الوقت- ظلّ العراق على مدى العقدين الماضيين من أهمّ ساحات الحضور العسكري الأمريكي في غرب آسيا، غير أنّ رحيل القوات الأمريكية أدخل معادلاته الأمنية والدفاعية في مرحلة جديدة. ولا يقف هذا التحوّل عند حدود تبدّل العلاقات بين بغداد وواشنطن، بل قد يمتدّ أثره إلى دور القوات العراقية في ضبط الأمن، ومدى نفوذ اللاعبين الخارجيين، وميزان القوى في المنطقة، فيطال مستقبل التعاون الأمني العراقي برمّته.
وفي هذا السياق، حاور موقع «الوقت» السيد أصغر زارعي، الخبير في شؤون غرب آسيا، ليجيب عن جملة من الأسئلة في هذا الشأن.
الوقت: في ضوء خروج القوات الأمريكية من العراق، كيف تقيّمون هذه الخطوة من واشنطن؟
السيد زارعي: إنّ الخسائر الفادحة والضحايا الكثر الذين تكبّدتهم أمريكا في حربي الـ12 يوماً والـ40 يوماً، والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنى التحتية الحيوية لقواعدها في المنطقة، صنعت واقعاً صار فيه استمرار الوجود العسكري لواشنطن في العراق أشدّ كلفةً وأكثر محفوفاً بالتحديات الأمنية من ذي قبل. ومن ثمّ، كان بقاء الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة سيُحمّل واشنطن تکاليف باهظة، في الداخل وعلى الساحة الدولية على السواء.
ومن جهة أخرى، فإنّ الإخفاقات المتتالية لأمريكا في أفغانستان والعراق، وتجربة حضورها العسكري في المنطقة، فضلاً عمّا لحق بها في حربي الـ12 يوماً والـ40 يوماً مع إيران، أظهرت أنّ الاستثمارات الضخمة التي ضخّتها واشنطن طوال العقدين الأخيرين في إنشاء القواعد العسكرية وتوسيعها في المنطقة، قد اصطدمت بأضرار وتكاليف جسيمة. ولهذا اضطرّت أمريكا إلى إعادة النظر في استراتيجية قوات «سنتكوم»، لأنّ ظروف بقائها غدت بالغة الصعوبة.
وكما شاهدنا، وجد الأمريكيون أنفسهم مضطرين، في 30 سبتمبر وبعد 23 عاماً، إلى سحب قواتهم من العراق سحباً كاملاً. وفي الوقت نفسه، ظلّت القواعد الأمريكية في سائر أنحاء المنطقة عرضةً لهجمات القوات الإيرانية وقوى المقاومة، وفرضت شدّة الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية واقعاً يجعل بقاء القوات الأمريكية في تلك المناطق مقروناً بكلفة متصاعدة؛ وهو واقع قد يفضي إلى تفاقم الضغوط السياسية وزيادة الخسائر العسكرية لواشنطن.
يُضاف إلى ذلك أنّ إغلاق مضيق هرمز وباب المندب، وما يتبعه من تراجع في صادرات النفط والطاقة والسلع التي تنطلق من الخليج الفارسي إلى الأسواق العالمية، قد يُلحق بأمريكا وحلفائها، بل بالاقتصاد العالمي نفسه، كلفةً وتبعات اقتصادية بالغة الثقل.
الوقت: كيف تقيّمون دور استمرار التوتر مع إيران في قرار أمريكا سحب قواتها من العراق؟
السيد زارعي: كان الأمريكيون يظنّون أنّ نشر قوات «سنتكوم» في المنطقة سيمنحهم على المدى البعيد سنداً قوياً يعينهم على تحقيق أهدافهم، ويمكّنهم من مواجهة ما يرونه، بحسب زعمهم، تهديدات تأتي من إيران والمقاومة، ومن إحباطها.
غير أنّ ما جرى في حربي الـ12 يوماً والـ40 يوماً أبطل هذا التصوّر عملياً، ويبدو أنّ واشنطن خلصت إلى أنّ استمرار الوجود العسكري في العراق لم يعد ممكناً. فالأوضاع التي سادت المنطقة بعد هاتين الحربين بيّنت أنّ النظريات والحسابات السابقة بشأن إدامة الوجود الأمريكي في العراق وتأمين سلامة قوات «سنتكوم» وحلفاء واشنطن، لا يمكن أن تشكّل بالضرورة ضمانةً لحفظ أمن المنطقة واستقرارها وأمن حلفاء أمريكا.
الوقت: هل يعني الخروج العسكري نهاية التعاون العسكري والأمني بين أمريكا والعراق؟
السيد زارعي: تسعى أمريكا، من خلال الاتفاق على سحب قواتها العسكرية من الأراضي العراقية في 30 سبتمبر، إلى تخفيف التکاليف والضغوط الثقيلة التي تنوء بها واشنطن، ومن ورائها بغداد، بسبب معارضة استمرار هذا الوجود، مع إبقاء نفوذها في العراق قائماً.
ومع ذلك، فإنّ نفوذ أمريكا في العراق لا يقتصر على الحضور العسكري. فواشنطن لا تزال تمسك بجانب مهم من الآليات المالية والاقتصادية العراقية، وتمرّ عائدات بيع النفط وسائر الموارد عبر منظومة مالية خاضعة لسيطرتها. وهذا الوضع يترك الأيدي الأمريكية مطلقةً في إدارة التدفقات المالية العراقية، ويجعل قسماً كبيراً من الموارد التي تحتاجها الحكومة لدفع رواتب الموظفين وتغطية النفقات الجارية، رهناً بهذه الآلية نفسها. ولذلك لا يمكن القول إنّ الخروج العسكري الأمريكي من العراق يعني نهاية التعاون وانتهاء دور أمريكا فيه. ومع ذلك، قد تكون هذه الخطوة في مجملها خطوةً إيجابيةً، تُسهم إلى حدّ بعيد في مساعدة الشعب العراقي على قطع يد الأمريكيين عن مصير بلاده. أما ما سيُقدم عليه العراقيون لاحقاً في سعيهم إلى التحرر من هذه الضغوط والتبعيات، فقد يقود المسار نحو الانعتاق من النفوذ والهيمنة الأمريكيين.
الوقت: رغم الإعلان عن الخروج العسكري، لماذا لا تزال بغداد تواجه قيوداً في استخدام مجالها الجوي واتخاذ قرارات مستقلة إزاء الضغوط الأمريكية، ومنها ما يتعلق بالرحلات الجوية الإيرانية؟ ألا يدل ذلك على استمرار تبعية العراق الأمنية لأمريكا؟
السيد زارعي: الأمريكيون لم يعدّوا أنفسهم يوماً، ولا يعدّونها اليوم، ملتزمين بالتفاهمات والاتفاقيات التي وقّعوها مع الأطراف الأخرى؛ فهم يتصرفون دائماً وفق مصالحهم، ومتى رأوا الظروف مواتيةً تجاوزوا الخطوط الحمراء كلها وداسوا على جميع تعهداتهم.
ولذلك نرى حتى الآن أنّ الفضاء الإقليمي للعراق لا يزال من الناحية العسكرية في قبضة أمريكا، وأنّ الأمريكيين وحلفاءهم يستغلّونه بكل يُسر، في حين لا تملك الحكومة العراقية عملياً أن تردّ على ما تقوم به الحكومة الأمريكية وحلفاؤها في أرضها ومجالها الجوي.
وحتى في ما يخصّ العقوبات المفروضة على إيران ومسألة الحصار الجوي، لم يستطع العراقيون أن يتمتعوا باستقلالية القرار أمام الضغوط الأمريكية. ومع أنّ من المطالب الشعبية العامة لقوى المقاومة ولمختلف القوى المنضوية في الجبهة الجهادية العراقية أن يرفع العراق الحصار الجوي عن إيران، فإنّ الحكومة العراقية لا تزال تفتقر إلى الإرادة اللازمة للقيام بذلك. وكلّ ما استطاعته، بفضل المشاورات والضغوط التي مورست عليها، هو الحصول من الأمريكيين على إذن يتيح لطيران «العراقية» مواصلة رحلاتها من النجف إلى إيران وبالعكس، لتخفيف جانب من هذا الضغط.
وهذا كله يدلّ على أنّ العراقيين يرزحون تماماً تحت ضغط أمريكا وهيمنتها، وأنّ الاتفاقية الأمنية بين أمريكا والعراق لا يمكنها أن تحمل لهم أمناً أو استقراراً أو استقلالاً في المستقبل القريب.
الوقت: ما التداعيات المحتملة للخروج الأمريكي على العراق والمنطقة؟
السيد زارعي: يمكن أن يكون هذا الحدث فاتحة فصل جديد في حياة الشعب العراقي. وقد قوبل بترحيب وابتهاج من العراقيين، ولا سيما فصائل المقاومة، الذين احتفلوا برحيل القوات الأمريكية بعد 23 عاماً.
وعلى أي حال، فقد أتاح هذا التحوّل للعراق فرصةً لتفكيك القواعد الأمريكية وإخراج قوات هذا البلد ومعداته من مختلف المناطق العراقية، في الإقليم وفي غيره. بل إنّ القوات التركية نفسها، التي كانت تحتفظ بقواعد في محافظة نينوى ومناطق أخرى، اضطرّت إلى سحب قواتها وترك بعض قواعدها.
وفي ضوء الخروج الأمريكي، يبدو أنّ بوسع الجيش العراقي وقوى المقاومة في البلاد أن يغتنموا هذه الفرصة للمضيّ نحو الاستقلال وبسط الأمن الكامل، وأن يقلّصوا الحضور والنفوذ الأمريكيين في العراق أكثر فأكثر.
ويستوقفنا في هذا الباب نموذج أفغانستان أيضاً. فنحن نشهد اليوم أنّه على الرغم من القيود التي تكبّل حكومة طالبان في الساحتين السياسية والأمنية، فقد استطاعت أفغانستان أن تقلّص الحضور والنفوذ الأمريكيين على أرضها إلى حدّ بعيد، وأن تنعم بقدر أكبر من الاستقلال. بل إنّ أفغانستان رفضت التعاون في مسألة الحصار الجوي الأمريكي على إيران، وأبقت مجالها الجوي مفتوحاً أمام الرحلات الإيرانية.
ومن ثمّ، نأمل أن يتمكن العراقيون كذلك من اغتنام هذه الفرصة وتمهيد الطريق نحو مزيد من الاستقرار والأمن والاستقلال لبلادهم في المستقبل. ونحن نرحّب بهذا المسار، ونأمل أن تغادر القوات الأمريكية المنطقة بأسرها في أقرب وقت، وأن يُترك أمر ضبط الأمن والاستقرار فيها لحكومات دولها نفسها.
وبالنظر إلى ما جرى في قطر وسائر أنحاء المنطقة، وإلى التطورات المتصلة بالأردن والسعودية، وما يجري في اليمن من تحولات وما تحقق هناك من انتصارات، نأمل أن نشهد في المستقبل خروج القوات الأمريكية وحلفائها الأوروبيين من المنطقة.
