الوقت- في الوقت الذي يواصل فيه الكيان الإسرائيلي مواجهة تداعيات حربه على قطاع غزة والمواجهة العسكرية غير المسبوقة مع إيران، تتكشف مؤشرات جديدة على أن الخسائر التي تكبدها لم تقتصر على الجوانب العسكرية والاقتصادية والأمنية، بل امتدت إلى واحدة من أكثر الساحات أهمية في الصراعات الحديثة، وهي ساحة الرأي العام العالمي والصورة الدولية.
فبعد عقود من العمل السياسي والإعلامي والدبلوماسي الهادف إلى تعزيز مكانته في الغرب وتقديم نفسه بوصفه دولة ديمقراطية تواجه تهديدات أمنية مستمرة، يبدو أن الكيان الإسرائيلي يواجه اليوم تحديًا غير مسبوق يتمثل في تراجع مستوى التأييد الشعبي له في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك داخل الدول التي كانت تعد تقليديًا من أقرب حلفائه.
وتشير نتائج دراسة حديثة وصفت بأنها الأكثر شمولًا منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية مع إيران، إلى تحول كبير في المزاج العالمي تجاه الكيان الإسرائيلي. فقد أظهرت الدراسة أن 67% من البالغين حول العالم يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقابل 25% فقط ينظرون إليها بإيجابية. وتعكس هذه الأرقام اتساع دائرة الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية وتراجع قدرتها على المحافظة على صورتها السابقة في الرأي العام العالمي.
أوروبا.. من الدعم التقليدي إلى الانتقاد المتزايد
تبدو القارة الأوروبية من أكثر المناطق التي شهدت تحولات ملحوظة في المواقف الشعبية تجاه الكيان الإسرائيلي. فبحسب نتائج الاستطلاع، ارتفعت نسبة الآراء السلبية بصورة كبيرة في عدد من الدول الأوروبية الرئيسية.
ففي ألمانيا، التي لطالما ارتبطت بعلاقات سياسية وثيقة مع الكيان الإسرائيلي، ارتفعت نسبة الآراء السلبية بنحو 9%. كما سجلت إيطاليا وبولندا والمملكة المتحدة زيادات تجاوزت 10%، في حين أصبحت إيطاليا وهولندا وإسبانيا من بين الدول الأوروبية التي يحمل فيها نصف السكان البالغين أو أكثر مواقف سلبية تجاه الكيان الإسرائيلي.
ويرى محللون أن هذه التحولات تعكس حالة من التباين المتزايد بين المواقف الرسمية للحكومات الأوروبية وبين توجهات الرأي العام، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمعلومات والصور المرتبطة بالحروب والصراعات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
كما أن الأجيال الشابة في أوروبا باتت أكثر ميلًا إلى تبني مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا، وهو ما يشير إلى إمكانية استمرار هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة.
تصدعات داخل معسكر الحلفاء
ولعل أكثر ما يثير القلق بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب هو ظهور مؤشرات واضحة على تراجع التأييد حتى داخل الدول الحليفة.
ففي الولايات المتحدة، التي تمثل الحليف الاستراتيجي الأهم للكيان الإسرائيلي، ارتفعت نسبة المواطنين الذين يحملون آراء سلبية تجاه إسرائيل بمقدار 7%. ورغم استمرار الدعم السياسي والعسكري الأمريكي، فإن نتائج الاستطلاعات تشير إلى وجود فجوة متزايدة بين مواقف المؤسسات الرسمية وتوجهات قطاعات واسعة من الرأي العام.
أما في المملكة المتحدة، فقد سجلت نسبة النفور من الكيان الإسرائيلي ارتفاعًا بلغ 8%، وهو ما يعكس تحولًا تدريجيًا في النظرة الشعبية البريطانية تجاه الأحداث الجارية في الشرق الأوسط.
ويشير عدد من الخبراء إلى أن تأثير الجامعات والحركات الشبابية ومنظمات حقوق الإنسان لعب دورًا مهمًا في تشكيل هذه المواقف الجديدة، خصوصًا بعد موجات الاحتجاج الواسعة التي شهدتها العديد من المدن الغربية خلال الفترة الماضية.
المجر.. مثال على اتساع الفجوة بين الحكومات والشعوب
وتبرز المجر بوصفها حالة لافتة للنظر في هذا السياق. فعلى الرغم من العلاقات الوثيقة التي جمعت حكومة رئيس الوزراء فيكتور أوربان بالحكومة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، فإن نتائج الاستطلاع تكشف أن 54% من المجريين يحملون نظرة سلبية تجاه الكيان الإسرائيلي، مقابل 32% فقط ينظرون إليها بإيجابية.
وتزداد الصورة وضوحًا عند النظر إلى الفوارق العمرية، حيث أبدى 72% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا مواقف سلبية تجاه الكيان الإسرائيلي، مقارنة بـ45% فقط بين من تجاوزت أعمارهم خمسين عامًا.
كما أظهرت النتائج تراجعًا في مستوى الثقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ أكد 65% من المستطلعين أنهم لا يثقون به أو يثقون به بدرجة محدودة جدًا، وهي نسبة ارتفعت بشكل ملحوظ مقارنة بالعام السابق.
آسيا وأفريقيا.. تنامٍ في المواقف السلبية
ولم تقتصر التحولات على أوروبا وأمريكا الشمالية، بل امتدت إلى مناطق أخرى من العالم.
ففي كوريا الجنوبية ارتفعت نسبة الآراء السلبية تجاه إسرائيل بنحو 10%، بينما شهدت نيجيريا زيادة بلغت 9%. كما سجلت دول مثل إندونيسيا وجنوب أفريقيا وأستراليا وكندا ارتفاعات تراوحت بين 5 و8% في مؤشرات عدم الرضا عن الكيان الإسرائيلي.
أما في تركيا، فقد وصلت نسبة الآراء السلبية إلى مستوى قياسي جديد بلغ 97%، بعدما كانت 93% في السابق، ما يعكس حجم التدهور في صورة الكيان الإسرائيلي لدى الرأي العام التركي.
وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق الانتقادات الدولية لتشمل دولًا ومجتمعات تختلف في خلفياتها السياسية والثقافية والجغرافية، وهو ما يمنح هذه الظاهرة طابعًا عالميًا لا يقتصر على منطقة معينة.
ويرى خبراء العلاقات الدولية أن استمرار تراجع صورة الكيان الإسرائيلي قد يؤدي على المدى البعيد إلى زيادة الضغوط السياسية عليها داخل المؤسسات الدولية، وإلى تنامي الأصوات المطالبة بإعادة النظر في بعض أشكال الدعم المقدم لها من قبل الدول الغربية.
بين التحالفات الرسمية والرأي العام
ورغم هذه المؤشرات السلبية، لا يزال الكيان الإسرائيلي يحتفظ بشبكة واسعة من العلاقات والتحالفات الدولية، كما أن العديد من الحكومات الغربية تواصل دعمها السياسي والعسكري له.
إلا أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الفجوة المتزايدة بين المواقف الحكومية والرأي العام لا يمكن تجاهلها إلى الأبد. فمع مرور الوقت قد تتحول التغيرات الشعبية إلى ضغوط سياسية تؤثر في توجهات الحكومات وقراراتها.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الكيان الإسرائيلي يواجه اليوم معركة من نوع مختلف، لا تُقاس بنتائج المواجهات العسكرية فقط، بل بقدرتها على استعادة ثقة الرأي العام العالمي الذي يبدو أنه بات أكثر انتقادًا لسياساتها من أي وقت مضى.
مستقبل غامض لصورة الكيان الإسرائيلي
تشير المعطيات الحالية إلى أن الحرب مع إيران، إلى جانب تداعيات الحرب المستمرة على غزة، أسهمت في تعميق أزمة الصورة التي يواجهها الكيان الإسرائيلي على المستوى الدولي. فبينما تواصل الحكومات الحليفة دعمها له في العديد من الملفات، تكشف استطلاعات الرأي عن اتجاه عالمي متنامٍ نحو تبني مواقف أكثر سلبية تجاهه.
وبينما يصعب التنبؤ بمدى استمرارية هذا التحول، فإن الأرقام الأخيرة توحي بأن الكيان الإسرائيلي يمر بواحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه الحديث، حيث لم تعد التحديات مقتصرة على ساحات القتال، بل امتدت إلى ساحة الرأي العام العالمي التي أصبحت عاملًا مؤثرًا في رسم ملامح العلاقات الدولية ومستقبل الصراعات في القرن الحادي والعشرين.
