الوقت- في ظل استمرار الحرب في قطاع غزة وما يرافقها من تداعيات إنسانية وقانونية واسعة، تتصاعد التحذيرات بشأن الوضع الصحي والإنساني للطبيب الفلسطيني المعتقل حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان شمال القطاع، والذي لا يزال محتجزًا في سجون الكيان الإسرائيلي منذ اعتقاله أواخر ديسمبر/كانون الأول 2024، وسط اتهامات متزايدة بتعرضه لظروف احتجاز قاسية، وإهمال طبي ممنهج، وعزل انفرادي طويل.
وتكشف إفادات قانونية حديثة صادرة عن محاميه ناصر عودة، إلى جانب روايات عائلته، عن صورة قاتمة لما يعيشه الطبيب داخل المعتقل، حيث يجري احتجازه مكبّل اليدين والقدمين، ويُحرم من العلاج والأدوية الأساسية، في وقت تتدهور فيه حالته الصحية بشكل ملحوظ، وفق ما تؤكده مصادر مقربة من العائلة وفريق الدفاع.
ظروف احتجاز قاسية وعزل انفرادي
بحسب المحامي ناصر عودة، فإن آخر زيارة قانونية أجراها لموكله كشفت عن ظروف وُصفت بـ"القاسية وغير الإنسانية"، حيث جرت المقابلة داخل غرفة مراقبة بالكاميرات، وبحضور حراس، مع فصل زجاجي بين الطرفين، ما حدّ بشكل كبير من القدرة على التواصل الحر.
وأكد المحامي أن أبو صفية بقي خلال الزيارة مكبل اليدين والقدمين، الأمر الذي اعتبره انتهاكًا لحقه في التواصل القانوني الطبيعي، خصوصًا أنه لم يكن قادرًا على الحديث بحرية أو نقل تفاصيل كاملة عن وضعه، خشية التعرض لأي عقوبات لاحقة.
كما أشار إلى أن موكله نُقل في الثالث من يونيو/حزيران من سجن النقب إلى العزل الانفرادي في سجن نفحة جنوب الكيان الإسرائيلي، وهو ما زاد من عزله عن العالم الخارجي، ومنع عنه التواصل مع محاميه أو أي جهة حقوقية بشكل منتظم، وفق ما ورد في الإفادة القانونية.
ويحذر الدفاع من أن استمرار العزل الانفرادي لفترات طويلة، خاصة في ظل الوضع الصحي المتدهور، قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة على الصحة الجسدية والنفسية للطبيب.
تدهور صحي وفقدان وزن وإصابات متعددة
تشير المعطيات الواردة من فريق الدفاع إلى أن الطبيب أبو صفية يعاني من أمراض مزمنة في القلب وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى مضاعفات جلدية، يُعتقد أنها ناجمة عن سوء ظروف الاحتجاز، من بينها إصابته بمرض الجرب نتيجة الإهمال الصحي داخل السجن.
كما أفادت تقارير قانونية بأنه فقد ما يقارب 25 كيلوغرامًا من وزنه منذ اعتقاله، في ظل نقص واضح في الغذاء والرعاية الطبية، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن قدرته على الصمود صحيًا في حال استمرار هذه الظروف.
ويؤكد المحامي أن إدارة السجون الإسرائيلية ترفض تزويده بالأدوية الأساسية أو إجراء فحوصات طبية منتظمة، رغم الطلبات المتكررة من فريق الدفاع، وهو ما يعتبره انتهاكًا واضحًا للمعايير الدولية الخاصة بمعاملة السجناء، خصوصًا من فئة المرضى.
اعتقال أثناء عمله الطبي
تعود بداية قضية الطبيب حسام أبو صفية إلى 27 ديسمبر/كانون الأول 2024، حين قامت قوات الجيش الإسرائيلي باعتقاله خلال اقتحام مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، حيث كان يشغل منصب مدير المستشفى ويشرف على عمل الطواقم الطبية في ظل ظروف الحرب.
وتؤكد عائلته ومنظمات حقوقية أنه كان يؤدي مهامه الإنسانية داخل المستشفى، الذي ظل يعمل رغم الظروف الصعبة التي فرضتها العمليات العسكرية، ما يجعل اعتقاله، وفق هذه الجهات، جزءًا من استهداف أوسع للقطاع الصحي في غزة.
وفي فبراير/شباط 2025، صدر قرار بتحويله إلى الاعتقال بموجب ما يعرف بـ"قانون المقاتل غير الشرعي"، وهو قانون إسرائيلي يتيح احتجاز أشخاص لفترات غير محددة دون توجيه تهم رسمية أو تقديم أدلة علنية، وهو ما يثير جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية.
جلسات محكمة وسط غياب الشفافية
وفق ما أورده المحامي ناصر عودة، فقد تم تقديم استئناف إلى المحكمة العليا الإسرائيلية ضد استمرار احتجاز الطبيب، على أن تعقد جلسة للنظر في الملف خلال الأيام المقبلة.
ويؤكد فريق الدفاع أن جلسات المحكمة تعتمد في جزء كبير منها على "مواد سرية" لا يتم الكشف عنها للدفاع، ما يحد من قدرة الفريق القانوني على تقديم ردود قانونية كاملة، ويطرح تساؤلات حول ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي إحدى الجلسات الأخيرة، ظهر الطبيب عبر اتصال فيديو من داخل زنزانته، في أول ظهور علني له منذ أكثر من عام، حيث بدا عليه تدهور صحي واضح، وفق ما نقل نجله إلياس، الذي وصف المشهد بأنه "صادم" وأقرب إلى صورة إنسان منهك جسديًا بشكل شديد.
شهادة العائلة: بين الصدمة والقلق
نجل الطبيب، إلياس أبو صفية، روى تفاصيل مؤثرة عن ظهور والده خلال جلسة المحكمة، مشيرًا إلى أنه بدا فاقدًا لقدر كبير من وزنه، ويعاني من آثار واضحة للأمراض الجلدية، إضافة إلى آلام حادة في الظهر والرقبة نتيجة ما وصفه بـ"الاعتداءات داخل المعتقل".
وأضاف أن والده تحدث داخل المحكمة عن حرمانه من العلاج والأدوية الضرورية، مؤكدًا أنه لم يتلق أي رعاية طبية مناسبة منذ اعتقاله، رغم تدهور حالته الصحية.
وأشار إلى أن العائلة تلقت صورة والده بصدمة كبيرة، حيث بدا فيها "هيكلًا عظميًا"، على حد وصفه، معتبرًا أن الصورة تعكس حجم المعاناة التي يعيشها داخل السجون.
اتهامات بالإهمال الطبي والعزل العقابي
تتهم عائلة أبو صفية السلطات الإسرائيلية باستخدام العزل الانفرادي كإجراء عقابي إضافي، إلى جانب الإهمال الطبي المتواصل، معتبرة أن ما يتعرض له يشكل خطرًا مباشرًا على حياته.
كما يشدد فريق الدفاع على أن استمرار احتجازه دون توجيه لائحة اتهام رسمية، مع الاعتماد على معلومات غير معلنة، يمثل مساسًا خطيرًا بمبدأ العدالة وحقوق المعتقلين.
وتحذر جهات حقوقية من أن حالة الطبيب قد تدخل مرحلة حرجة إذا استمر حرمانه من العلاج، خصوصًا في ظل إصابته بأمراض مزمنة تحتاج إلى متابعة طبية يومية.
دعوات دولية للتحرك
في ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية وطبية دولية، من بينها جهات تابعة للأمم المتحدة، إلى ضرورة ضمان حصول الطبيب على الرعاية الطبية اللازمة، والسماح بزيارات منتظمة من محاميه، وإعادة النظر في ظروف احتجازه.
كما طالبت هذه الجهات بضرورة احترام القوانين الدولية المتعلقة بحماية الطواقم الطبية أثناء النزاعات المسلحة، مؤكدة أن استهداف العاملين في القطاع الصحي يشكل خرقًا خطيرًا للقانون الإنساني الدولي.
بين القانون والإنسانية
قضية حسام أبو صفية تتجاوز حدود الملف الفردي، لتطرح أسئلة أوسع حول أوضاع المعتقلين الفلسطينيين، وحدود استخدام القوانين الأمنية في ظل غياب الشفافية القضائية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص كانوا جزءًا من منظومة طبية إنسانية.
وفي الوقت الذي تستمر فيه الإجراءات القانونية، تبقى المخاوف قائمة بشأن مصير الطبيب، وسط تحذيرات من أن أي تأخير في توفير العلاج أو تحسين ظروف الاحتجاز قد تكون له عواقب لا يمكن تداركها.
بين العزل الانفرادي، والتدهور الصحي، والمعارك القانونية غير المكتملة، يقف ملف الطبيب حسام أبو صفية عند تقاطع حساس بين القانون والإنسانية. وبينما تنتظر العائلة قرار المحكمة، تبقى حالته الصحية محور قلق متزايد لدى جهات حقوقية وطبية، ترى أن الوقت في هذه القضية ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل عاملًا حاسمًا في مصير إنسان.
