الوقت- تتصاعد التحذيرات الفلسطينية والدولية من تدهور الأوضاع الصحية في الأراضي الفلسطينية إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وتصاعد التوترات في الضفة الغربية، وسط أزمة مالية خانقة ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وتؤكد السلطات الفلسطينية أن القطاع الصحي بات يواجه خطر الانهيار الكامل، الأمر الذي يهدد حياة مئات الآلاف من المرضى والجرحى ويضع المنظومة الطبية أمام تحديات تفوق قدراتها التشغيلية والإدارية.
وخلال إحاطة دبلوماسية عقدت في مقر وزارة الخارجية الفلسطينية بحضور ممثلين عن بعثات دبلوماسية ومنظمات دولية، حذر وزير الصحة الفلسطيني الدكتور ماجد أبو رمضان من أن القطاع الصحي يعيش واحدة من أصعب مراحله منذ عقود، مشيرًا إلى أن تداخل الأزمات الإنسانية والمالية والعملياتية أدى إلى إضعاف قدرة المؤسسات الصحية على أداء مهامها الأساسية.
وأكد الوزير أن ما يجري لا يقتصر على أزمة نقص موارد أو ضغوط تشغيلية مؤقتة، بل يمثل تهديدًا مباشرًا لاستمرار الخدمات الصحية في مختلف المناطق الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة الذي تعرضت بنيته التحتية الصحية لدمار واسع النطاق نتيجة العمليات العسكرية التي نفذها الكيان الإسرائيلي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
دمار غير مسبوق يطال المستشفيات والمراكز الصحية
وشهد قطاع غزة خلال الأشهر الماضية استهدافًا مكثفًا للمنشآت الصحية، ما أدى إلى خروج عدد كبير من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة بشكل كلي أو جزئي. وتعرضت أقسام الطوارئ وغرف العمليات والعناية المركزة لأضرار مباشرة، فيما واجهت الطواقم الطبية ظروفًا قاسية أثناء محاولتها تقديم الرعاية للمصابين والمرضى.
ويقول مسؤولون فلسطينيون إن حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الصحي لا يقتصر على المباني فقط، بل يشمل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق المؤدية إلى المستشفيات، الأمر الذي جعل عملية تقديم الخدمات الطبية أكثر صعوبة وتعقيدًا.
كما أدى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية إلى تعطيل العديد من الخدمات الحيوية المرتبطة بالرعاية الصحية، بما في ذلك خدمات المختبرات الطبية وبنوك الدم ومراكز التأهيل والعلاج الطبيعي ومرافق الرعاية الأولية التي يعتمد عليها آلاف الفلسطينيين يوميًا.
نقص حاد في الأدوية والعلاجات المنقذة للحياة
وتشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن المخزون الدوائي يشهد تراجعًا خطيرًا، حيث نفدت عشرات الأصناف الأساسية المستخدمة في علاج الأمراض المزمنة والخطيرة، فيما وصلت مئات الأصناف الأخرى إلى مستويات حرجة.
ويشمل النقص أدوية السرطان وأمراض القلب والسكري وأدوية غسيل الكلى والمضادات الحيوية، إضافة إلى مستلزمات الجراحة والطوارئ والعناية المركزة. ويحذر أطباء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات بين المرضى الذين يعتمدون بشكل يومي على العلاج الدوائي.
ويواجه مرضى السرطان على وجه الخصوص أوضاعًا مأساوية، إذ إن انقطاع العلاج لفترات طويلة قد يؤدي إلى تدهور حالتهم الصحية بشكل سريع ويقلل فرص الشفاء. كما يعاني مرضى الفشل الكلوي من صعوبات متزايدة في الحصول على جلسات الغسيل المنتظمة بسبب نقص المستلزمات الطبية والضغط الكبير على المرافق الصحية العاملة.
وتزداد معاناة الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن في ظل محدودية الخدمات المتاحة، حيث تعجز بعض المراكز الطبية عن توفير الفحوصات والعلاجات الأساسية بسبب نقص المعدات والأدوية.
كارثة إنسانية تتجاوز حدود العلاج
ويرى مختصون أن الأزمة الصحية الحالية لم تعد مجرد مشكلة تتعلق بالمستشفيات أو الأدوية، بل تحولت إلى أزمة صحة عامة تهدد المجتمع الفلسطيني بأكمله.
فمع تدمير شبكات المياه والصرف الصحي وتكدس النفايات في العديد من المناطق، تزداد المخاوف من انتشار الأمراض المعدية والأوبئة، خاصة داخل مراكز الإيواء التي تشهد اكتظاظًا كبيرًا نتيجة موجات النزوح المتكررة.
وتحذر الجهات الصحية من أن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الناتجة عن سوء التغذية ونقص المياه النظيفة وانتشار الأمراض المعدية، فيما يواجه كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة مخاطر إضافية بسبب صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية المنتظمة.
كما أن الظروف المعيشية القاسية أسهمت في ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الجلدية والتنفسية وأمراض الجهاز الهضمي، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لمواجهتها.
أزمة مالية تهدد استمرارية الخدمات
إلى جانب التحديات الميدانية، يواجه القطاع الصحي الفلسطيني أزمة مالية غير مسبوقة بسبب استمرار احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، التي تشكل مصدرًا أساسيًا لتمويل الخدمات الحكومية.
وبحسب وزارة الصحة، تجاوزت الديون المتراكمة على القطاع الصحي مليارات الشواكل، تشمل مستحقات للمستشفيات الخاصة ومستشفيات القدس الشرقية وشركات الأدوية والموردين.
وأدى هذا الوضع إلى تراجع قدرة الوزارة على شراء الأدوية وسداد الفواتير المستحقة، كما تسبب في تأجيل آلاف العمليات الجراحية وتقليص الخدمات المقدمة في عدد كبير من المراكز الصحية.
كما اضطرت بعض المؤسسات الطبية إلى خفض ساعات العمل أو تقليص عدد العاملين لديها نتيجة الضائقة المالية، الأمر الذي انعكس سلبًا على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الأزمة المالية قد يدفع المزيد من المؤسسات الصحية إلى تقليص نشاطها أو إغلاق بعض أقسامها، ما يزيد من الضغط على المستشفيات الحكومية التي تعمل أصلًا في ظروف استثنائية.
آثار نفسية طويلة الأمد
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الجسدي فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية التي تعرضت لضغوط هائلة خلال الفترة الماضية.
فآلاف الفلسطينيين يعيشون تحت تأثير الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب وفقدان أفراد الأسرة والنزوح المستمر وانعدام الشعور بالأمان. ويؤكد مختصون في الصحة النفسية أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر تأثرًا بهذه الظروف، حيث تظهر عليهم أعراض القلق والخوف واضطرابات النوم والسلوك.
كما يعاني العديد من البالغين من الاكتئاب والتوتر المزمن واضطرابات ما بعد الصدمة، وهي مشكلات قد تستمر لسنوات طويلة حتى بعد انتهاء الأزمة الحالية.
مطالبات بتحرك دولي عاجل
من جانبها، أكدت وزيرة الخارجية والمغتربين الفلسطينية فارسين أغابكيان شاهين أن حماية القطاع الصحي الفلسطيني أصبحت ضرورة إنسانية ملحة، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني.
وشددت على أن استمرار استهداف المؤسسات الصحية وتقييد وصول الإمدادات الطبية يفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد مستقبل الخدمات الصحية في فلسطين، مطالبة بالإفراج عن أموال المقاصة واتخاذ خطوات عملية لضمان استمرار عمل المستشفيات والمراكز الطبية.
كما دعت المنظمات الدولية والهيئات الإنسانية إلى تكثيف جهودها لدعم القطاع الصحي الفلسطيني وتوفير الاحتياجات العاجلة للمستشفيات والطواقم الطبية، محذرة من أن أي تأخير إضافي قد يؤدي إلى نتائج كارثية يصعب احتواؤها لاحقًا.
وفي ظل استمرار التحديات الميدانية والمالية والإنسانية، تبدو المنظومة الصحية الفلسطينية أمام اختبار مصيري قد يحدد مستقبل الرعاية الطبية لملايين الفلسطينيين. وبينما تواصل الطواقم الطبية عملها في ظروف بالغة الصعوبة، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى انهيار تدريجي للقطاع الصحي، الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية واسعة النطاق تتجاوز آثارها حدود فلسطين وتمتد إلى المنطقة بأسرها.
