمعهما في جنوب القوقاز ومسارات الترانزيت والاتصالات الإقليمية مصالح مشتركة، وفي الوقت ذاته ملفات حساسة وخلافية. ويمكن لاستمرار الحوار على مستوى القمة أن يساعد على إدارة الخلافات وزيادة التعاون في النقل والتجارة، وإن ظلّت النتيجة الفعلية رهنًا بتنفيذ الاتفاقات واستمرار المشاورات.
كما التقى بزشكيان رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان. وأكد الطرفان أهمية استمرار الاتصالات رفيعة المستوى وتطوير العلاقات الثنائية، وتبادلا الآراء بشأن مجالات التعاون المشترك.
وقد أتاح إدراج لقاءات قادة روسيا وأذربيجان وأرمينيا في برنامج زيارة واحدة لطهران أن تتابع، في إطار زمني وجيز، عدة ملفات إقليمية مهمة، بدءًا من العلاقات الاستراتيجية مع موسكو، وصولًا إلى التعاون الترانزيتي والاقتصادي مع باكو ويريفان.
وفي ظل ما يشهده جنوب القوقاز من تنافس على مسارات النقل وترتيبات أمنية، يكتسب الحفاظ على تواصل فاعل مع دول المنطقة أهميةً خاصةً بالنسبة لإيران. فتطوير مسارات الترانزيت دون مراعاة الاعتبارات الأمنية ومصالح دول الجوار أمر عسير؛ ومن ثَمّ يمكن للدبلوماسية المتواصلة أن تسهم في خفض التوترات وصون مكانة إيران في المعادلات الإقليمية.
قمة قزوين: البيئة بوصفها قضيةً اقتصاديةً وأمنيةً
ارتبط جانب آخر من زيارة بزشكيان بأول قمة بيئية لبحر قزوين، وهي قمة تشاور فيها قادة الدول المطلة عليه، وهي إيران وروسيا وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، حول القضايا البيئية لهذه المسطحات المائية. فانخفاض منسوب مياه قزوين، وتهديد التنوع الحيوي، والضغوط على مصايد الأسماك، ومشكلات المناطق الساحلية، قضايا تتجاوز آثارها حدود البيئة لتطال الاقتصاد المحلي والنقل البحري والإمكانات التجارية للدول المطلة.
وبالنسبة لإيران، فإن متابعة هذا الملف تكتسي أهميةً مباشرةً، لأن وضع بحر قزوين مرتبط بالأنشطة المينائية وصيد الأسماك والنظم البيئية الساحلية وآفاق التنمية الاقتصادية في المحافظات الشمالية. فانخفاض منسوب المياه قد يعرقل نشاط الموانئ، ويرفع كلفة النقل واستثمار البنى التحتية الساحلية.
وفي ظل هذه الظروف، يغدو تعاون الدول المطلة ضروريًا لتبادل البيانات العلمية، والرصد المستمر لحالة المياه، وحماية الأنواع الحيوانية، وإدارة الموارد المشتركة. فما من دولة ساحلية بمفردها قادرة على التحكم في جميع العوامل المؤثرة في وضع بحر قزوين، ومواجهة هذا المسار تستلزم تنسيقًا إقليميًا.
المشاركة في قمة رابطة الدول المستقلة: أبعد من لقاء بروتوكولي
شارك بزشكيان بصفة ضيف شرف في قمة رؤساء دول رابطة الدول المستقلة، التي شملت مجالات منها التعاون السياسي والدبلوماسي، والتجارة والاقتصاد، والنقل والاتصالات، والعلاقات الثقافية والإنسانية. ورغم أن إيران ليست عضوًا في الرابطة، فإن حضورها هذه القمة أتاح لها محاورة قادة مجموعة من دول المنطقة. ومن منظور دبلوماسي، يمكن أن يسهم هذا الحضور في توسيع الروابط السياسية، ودراسة الإمكانات التجارية، وتحديد فرص التعاون؛ ولا سيما في مجال الترانزيت الذي يكتسب أهميةً في وصل الأسواق الإقليمية وتنويع مسارات التجارة.
وتحتاج دول آسيا الوسطى، للوصول إلى الأسواق العالمية، إلى مسارات نقل موثوقة وقادرة على المنافسة، ويمكن لإيران أن تستفيد من موقعها الجغرافي لتعزيز دورها الترانزيتي. ويتطلب تحقيق هذا الهدف الاستثمار في البنى التحتية، وتقليص العوائق الجمركية، وتنسيق أنظمة النقل، وتوفير الظروف الملائمة لنشاط الشركات التجارية.
