الوقت - قد تبدو عملية استيراد الذرة أو الصويا أو القمح من أمريكا، كصفقة تجارية عادية للوهلة الأولى. لكن في علاقات امتدت لأكثر من أربعة عقود، تأثرت بالعقوبات والضغوط الاقتصادية والعمليات السرية والصراعات السياسية، لا شيء يكون مجرّد أمر اقتصادي بحت. ولهذا السبب، ينبغي النظر في احتمال تخصيص الأصول الإيرانية المُفرج عنها لشراء المنتجات الزراعية الأمريكية، من منظور الأمن القومي والأمن الغذائي.
علينا أن نتذكر أن القضية الرئيسية ليست جودة أو سعر المنتجات الأمريكية، بل السؤال هو: هل يمكن لدولة استخدمت الاقتصاد مرارًا كأداة للضغط السياسي، أن تكون شريكًا موثوقًا في مجال استراتيجي مثل الأمن الغذائي؟
سجل التخلف عن الوفاء؛ الأمن الغذائي كجزء من استراتيجية الضغط
من المهم التنويه إلى أن التجربة التاريخية تُظهر أن واشنطن حوّلت مرات عديدة التجارة والوصول إلى السلع الحيوية، إلى أداة لتحقيق أهداف جيوسياسية. فقد برهنت العقوبات الواسعة المفروضة على إيران والعراق وكوبا وفنزويلا وحتى بعض حلفاء أمريكا، على أنه عند تعارض المصالح يمكن للاقتصاد والتجارة أن يتحولا سريعًا إلى أدوات ضغط سياسي.
ومن أبرز الأمثلة لإيران تجربة الاتفاق النووي وخروج أمريكا الأحادي الجانب منه. ففي الوقت الذي كانت فيه إيران تنفذ التزاماتها، انسحب دونالد ترامب من الاتفاق وأعاد فرض مجموعة من العقوبات غير المسبوقة.
هذا الحدث حمل رسالةً واضحةً للعديد من صانعي القرار الإيرانيين: الاتفاقات والالتزامات الأمريكية قد تتغير مع تبدّل الحكومات.
مثال آخر هو حجز وتجميد الأصول الإيرانية في دول مختلفة تحت الضغط الأمريكي. حتى الموارد التي تعود ملكيتها للشعب الإيراني واجهت عمليًا قيودًا سياسيةً متكررةً. لذا يبرز القلق من أن ارتباط جزء من الأمن الغذائي الوطني بمورّد محدّد، قد يتحول مستقبلاً إلى ورقة ضغط جديدة.
ومن الناحية الاستراتيجية، يُعتبر الأمن الغذائي اليوم جزءًا من مفهوم «الردع الوطني». تمامًا كما تسعى الدول إلى تقليل اعتمادها في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، فإن تنويع مصادر الغذاء ضرورة أمنية. ولقد أظهرت تجربة الحرب في أوكرانيا كيف يمكن لتعطّل صادرات الحبوب أن يصدم الأسواق العالمية، ويعرّض الحكومات لأزمات اجتماعية واقتصادية.
في ظل هذه الظروف، فإن قبول صيغةٍ تربط الأصول الإيرانية المُفرج عنها بشراء المنتجات الزراعية الأمريكية قد يُفضي إلى اعتماد هيكلي، اعتماد قد يبدو اقتصاديًا على المدى القصير، لكنه سيحمل أبعادًا سياسيةً وأمنيةً على المدى البعيد.
ويجدر التنويه إلى أن إيران اليوم تمتلك خيارات متعددة لتأمين الحبوب ومستلزمات الأعلاف، فروسيا والبرازيل والأرجنتين وكازاخستان وبعض الدول الآسيوية تعتبر من الموردين الرئيسيين للأسواق العالمية. لذلك، لا توجد ضرورة استراتيجية تدفع إلى تخصيص الموارد المالية الإيرانية حصريًا للشراء من أمريكا.
صفقة ترامب؛ بيع الحبوب لشراء قاعدة انتخابية
وإذا افترضنا أن أحد الشروط الرسمية أو غير الرسمية لأي اتفاق محتمل، هو توجيه جزء من الأصول الإيرانية المُفرج عنها نحو شراء المنتجات الزراعية الأمريكية، فإن الأمر لن يقتصر على صفقة تجارية عادية فحسب؛ بل سيتحول إلى إنجاز سياسي للحكومة الأمريكية، وبالأخص لشخص دونالد ترامب.
يواجه ترامب في الداخل الأمريكي نقدين متزامنين: الأول من معارضين يتهمونه بالدخول في مواجهة مكلفة مع إيران، معتبرين أن هذه السياسة كبّدت أمريكا تكاليف اقتصادية وأمنية جسيمة. والثاني من منتقدين يصفون أي اتفاق محتمل مع إيران بأنه «تقديم تنازلات بلا مقابل»، ويرونه تراجعًا عن شعاراته الانتخابية.
وفي هذا السياق، إذا استطاعت الحكومة الأمريكية أن تعلن أن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المُفرج عنها عادت إلى الاقتصاد الأمريكي وأنفقت على شراء الذرة والصويا والقمح وغيرها من منتجات المزارعين الأمريكيين، فإن هذا الأمر قد يتحول بسهولة إلى أداة دعائية قوية. وسيتمكن ترامب من الادعاء بأنه لم يجبر إيران فقط على قبول الاتفاق، بل ساهمت أموال إيران في دعم المنتجين والمزارعين الأمريكيين.
وتزداد أهمية هذه المسألة حين نعلم أن الولايات الزراعية الأمريكية مثل آيوا ونبراسكا وكانساس وداكوتا، تُعد من القواعد السياسية الأساسية للحزب الجمهوري. وكان الدعم الاقتصادي لمزارعي هذه الولايات، دائمًا أحد المحاور الرئيسية في المنافسات الانتخابية الأمريكية.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن كل عقد كبير لتصدير المنتجات الزراعية قد يتحول إلى رصيد سياسي للبيت الأبيض، لا سيما قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث يمكن أن يحدّد التحكم في مجلس النواب ومجلس الشيوخ مصير استمرار سياسات الحكومة.
نموذج الصين في التعامل مع ترامب
من جهة أخرى، تقدّم تجربة الصين في حرب الرسوم الجمركية مع أمريكا، درسًا مهمًا في هذا الصدد. كانت بكين تدرك جيدًا أن شراء كميات كبيرة من المنتجات الزراعية الأمريكية ليس مجرد صفقة اقتصادية، بل يمنح ترامب فرصةً لعرضها كنجاح لسياسة الضغط الأقصى. ولهذا السبب، خلال ذروة حرب الرسوم الجمركية، وجّهت الصين جزءًا كبيرًا من وارداتها من الصويا والذرة وغيرها من المنتجات الزراعية نحو البرازيل والمكسيك والأرجنتين وغيرها من الموردين، حتى وإن صاحب ذلك زيادةً في التكاليف أو تعقيد في سلسلة التوريد.
بالنسبة لبكين، كان منع استخدامها كأداة دعائية للخصم، جزءًا من الاستراتيجية الكبرى للتنافس مع واشنطن. وتُظهر هذه التجربة أن التجارة الزراعية في صراع القوى الكبرى ليست مجرد تبادل اقتصادي، بل هي جزء من حرب السرديات ونضال الشرعية السياسية. ففي بعض الأحيان، تكتسب صفقة شراء الحبوب قيمةً رمزيةً وسياسيةً تفوق قيمتها الاقتصادية.
وبناءً على ذلك، إذا أنفقت إيران أصولها دون حرية اختيار على شراء المنتجات الزراعية الأمريكية، فلن تكون مجرد صفقة اقتصادية فحسب، بل قد تُقدم في المشهد السياسي الأمريكي كدليل على نجاح سياسة الضغط والعقوبات والتفاوض القسري. وهذا السرد لا يعزّز فقط مكانة الحكومة الأمريكية داخليًا، بل قد يمهّد الطريق لاستمرار هذا النموذج تجاه إيران أو دول أخرى.
في الختام، السؤال الأساسي ليس هل المنتجات الزراعية الأمريكية صالحة للاستهلاك أم لا، بل هل دولة لها تاريخ طويل في استخدام الأدوات الاقتصادية والمالية كوسائل ضغط سياسي، يجب أن تصبح أحد الفاعلين الرئيسيين في أمن إيران الغذائي؟
ومن منظور المصالح الوطنية، الجواب الحذر هو أن إيران، مع الحفاظ على حقها في التجارة مع جميع الدول، يجب أن تتجنب أي آلية تربط أصولها الوطنية بشراء إجباري من مورّد محدّد.
سيكون الأمن الغذائي مستدامًا حين يرتكز على تنويع المصادر، واستقلالية القرار، وتقليل الاعتماد الاستراتيجي، لا على اتفاقات قد تتغير مع تبدل الظروف السياسية في واشنطن.
