الوقت- دعت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، المؤسسات المصرفية العالمية إلى وقف أي شكل من أشكال التمويل المرتبط بالعمليات العسكرية الجارية في قطاع غزة، والتي وصفتها بأنها ترتقي إلى “إبادة جماعية” ترتكب بحق المدنيين الفلسطينيين.
وتأتي هذه الدعوة في ظل تصاعد الجدل الدولي حول دور المؤسسات المالية الكبرى في تمويل الأنشطة المرتبطة بالكيان الإسرائيلي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر شراء السندات الحكومية أو تمويل الشركات المرتبطة بالبنية الاقتصادية والعسكرية.
دعوة مباشرة للبنوك الكبرى: “كفّوا عن التمويل”
في منشور عبر منصة “إكس”، أشارت ألبانيز إلى أن جزءاً من التمويل الذي يصل إلى الكيان الإسرائيلي يأتي عبر أدوات مالية دولية، من بينها السندات السيادية التي يتم تسويقها عبر بنوك عالمية كبرى، مؤكدة أن هذا المسار المالي “يُسهم في استمرار العمليات العسكرية في غزة”.
وأشادت بقرار بعض البنوك، من بينها باركليز وبي إن بي باريبا، التي قالت إنها أوقفت أو قلصت مشاركتها في هذه الأدوات المالية، واعتبرت ذلك خطوة “إيجابية” في الاتجاه الصحيح.
وفي المقابل، دعت مؤسسات مالية كبرى أخرى، مثل غولدمان ساكس وبنك أوف أميركا وسيتي بنك ودويتشه بنك وجي بي مورغان تشيس، إلى اتخاذ خطوات مماثلة والانسحاب من أي ترتيبات مالية قد تُستخدم في دعم العمليات العسكرية.
وترى ألبانيز أن استمرار هذا النوع من التمويل يضع القطاع المصرفي العالمي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية متزايدة، خاصة في ظل الاتهامات الموجهة للكيان الإسرائيلي بارتكاب انتهاكات واسعة للقانون الدولي الإنساني في غزة.
أرقام ثقيلة وسياق إنساني كارثي
تزامنت هذه التصريحات مع استمرار الحرب على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، والتي أدت بحسب بيانات متداولة إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، إضافة إلى دمار واسع في البنية التحتية، ونقص حاد في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
وتشير أرقام ميدانية إلى أن عدد الشهداء تجاوز 70 ألفاً، إلى جانب أكثر من 170 ألف جريح، في حصيلة وصفت بأنها من بين الأعلى في النزاعات الحديثة، وسط صعوبات كبيرة تواجه فرق الإنقاذ في الوصول إلى الضحايا العالقين تحت الأنقاض.
كما يعاني القطاع من حصار مستمر أدى إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية، ما دفع منظمات دولية متخصصة إلى التحذير من انهيار شامل في النظام الصحي والاقتصادي والاجتماعي داخل غزة.
جدل قانوني حول مفهوم “التمويل غير المباشر”
إحدى النقاط المركزية في تصريحات ألبانيز تتعلق بمفهوم “التمويل غير المباشر”، حيث ترى أن شراء السندات الحكومية أو تمويل المؤسسات المرتبطة بالدولة قد يُعتبر شكلاً من أشكال الدعم غير المباشر للعمليات العسكرية، إذا ثبت استخدامها في تمويل الحرب.
هذا الطرح يفتح نقاشاً واسعاً داخل الأوساط القانونية والمالية حول حدود المسؤولية الأخلاقية والقانونية للمؤسسات المصرفية الدولية، خاصة في النزاعات المسلحة طويلة الأمد.
ويرى بعض الخبراء أن هذه المسألة قد تصبح محوراً لمزيد من التحقيقات الدولية، خصوصاً إذا استمرت الدعوات الأممية في الضغط باتجاه مساءلة الشركات المالية عن دورها في النزاعات.
استدعاء تاريخي: دعوات أممية سابقة ومصيرها
ليست هذه المرة الأولى التي تصدر فيها الأمم المتحدة أو تقارير تابعة لها دعوات قوية لوقف سياسات أو ممارسات تتعلق بالكيان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. فقد صدرت خلال السنوات الماضية عدة تقارير أممية، بعضها دعا إلى وقف الاستيطان، وأخرى طالبت برفع الحصار عن غزة، أو فتح تحقيقات في الانتهاكات المزعومة.
فعلى سبيل المثال، وثّقت تقارير صادرة عن لجان تحقيق أممية سابقة خلال حروب غزة المتكررة توصيات بضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وفرض قيود على تصدير الأسلحة أو الدعم العسكري للأطراف المتورطة في النزاع. إلا أن معظم هذه التوصيات بقيت في إطار “الدعوات غير الملزمة”، دون أن تتحول إلى قرارات تنفيذية شاملة من مجلس الأمن أو المؤسسات المالية الدولية.
كما أن دعوات سابقة لفرض قيود اقتصادية أو مراجعة العلاقات التجارية مع الكيان الإسرائيلي واجهت غالباً انقساماً دولياً حاداً، حيث اصطدمت بمواقف سياسية متباينة بين الدول الكبرى، ما أدى إلى تجميد أو إضعاف تأثير العديد من المبادرات الأممية.
ويشير مراقبون إلى أن هذا النمط المتكرر من “الدعوات غير المنفذة” يعكس فجوة مزمنة بين الخطاب الحقوقي الدولي وآليات التنفيذ الفعلية، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية النظام الأممي في التعامل مع النزاعات المعقدة.
البنوك في قلب الجدل السياسي
الدعوة الأخيرة أعادت وضع القطاع المصرفي العالمي في قلب الجدل السياسي والحقوقي، إذ لم يعد دوره محصوراً في التمويل الاقتصادي التقليدي، بل بات يُنظر إليه كطرف غير مباشر في النزاعات المسلحة عندما يتعلق الأمر بتمويل الدول أو الكيانات المتورطة في الحروب.
ويرى محللون أن استجابة بعض البنوك بالفعل لنداءات سابقة بالانسحاب من أدوات مالية مرتبطة بالكيان الإسرائيلي قد تشكل بداية تحول تدريجي في سياسات الاستثمار الأخلاقي، رغم أن هذا التحول ما يزال محدوداً ويخضع لحسابات الربح والمخاطر السياسية.
في المقابل، تلتزم مؤسسات مالية أخرى الصمت أو تواصل أنشطتها المعتادة، ما يعكس تبايناً واضحاً في المواقف داخل القطاع المصرفي العالمي تجاه هذه القضية.
بين القانون والسياسة: اختبار جديد للنظام الدولي
تضع تصريحات ألبانيز، وما تثيره من تفاعل، النظام الدولي أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرته على ترجمة المبادئ الحقوقية إلى إجراءات عملية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالجهات الاقتصادية العابرة للحدود.
فبينما تؤكد الأمم المتحدة على احترام القانون الدولي الإنساني ومنع تمويل الانتهاكات، تبقى آليات التنفيذ مرهونة بإرادة الدول والمؤسسات الكبرى، ما يجعل الاستجابة لهذه الدعوات متفاوتة ومعقدة.
تعكس دعوة فرانشيسكا ألبانيز للبنوك العالمية بوقف تمويل العمليات المرتبطة بالحرب في غزة مرحلة جديدة من النقاش الدولي حول المسؤولية المالية في النزاعات المسلحة. وبينما تتوسع الاتهامات الموجهة للكيان الإسرائيلي بشأن الانتهاكات في القطاع، تتزايد في المقابل الضغوط على المؤسسات الاقتصادية العالمية لإعادة تقييم دورها.
لكن التجربة التاريخية مع الدعوات الأممية السابقة تشير إلى أن الطريق بين الإدانة والتنفيذ غالباً ما يكون طويلاً ومعقداً، ويصطدم بتوازنات سياسية واقتصادية تجعل من تحويل الخطاب الحقوقي إلى سياسات ملزمة تحدياً دائماً للنظام الدولي.
