الوقت- في وقت يلتزم فيه كثير من نجوم السينما العالمية الصمت إزاء ما يجري في غزة، خشية المساس بمسيرتهم المهنية أو مواجهة القوائم السوداء غير المعلنة في هوليوود، اختار الممثل الإسباني خافيير بارديم مساراً مختلفاً، إذ حوّل كل منصة يقف عليها، من السجادة الحمراء إلى خشبة الأوسكار، إلى منبر صريح للدفاع عن الحق الفلسطيني. هذا الثبات على الموقف، وسط الحسابات المهنية الحذرة التي يعتمدها كثيرون في صناعة السينما، جعل من بارديم استثناءً لافتاً يستحق التوقف عنده، ليس فقط كموقف فني فردي، بل كظاهرة تعكس أزمة أخلاقية أعمق تعيشها المؤسسات الثقافية والإعلامية العالمية في تعاملها مع قضية غزة. فبينما تتوالى صور الدمار وأخبار الضحايا يومياً، يبرز صوت بارديم بوصفه استثناءً في مشهد يغلب عليه الحذر والصمت المحسوب، ما يجعل من تجربته مثالاً على قدرة الفن على التحول إلى أداة ضغط أخلاقي حين يقرر أصحابه تحمل المخاطرة.
من الكوفية إلى خشبة الأوسكار: مسار ثابت لا يتزعزع
لم يكن دعم بارديم لفلسطين موقفاً عابراً أو رد فعل آنياً، بل امتد عبر سنوات وتجلى في محطات متعددة. فخلال العرض الأول لفيلمه "F1: The Movie" في نيويورك، ارتدى بارديم دبوساً وكوفية كُتب عليهما اسم فلسطين، وصرح لمجلة "فارايتي" بأن الأطفال في غزة يموتون جوعاً، واصفاً ما يحدث بأنه إبادة جماعية يجب أن يتوقف الدعم الأمريكي عن تمويلها بالقنابل. وتكرر الموقف في حفل توزيع جوائز الإيمي لعام 2025، حين ظهر بارديم مرتدياً الكوفية الفلسطينية مجدداً، مؤكداً لصحيفة "يو إس إيه توداي" ضرورة لفت الانتباه العالمي إلى آلاف الضحايا. أما اللحظة الأكثر رمزية فكانت خلال حفل جوائز الأوسكار الثامن والتسعين، حين صعد بارديم إلى المسرح وهتف أمام الحضور العالمي: لا للحرب، وفلسطين حرة، في مشهد نُقل إلى ملايين المشاهدين حول العالم وأعاد فتح النقاش حول جرأة الفنانين في التعبير السياسي داخل أكبر منصة سينمائية في العالم.
موقف أخلاقي قبل أن يكون سياسياً
يصرّ بارديم في كل تصريحاته على تأطير موقفه بوصفه التزاماً أخلاقياً وإنسانياً بالدرجة الأولى، لا موقفاً سياسياً حزبياً، مستشهداً بما أكدته الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية من أن ما يجري في غزة يرقى فعلياً إلى جريمة إبادة جماعية موثقة علمياً. وقد ذهب الممثل الإسباني إلى حد الإعلان الصريح عن رفضه العمل مع أي شخص يبرر أو يدعم هذه الإبادة، معتبراً أن المسألة تجاوزت حدود الخلاف في الرأي لتصبح اختباراً للضمير الإنساني ذاته، في موقف نادر لممثل بحجمه العالمي يضع مصداقيته الشخصية على المحك دفاعاً عن قناعاته. هذا الموقف الحاسم دفعه أيضاً للدفاع عن زملائه الفنانين الذين تعرضوا لعقوبات مهنية بسبب مواقفهم المؤيدة لفلسطين، وعلى رأسهم الممثلة الأميركية سوزان ساراندون التي استبعدتها وكالتها الفنية، إذ اعتبر بارديم أن ما تعرضت له ساراندون يكشف مدى خطأ هذا النظام بأكمله، في إشارة إلى منظومة الرقابة غير المعلنة التي تحكم الوسط الفني الأميركي.
تحرك جماعي يتجاوز الموقف الفردي
لم يكتفِ بارديم بالتعبير عن موقفه الشخصي، بل عمل على تحويله إلى فعل جماعي منظم، إذ انضم إلى حركة "عمال السينما من أجل فلسطين"، ووقّع إلى جانب أكثر من ثمانين ممثلاً وممثلة على رسالة مفتوحة انتقدت موقف مهرجان برلين السينمائي من الحرب على غزة، رداً على تصريحات رئيس لجنة التحكيم التي طالبت صناع الأفلام بالابتعاد عن السياسة. وجاء في تلك الرسالة أن الفنانين والفاعلين الثقافيين لا يسعهم التزام الصمت إزاء ما وُصف بالإبادة الجماعية الجارية في غزة، متسائلين عن جدوى مهنتهم إن لم يكونوا حاضرين لحماية أصوات المظلومين. كما شارك بارديم في حملات لمقاطعة مؤسسات وشركات مرتبطة بإسرائيل، مؤكداً أن موقفه موجه ضد السياسات والمؤسسات وليس ضد الأفراد، وهو ما يعكس وعياً سياسياً دقيقاً يميز بين معاداة دولة الاحتلال وسياساتها وبين أي نزعة عدائية تجاه الأفراد.
ثمن الموقف: بين الشجاعة والمخاطرة المهنية
يدرك بارديم جيداً أن مواقفه العلنية ليست بلا ثمن، إذ تحدث صراحة عن وجود ما وصفه بـ"العقاب المهني" الذي يتعرض له بعض الفنانين في هوليوود بسبب مواقفهم السياسية المؤيدة لفلسطين، وهو ما يُعرف بممارسات القوائم السوداء غير المعلنة التي تُقصي الفنانين المنتقدين للكيان الإسرائيلي من فرص العمل والتعاقدات الكبرى. ورغم ذلك، أكد بارديم خلال ظهوره في مهرجان كان السينمائي أن دعمه لفلسطين لم يؤثر سلباً على مسيرته الفنية حتى الآن، مواصلاً العمل في مشاريع سينمائية كبرى، في رسالة ضمنية مفادها أن الثبات الأخلاقي والنجاح المهني ليسا بالضرورة خيارين متناقضين، بل يمكن أن يتعايشا إذا امتلك الفنان الجرأة الكافية لمواجهة الضغوط بدل الاستسلام لها.
نجم واحد لا يكفي.. لكنه يفتح الباب
يمثل موقف خافيير بارديم نموذجاً لافتاً لما يمكن أن يفعله صوت فني واحد حين يقرر كسر جدار الصمت الذي يلف كثيراً من المؤسسات الثقافية والسياسية العالمية تجاه غزة. فبينما تكتفي حكومات ومؤسسات دولية بإصدار بيانات باهتة أو التزام الصمت خشية المواجهة الدبلوماسية أو الاقتصادية، يقدّم بارديم مثالاً على أن كسر هذا الصمت ممكن، وأن الثمن المهني، مهما بدا مخيفاً، لا يوازي ثمن الصمت أمام إبادة جماعية موثقة. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا الصوت الفردي إلى موقف مؤسسي جماعي داخل صناعة السينما والفن العالمي، بحيث لا يظل بارديم استثناءً معزولاً، بل نموذجاً يُحتذى يدفع مزيداً من الفنانين والمؤسسات الثقافية إلى كسر حاجز الخوف وتحويل التعاطف الفردي إلى ضغط جماعي منظم قادر على التأثير في مجريات القضية الفلسطينية على الساحة الدولية. فتجربة بارديم تطرح سؤالاً أوسع يتجاوز شخصه: إلى متى يظل العالم الثقافي والفني منقسماً بين قلة تجرؤ على قول الحقيقة وأغلبية تتحصن خلف الصمت المهني الآمن؟ وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الفن على الوفاء لدوره في الدفاع عن الإنسان أينما كان، لا أن يتحول إلى مجرد صناعة ترفيهية معزولة عن مآسي العالم.
