الوقت - بعد خمس جولات من المفاوضات الثلاثية بين حكومة لبنان والكيان الصهيوني في واشنطن، أعلن الطرفان مساء أمس توقيع اتفاقية لوقف التصعيد. وقد أثار إعلان هذا الاتفاق جدلاً واسعاً في الداخل اللبناني، حيث أثارت الالتزامات التي التزمت بها حكومة بيروت موجةً من الغضب والسخط في أوساط الرأي العام، لا سيما بين الشيعة في الجنوب وأنصار المقاومة.
رأت الحكومة اللبنانية في تأكيدها على مبدأ الحفاظ على السيادة الوطنية للبنان، واحتواء بند انسحاب القوات الصهيونية من منطقتين «تجريبيتين» تُعدّان مقدمةً للانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، انتصاراً كبيراً؛ بينما اعتبر المنتقدون، مشيرين إلى الشروط المستحيلة التنفيذ والأزمات التي قد يفرضها الاتفاق على لبنان، أن هذا الاتفاق يشكّل خيانةً كبرى تصبّ في مصلحة الکيان الصهيوني.
في هذا السياق، يطرح السؤال الأساسي: لماذا، رغم التأكيدات والإصرار المتكرر من كبار المسؤولين الصهاينة وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو خلال الأسابيع الماضية على استمرار الوجود العسكري في الأراضي اللبنانية إلى أجل غير مسمى، وصف الصهاينة هذا الاتفاق بأنه جيد؟ وكيف يمكن تفسير رضا الحكومة اللبنانية عن هذا الاتفاق؟
علی ماذا ينصّ الاتفاق؟
أفاد موقع «أكسيوس» الأمريكي أن هذه الاتفاقية ترسم إطاراً لمسار التوصل إلى اتفاق سلام مستقبلي بين لبنان والكيان الصهيوني. وأوضح الموقع أن الاتفاق يتضمن ما يلي:
أعلن كل من بيروت وتل أبيب نيتهما إنهاء النزاعات بينهما بشكل دائم ومعالجة أسبابها.
تؤكد "إسرائيل" ولبنان حق كل منهما في الوجود بسلام كدولتين مستقلتين.
تُحل القضايا العالقة بين "إسرائيل" ولبنان عبر مفاوضات مباشرة بوساطة ودعم من الولايات المتحدة.
تلتزم "إسرائيل" ولبنان بعملية متبادلة ومشروطة لتوسيع سيادة الجيش اللبناني وانسحاب القوات الإسرائيلية.
تُدرج تفاصيل هذه العمليات في ملحق أمني يُعدّ بدعم أمريكي كامل.
يفتح تنفيذ آليات هذا الاتفاق الطريق لإقامة علاقة دائمة وسلمية بين "إسرائيل" ولبنان.
يتولى الجيش اللبناني تدريجياً المسؤوليات الأمنية في المناطق التجريبية لضمان احتكار الدولة للسلاح.
اتفق الجيشان اللبناني والإسرائيلي على منطقتين تجريبيتين كبداية لخطة التنفيذ المرحلي للاتفاق.
تبدأ إعادة الإعمار بعد تأكيد نزع سلاح الجماعات المسلحة في المناطق المحددة.
يُسمح بعودة المدنيين اللبنانيين بعد تأكيد السيطرة الأمنية من قبل الحكومة.
تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان تنفيذ العمليات وتقديم الدعم المباشر.
ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي تأكيده أن "إسرائيل" ستحتفظ بمنطقتها الأمنية ضمن ما يُسمى «الخط الأصفر» في لبنان، إلى حين نزع سلاح حزب الله وإزالة أي تهديد من لبنان تجاه الأراضي الإسرائيلية.
أين تقع «المناطق التجريبية»؟
تدل النظرة الأولى إلى نص الاتفاق، على أن وعد الانسحاب المؤجل للجيش الصهيوني من لبنان ليس فقط غير قابل للتنفيذ، بل إن المنطقتين التجريبيتين اللتين تريد حكومة لبنان أن تقدمهما كـ«مفاجأة الاتفاق»، ليستا سوى قضمتين صغيرتين لا تستحقان الذكر.
ورد في نص الاتفاق أن هذه المناطق، أولاً، سيتم تحديدها بتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وثانياً، ستُحدد فقط بعد نزع سلاح «الجماعات المسلحة غير الحكومية» وتفكيك بنيتها التحتية، وثالثاً، سيتم تحديد «مناطق تجريبية» إضافية لاحقاً باتفاق متبادل. وقال مسؤولان صهيونيان لموقع «أكسيوس» إن إحدى هذه المناطق تقع شمال نهر الليطاني، والأخرى جنوبه.
ومع ذلك، كشف بنيامين نتنياهو بعد ساعات من الاتفاق، موضحاً أنه لم يُمنح اللبنانيون أي امتياز خاص، أن إحدى المنطقتين التجريبيتين تقع خارج ما يُسمى «المنطقة الأمنية»، والأخرى في منطقة لم يعد الجيش الإسرائيلي بحاجة إلى تواجده العسكري فيها.
إن استغلال الرأي العام اللبناني بمنطقتين تجريبيتين محدودتين وعديمتي الفائدة للصهاينة، يأتي في وقتٍ استولى فيه الجيش الإسرائيلي خلال الشهرين الماضيين على أكثر من 600 كيلومتر مربع من أراضي الجنوب اللبناني حتى شمال نهر الليطاني، والآن، بهذا الاتفاق، وفّرت حكومة لبنان شرعيةً لاستمرار الاحتلال الصهيوني، إذ لم يعد طلب الانسحاب الكامل للجيش المحتل من الأراضي اللبنانية ممكنًا إلا بشروط صهيونية، بل إن هذه الخطوة تلغي أيضًا حق المقاومة المسلحة للشعب اللبناني ضد الاحتلال.
صرح نتنياهو بأن هذا الاتفاق يمنع الجيش الإسرائيلي من السماح لسكان لبنان أو لحزب الله بالعودة إلى «المنطقة الأمنية» الخاضعة لسيطرته، وأن "إسرائيل" ستبقى في المنطقة الأمنية «حتى يتم نزع سلاح حزب الله».
وأكد مسؤول صهيوني رفيع آخر لموقع «أكسيوس» تصريحات نتنياهو، قائلاً إن «حرية تحرك الجيش الإسرائيلي في كامل المنطقة الأمنية، ستُحفظ للقضاء على أي تهديد».
وتؤكد وزارة الخارجية الأمريكية هذا الموقف، حيث أعلنت في بيان أن «هذا الاتفاق يشكّل عمليةً منظمةً لاستعادة سيادة لبنان، ونزع سلاح حزب الله، وتفكيك بنيته التحتية، ويُمكن إسرائيل من العودة إلى حدودها بعد إزالة التهديد عن مواطنيها».
هذا التفسير يمنح تل أبيب سلطة تحديد توقيت تنفيذ التزاماتها – حتى إزالة التهديد عن مواطنيها – مما يفسّر سر رضا نتنياهو عن هذا الاتفاق.
جرّ لبنان إلى الحرب الأهلية
لكن فرحة الصهاينة لا تقتصر فقط على إضفاء الشرعية على استمرار الاحتلال، بل يحتوي هذا الاتفاق على قنبلة موقوتة خفية تهدف إلى زعزعة الوضع الداخلي في لبنان، مما يسعى في الأساس إلى حل التحديات الكبرى التي تواجه الجيش الصهيوني في حربه ضد حزب الله.
صحيح أن الصهاينة قد احتلوا مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية خلال الشهرين الماضيين، إلا أن حرب العصابات والضربات المؤلمة التي وجّهها مقاتلو حزب الله، حوّلت هذه المناطق إلى مستنقع للجنود الصهاينة ووضعت مصداقية نتنياهو السياسية على المحك، بحيث أدى استمرار هجمات حزب الله على المدن الشمالية في الأراضي المحتلة إلى حل البرلمان الإسرائيلي، مما جعل حكومة نتنياهو الحربية على شفير السقوط.
في الساعات الأخيرة، أطلق مسؤولون في حزب الله تحذيرات ضرورية من مخاطر القنبلة الموقوتة المزروعة في هذا الاتفاق. وفي هذا السياق، أكد حسن فضل الله، النائب من حزب الله في البرلمان اللبناني، أن الحكومة اللبنانية الحالية لن تكون قادرةً على تنفيذ الاتفاق الموقع في واشنطن إلا إذا دفعت البلاد نحو حرب أهلية.
في الواقع، من خلال هذا الاتفاق، كلّف الصهاينة الحكومة والجيش اللبنانيين بمهمة لم يتمكنوا هم من إنجازها، وفشلوا في فرض معادلاتهم على المقاومة، وهذا يعني قبول المواجهة العسكرية مع حزب الله نيابةً عن الجيش الصهيوني. وهو أمر يراه كثير من الخبراء مستحيلاً، ويزيد فقط من تعقيد وخطورة النزاعات الداخلية في لبنان في ظل وضعه الهش.
بعبارة أخرى، تأمل تل أبيب من خلال آليات هذا الاتفاق أن تحقق هدفاً لم تستطع بلوغه لا في ميدان الحرب، ولا عبر الضغوط السياسية الغربية خلال السنوات الماضية؛ وهو نقل مسؤولية مواجهة حزب الله من تل أبيب إلى حكومة وجيش لبنان، وتحويل قضية المقاومة من ملف مرتبط بالاحتلال الخارجي إلى تحدٍ داخلي.
من جهة أخرى، نجحت تل أبيب في هذا الاتفاق في فرض قضية الاعتراف بهذا الکيان، ومن ثم تطبيع العلاقات، دون تقديم أي تنازلات، إذ ورد في البند الثاني من الاتفاق: «تؤكد إسرائيل ولبنان حق كل منهما في الوجود بسلام كدولتين مستقلتين». كما أعلن البند السادس أن آليات هذا الاتفاق تمثّل طريقاً نحو إقامة علاقة دائمة وسلمية بين الطرفين.
ماذا تبحث عنه حكومة لبنان في هذا الاتفاق؟
تشير مواقف المسؤولين اللبنانيين بعد توقيع الاتفاق إلى أن حكومة بيروت لا تراها تراجعًا سياسيًا، بل فرصة تاريخية لتحقيق مشروعٍ طالما سعى إليه جزء من التيار السياسي الحاكم في لبنان؛ وهو إقصاء المقاومة من معادلات المشهد.
وُصف الاتفاق في بيان صادر عن رئاسة الجمهورية اللبنانية بأنه «الخطوة الأولى على طريق استعادة السيادة الكاملة للدولة على أراضيها وشعبها». كما أكد نواف سلام، رئيس وزراء لبنان، أن الحكومة وحدها هي التي تملك حق القرار بشأن الحرب والسلام، وأن ما يُطلب من لبنان في هذا الاتفاق هو في جوهره المبادئ التي سبق وأن قُبلت في اتفاق الطائف من قبل التيارات السياسية اللبنانية.
لكن القضية الأساسية تكمن في أن حكومة لبنان تعتبر السيادة ليست بالضرورة في إنهاء الاحتلال على الأرض، بل في القضاء على أي بنية عسكرية خارج الجيش، حتى وإن كانت هذه البنية هي القوة التي شكّلت خلال العقدين الماضيين الركيزة الأساسية للردع أمام اعتداءات "إسرائيل".
لقد أظهرت الحكومة اللبنانية من خلال هذا الاتفاق المتسرع، أنها لا ترغب في أن تُزال ظلال الحرب والاحتلال عن لبنان من خلال اتفاق إيران والولايات المتحدة، بل ترى ذلك تعارضًا تامًا مع مصالحها وبقائها، وتعتبر نفسها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، كما أعلن الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، أن إدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن نص اتفاق إيران والولايات المتحدة، هو انتصار للمقاومة.
لذا تسعى الحكومة، حتى لو كان ذلك على حساب استمرار الاحتلال ومواصلة هجمات العدو، إلى منع إقامة مظلة أمنية للمقاومة على لبنان. ويمكن القول اليوم بكل حسم إن حكومة لبنان تعمل كوكيل سياسي للكيان الصهيوني ونتنياهو. وفي هذا السياق، أكد النائب حسن فضل الله أن «ما جرى في واشنطن كان محاولةً لإفشال مسار إسلام آباد».
في هذه الظروف، لا ينبع رفض التيارات المقربة من المقاومة لهذا الاتفاق من خلافات سياسية داخلية فحسب، بل من تقييمهم أن اتفاق واشنطن هو محاولة لتغيير ميزان القوى الداخلي في لبنان لصالح "إسرائيل" وحلفائها الإقليميين والدوليين، وهو تغيير لا يتمّ عبر صناديق الاقتراع أو الإجماع الوطني، بل عبر الضغوط الخارجية واستمرار الاحتلال.
أجواء عامة من عدم الثقة تجاه "إسرائيل"؛ نموذج مصغّر لما هو أكبر
رغم كل الانتقادات والمخاطر المرتبطة بالاتفاق، فإن حكومة لبنان لا تستطيع حتى ضمان تنفيذ هذه الالتزامات البسيطة والمحدودة من الجانب الصهيوني. فوفقًا للبيانات الرسمية، أدت هجمات الكيان الصهيوني منذ الثاني من مارس حتى الآن إلى مقتل 4230 شخصًا، وإصابة 12179 آخرين، وتشريد أكثر من مليون نسمة.
وخلال هذه الفترة، انتهك الصهاينة مرارًا اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة، ففي مرحلة ما بعد اتفاق نوفمبر 2024، استمروا في خرق الهدنة وتنفيذ غارات جوية داخل عمق الأراضي اللبنانية.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار يوم السبت الماضي، واصلت "إسرائيل" هجماتها في جنوب لبنان، مستهدفةً مدينتي بيت ياحون ومدينة النبطية بالقصف الجوي والمدفعي.
تركز هذه الهجمات على شمال نهر الليطاني، وهي المنطقة التي يسعى فيها الكيان إلى فرض معادلة أمنية جديدة تحافظ على المنطقة العازلة الممتدة من بلدات النبطية الفوقا وزوطر الشرقية حتى مرتفعات علي الطاهر ومناطق أخرى بعمق كيلومتر واحد.
