الوقت - قام ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، بأول زيارة له إلى منطقة الخليج الفارسي منذ الحرب، وبعد توقيع الاتفاق مع إيران، حيث زار ثلاث دول هي الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين. كما عقد خلال هذه الزيارة اجتماعًا مشتركًا مع مجلس التعاون الخليجي، اختتم بإصدار بيان مشترك.
وقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن أهداف هذه الزيارة تتمحور حول مناقشة بعض من أهمّ القضايا الإقليمية، بما في ذلك الاتفاق الأولي بين إيران والولايات المتحدة، وضمان عبور آمن ومجاني عبر مضيق هرمز، بالإضافة إلى تعزيز النظام والاستقرار الإقليميين.
لكن بعيدًا عن هذه الأهداف المعلنة، يمكن القول إن النقاش الأهمّ في هذه الزيارة، هو محاولة تحديد مستقبل العلاقات بين الدول الخليجية والولايات المتحدة. فقد عاشت دول المنطقة لعقود ضمن نظام «البترودولار»؛ حيث تبيع نفطها بالدولار، وتتبع السياسات الأمريكية الكبرى في مجال الطاقة، وفي المقابل تلتزم الولايات المتحدة بحمايتها من المخاطر والتهديدات.
إلا أن حرب رمضان كشفت مدى هشاشة هذا النظام الأمريكي. فالغطاء الأمني الذي كان من المفترض أن يحمي هذه الدول من التهديدات، يعاني الآن من ثغرات كبيرة يجب على أمريكا إيجاد حلول لها.
تمتلك الولايات المتحدة حاليًا ما لا يقل عن 19 قاعدة عسكرية في غرب آسيا وشمال أفريقيا، وقد نشرت خلال الحرب نحو 40 إلى 50 ألف جندي في المنطقة. لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذا الحجم من القوات والتجهيزات، بدلاً من أن يكون ضمانًا للأمن، أصبح عبئًا إضافيًا وهدفًا واضحًا لإيران في حال وقوع صدام مباشر مع أمريكا، وهو ما يثير قلقًا جديًا لدى الدول العربية في المنطقة.
في هذا السياق، كانت أمريكا تعتبر نفسها ملتزمةً بضمان أمن تدفق الطاقة عالميًا، لكن إغلاق مضيق هرمز أصبح الآن أحد أكبر التحديات. وقد أثار الاتفاق الحالي بين إيران وأمريكا مخاوف كثيرة لهذا السبب، إذ ينص الاتفاق الأولي على أن إيران ستتنازل فقط لمدة 60 يومًا عن تحصيل رسوم عبور السفن عبر مضيق هرمز، وبعد ذلك ستُتخذ قرارات جديدة بشأن هذه المسألة.
خلال الحرب، تعرضت الإمارات والبحرين والكويت، التي تعتمد بشكل كبير على الصادرات عبر الخليج الفارسي، لأضرار اقتصادية كبيرة. أما السعودية فقد خففت جزءًا من الضغط بنقل جزء من صادراتها عبر خطوط أنابيب من الشرق إلى الغرب، لكن مثل هذا الاستعداد لم يكن متوفرًا في بقية دول المنطقة.
لقد أدت الحرب وإغلاق مضيق هرمز إلى دفع هذه الدول، وسط تزايد عدم الثقة في قدرة أمريكا على تأمين طرق الملاحة البحرية، إلى البحث مجددًا عن مسارات بديلة لتصدير الطاقة والتجارة. وربما يمثّل هذا الأمر اليوم أهم هموم الدول الخليجية.
لهذا السبب، وفي ختام اجتماع مجلس التعاون، رفض الأعضاء في بيان مشترك فرض إيران رسومًا على عبور مضيق هرمز.
عبّر روبيو في تصريح له عن أن فرض إيران رسومًا على عبور السفن من مضيق هرمز، سيؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة كفيروس في جميع أنحاء العالم، بحيث تحاول كل دولة بعد ذلك تحصيل أموال مقابل عبور الممرات المائية الدولية. وربما يمكن القول إن هذا هو أهمّ نتيجة سياسية لزيارته.
تسعى الولايات المتحدة إلى خلق نوع من الإجماع الإقليمي في الخليج الفارسي ضد إيران. فبمجرد أن تقبل سفن الدول العربية في الخليج الفارسي النظام الجديد الذي تفرضه إيران على إدارة المضيق، سيُعتبر ذلك إضفاء شرعية على هذا النظام وظهور ممارسة جديدة في المنطقة. بعض الدول العربية لا ترى في هذا الأمر مصلحةً لها، لكنها في الوقت ذاته تفتقر إلى أدوات كافية لمواجهته. ولهذا السبب، جاء روبيو إلى المنطقة ليخفّف من مخاوفهم الأمنية والسياسية.
كما خصّص جزء من بيان مجلس التعاون لدعم اللجنة التقنية لإدارة إعادة إعمار غزة، ودعم عملية نزع سلاح حزب الله في لبنان، وكذلك إدانة الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة على البنى التحتية لأعضاء المجلس.
على أي حال، في ظل الظروف الراهنة في المنطقة، لم تعد المشكلة الكبرى تكمن فقط في عدم الثقة بقدرات الولايات المتحدة، بل في عدم الثقة بإرادتها السياسية ورغبتها. ومثال قطر في هذا الصدد يعدّ نموذجًا مناسبًا؛ إذ تعرضت، خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا، لهجمات من إيران بسبب وجود قاعدة "العديد" الأمريكية على أراضيها، كما استهدفت "إسرائيل" اجتماع أعضاء حركة حماس في قطر بهجوم صاروخي. وهذا هو الوضع الذي تواجهه العديد من الدول العربية.
في حالة قطر، لم تكن الولايات المتحدة تمتلك القدرة الدفاعية الكافية لمنع الهجوم الإيراني بشكل كامل، وبالنسبة للهجوم الإسرائيلي، تشير التقارير إلى أن هذا العمل تم بتنسيق مع الجيش الأمريكي؛ وبالتالي، فإن المسألة هنا ليست عجزًا بل غيابًا للإرادة لمنع هذه الهجمات.
لقد شعرت العديد من الدول العربية أن الولايات المتحدة، سواء في بداية الحرب أو خلال استمرارها، كانت تعمل بشكل أساسي لخدمة مصالح الكيان الصهيوني، وأنها إذا اقتضى الأمر، تضحّي بسهولة بمصالح وأمن الدول العربية لصالح هذه الأولوية.
لذلك، يمكن اعتبار زيارة روبيو محاولةً لإعادة بناء العلاقات الأمنية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والدول الخليجية. ومع ذلك، يبدو من غير المرجّح أن تتمكن الولايات المتحدة من إحداث تغيير جذري في هذا النظام؛ ولذلك، من المتوقع أن تحاول من خلال تقديم بعض التنازلات والضمانات والوعود الأمنية إبقاء هذه الدول ضمن إطار النظام السابق، خشية أن تتجه نحو نظام جديد تهيمن عليه الصين على الصعيد العالمي.
بشكل عام، لا يمكن اعتبار زيارة ماركو روبيو مجرد رحلة دبلوماسية عادية أو سلسلة من اللقاءات الشكلية؛ بل هي في جوهرها تعبير عن محاولة الولايات المتحدة لإدارة تداعيات الحرب، وإعادة بناء ثقة حلفائها العرب، ومنع تحولات في موازين القوى الجيوسياسية في الخليج الفارسي.
ورغم استمرار واشنطن في محاولة تقديم نفسها كضامن لأمن المنطقة، إلا أن الوقائع الميدانية للحرب والتطورات الأخيرة، أظهرت أن العديد من الدول العربية لم تعد تثق بهذا الدور كما في السابق. ولهذا السبب، فإن مستقبل العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة والدول الخليجية مرتبط أكثر من أي وقت مضى بقدرة واشنطن على تقديم ضمانات عملية وليس مجرد وعود سياسية؛ وهو أمر قد يؤثّر في السنوات القادمة على مسار النظام الإقليمي بأكمله.
